كان الحكم الإسلامي للأندلس بالنسبة لمؤرخي اليهود الصفحة الأنصع بياضًا في تاريخ حافل بالظلم والاضطهاد ومخضب بالدماء، فعند سماع كلمة يهودي يمكنك أن تشتم رائحة أفران الغاز التي أعدها هتلر، أو تتصور آلاف الجثث المتكتلة بعضها فوق بعض، لكن على النقيض تمامًا في الأندلس ارتبطت كلمة يهودي بأسماء أفضل التجار والفلاسفة والشعراء والأطباء والوزراء.

وعند البحث والتمحيص الدقيق ستجد أن يهود الأندلس أجمعين مدينون لرجل وضع أساس العصر الذهبي ليهود الأندلس، فما قصته؟ وما علاقته بعبد الرحمن الناصر؟ وما إسهاماته العلمية والأدبية؟ ولم مجَّده اليهود ولقبوه برأس العرش؟ وكيف أعاد أمجادهم؟ 

ابن شبروط.. «جيان» هنا بدأت الحكاية

نقلًا عن الدكتور عبد المجيد نعنعي في كتاب «تاريخ الدولة الأموية في الأندلس»، اقتنع أخوة عبد الرحمن الناصر وأعمامه في عام 913م بأنه الشخص الوحيد المناسب لتقلد منصب الحكم بفضل حنكته السياسية منذ الصغر، وربما تهربًا من المسئولية؛ إذ كانت الأندلس أشبه بكرة اللهب المتأججة، فحدودها مهددة بهجمات الإسبان المسيحيين، وبات خطر عمر بن حفصون يقترب من العاصمة قرطبة. 

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
إسماعيل بن نغرالة.. عندما أصبح «اليهودي الحكيم» وزيرًا لغرناطة

لم يخيب الناصر آمال الأندلسيين المعلقة عليه، فاتبع سياسة جده الأكبر عبد الرحمن الداخل، العصا لمن تمرد والصفح عمن تاب، وتمكن بفضل هذه السياسة من صد خطر ابن حفصون، وهزيمته هزيمة ساحقة، ثم عقد الصلح بينهما في عام 915م، واستمر الصلح بينهما إلى أن وافت ابن حفصون المنية.

على عكس ما عهده المسلمون الأوائل من اليهود، من نقض للعهود والتمرد على الحكم، فقد فضَّلوا إعلان ولائهم للناصر على الانضمام إلى صفوف عمر بن حفصون الذي غدر بأخوانهم من يهود «بيانه» واستباح أموالهم وسبى أولادهم، وذلك بعدما تيقنوا من أن مصالحهم الشخصية تنصب في الخلافة الأموية التي ستضمن لهم حياة آمنة وعادلة، بحسب ما ذكره الدكتور خالد الخالدي في أطروحته «اليهود في الدولة العربية الإسلامية في الأندلس». 

وفي عام الصلح هذا؛ وبحسب أرجح الروايات التاريخية، ولد في مدينة «جيان» الرجل الذي سيدين له يهود الأندلس بكل فضل؛ أبو يوسف حسداي بن إسحاق بن عزرا بن شبروط. كان أبوه حاخامًا ثريًّا ومتدينًا، أولى اهتمامه لخدمة الديانة اليهودية، فبنى معبدًا لليهود بجيان، قصده المهتمون بدراسة التوراة والأدب العبري.

لكنه، ورغم تدينه، اقتدى بالفيلسوف هبة الله بن ملكا وأشهر إسلامه، ثم نزح نحو قرطبة برفقة عائلته.

لم تحدد المصادر التاريخية هل اقتدى حسداي بوالده واعتنق الإسلام أم بقي على اليهودية، لكن معظم الدلائل التي نستعرضها فيما بعد، تكشف إلى حد كبير التزامه بالديانة اليهودية. 

«إن الفتى من قال ها أنا ذا».. ابن شبروط يشق طريقه نحو بلاط الناصر

بحسب ما ذكره الدكتور شعبان حمزة في كتابه «وزراء في ظل الحضارة الإسلامية بالأندلس» عنى  إسحاق بن عزرا بتعليم ولده مبادئ التوراة والأدب العبري واللغة العربية، التي مهدت الطريق للكثير من اليهود نحو الوظائف المرموقة، إلا أن حسداي حاد عن منهج والده واتجه أيضًا لتعلم اللاتينية واليونانية على يد القساوسة المسيحيين في قرطبة، ثم عكف على دراسة الطب والتراكيب العلاجية والأدوية، مستعينًا بالترجمات العربية للكتب اللاتينية واليونانية.

ولأن عبد الرحمن الناصر كان رجلًا حكيمًا مهتمًّا بالعلم وإثراء مكانة العلماء، فقد رعى ابن شبروط رعاية خاصة، بعدما سمع ببراعته الطبية وخصوصًا في صناعة الأدوية، وضمه إلى أطباء قصره عام 938م، وبقي ابن شبروط في البلاط الملكي حتى تُوفي عام 970م في عصر ابنه الحكم المستنصر بالله، الذي قدَّره مثلما فعل والده الناصر.

ابن شبروط في بلاط الناصر

صورة تحاكي هيئة البلاط الملكي في عهد عبد الرحمن الناصر

لم تقتصر مميزات ابن شبروط على مهاراته الطبية أو إجادته للعديد من اللغات فقط، فخلال إقامته ببلاط الحكم واحتكاكه بشؤون البلاد ظهرت مواهبه السياسية الكامنة وحصافة رأيه؛ مما جعل الناصر يتيقن أنه الشخص الأنسب لمنصب الوزارة، لكنه خشي من انتقاد عامة الناس وفقهائهم له بسبب ديانة ابن شبروط اليهودية.

اكتفى ءءؤههب8الناصر بتعيين ابن شبروط حاجبًا له، واستفاد من تلك المهارات في توكيل مهام الوزارة إليه، إذ عينه رئيسًا للجمارك المفروضة على السفن الوافدة لقرطبة، من هنا هيمن ابن شبروط على تجارة الأندلس وتولى مسئولية إدارة شؤونها الخارجية.

ابن شبروط سفيرًا الأندلس للممالك الإسبانية!

«هو واحد العصر الذي لا يعدل به خادم، ملك في الأدب وسعة الحيلة ولطف المدخل وحسن الولوج» * ابن حيان عن حسداي بن شبروط

ويشير الدكتور شعبان حمزة إلى أن الناصر انتفع من حنكة ابن شبروط السياسية ولغاته المتعددة، فعينه سفير البلاط الملكي في المهام الدبلوماسية المعقدة، وأظهر ابن شبروط كفاءته لهذا المنصب، عندما أرسله لعقد الصلح مع حاكم برشلونة شينيير بن جيفيريد في عام 939م، وتمكن من كسب ولاء قادة برشلونة وعظمائها لصف أمير المؤمنين.

كما تحدث في الكتاب نفسه، عن المجهود الدبلوماسي العظيم الذي بذله ابن شبروط عام 956م في التوسط بين الناصر والملكة طوطة لتمكين حفيدها شانسو الأول من ملك ليون.

لوحة فنية للملك شانسو الأول والملكة

فقد أتم عقد الصلح بينهما على ثلاث مراحل، المرحلة الأولى: عندما اكتسب ثقة شانسو واستعان بمهاراته الطبية في علاجه من سمنته المفرطة التي أكسبته البلادة والحماقة، ثم حثه على تلبية طلب الخليفة بالتنازل عن 10 حصون.

المرحلة الثانية: عندما تولى إقناع الناصر بإرسال جيوشه إلى قشتالة وليون لتمكين شانسو من ملك ليون رغم خيانته للعهد الذي عقده أخيه أوردورنيو الثالث.

المرحلة الثالثة: عندما كسر بحديثه الطيب ودهائه غرور الملكة وسافرت إلى قرطبة برفقة عدد من القساوسة والنبلاء ووقعت على الاتفاق.

عزز هذا النصر من مكانة ابن شبروط لدى المسلمين عامة ويهود الأندلس خاصةً، فرأى اليهود آنذاك أنه أكفأ اليهود برئاسة الطائفة اليهودية، فوافق الناصر على توليه المنصب، ثم أطلق عليه لقب «الناسي».

ووفقًا لأطروحة الدكتور خالد الخالدي، فبعد وصول ابن شبروط لتلك المكانة بين أبناء جلدته لم يتوانَ عن خدمة اليهود وحل مشكلاتهم داخل الأندلس وخارجها،  مستعينًا بمكانته العظيمة لدى الناصر.

فعلى سبيل المثال، أرسل للملك قسطنطين السابع يطالبه بتخفيف الضغوط المفروضة على اليهود، ثم أمد أحبار العراق بالأموال اللازمة لسد احتياجاتهم. فتنعم اليهود في عهده بحياة آمنة ومستقرة، جعلت المؤرخين يصفونه بالعصر الذهبي لليهود في الأندلس.

وهذه بعض إسهاماته العلمية

عندما فُقدت الوصفة التي اتبعها الطبيب أندرو ماكس لصناعة الترياق في عصر الملك نيرون، حاول العديد من الأطباء المسلمين صنعه مجددًا، وباءت جميع محاولاتهم بالفشل. لكن ابن شبروط الذي كان يداوم على مطالعة الكتب اللاتينية في التراكيب الدوائية، تمكن من التوصل إلى الـ64 عنصرًا الذين استخدمهم أندروماكس في صناعته.

وقد أسماه اليهود «المخلِّص» نظرًا إلى قدرته الفائقة على الشفاء من العديد من الأمراض، واستخدامه فيما بعد مخدرًا للعمليات الجراحية. ويرجح الدكتور خالد أن هذا الاكتشاف العظيم هو ما ساقه لبلاط الناصر، في البداية.

في كتابها «الإنجازات العلمية لأطباء الأندلس» استعرضت الدكتورة نهاد عباس، انتعاش حركات النقل والترجمة من الثقافة اليونانية واللاتينية إلى الثقافة العربية في عهد الناصر.

ففي إحدى زيارات قسطنطين السابع لقرطبة، أهدى الملك إلى الأمير عبد الرحمن الناصر كتاب «الأعشاب الطبيعية» لديسقوريدس بحوزة الراهب نيقولا عام 959م، وهو كتاب لاتيني مقسم إلى خمسة أجزاء، الجزء الأول عن العطور، الثاني عن الحيوانات، والثالث عن الحبوب والبقوليات، والرابع عن الأدوية المستخلصة من الحشائش الحارة والباردة، أما الجزء الأخير عن العنب والأدوية المعدنية. 

ولما أراد الناصر ترجمته وإثراء الثقافة الأندلسية بمنافعه، لم يجد متمرسًا باللغة اللاتينية أمهر من ابن شبروط، فساعد الراهب نيقولا في نقل الكتاب من اللاتينية إلى العربية، وقد استطاع حسداي هذه المرة التفوق على الترجمة البغدادية لأسطفان بن باسيل، عندما فسر أسماء العقاقير والأعشاب، واختار أقرب الألفاظ العربية المناسبة لها.

المدرسة القرطبية التلمودية.. تنافس بغداد وتحيي مجد اليهود

يشير الدكتور محمد الأمين في كتابه «تاريخ اليهود في الأندلس» إلى تأثر الشرائع اليهودية والعلوم التلمودية إثر انهيار مدرستي صورا وبمباديثا في بغداد، بسبب تناحر المسلمين فيما بينهم. 

لذا شعر ابن شبروط بأنه مدين بإتمام مشوار والده الذي بدأه في جيان، وبدأ بإقامة حلقات علمية بسيطة في قرطبة عام 948م، لتعليم علوم التوراة والنحو العبري، ثم استقطب عددًا لا بأس به من أحبار اليهود وعلمائهم من المشرق. وعين موسى بن حنوح رئيسًا لها.
توسعت الحلقات رويدًا، وأصبحت المصدر الأول للتشريع بالنسبة لليهود بعد غياب دور المدارس المشرقية، وأطلق عليها المؤرخون مجازًا «المدرسة القرطبية التلمودية».

مصدر الصورة: STORE NORSKE LEKSIKON

لكن موسى بن حنوح اتبع منهجًا مخالفًا لمدارس بغداد، فلم يكتف بتدريس علوم التوراة فقط، بل تأثر بالتنوع الثقافي في الأندلس آنذاك، وبدأ تدريس علوم اللغة العربية واليونانية واللاتينية، ثم حرص على الاهتمام بالفلسفة اليونانية، والاطلاع على فكر أرسطو وأفلاطون، وهو ما لم يعهده اليهود من قبل. 

وبحسب دكتور محمد الأمين، فقد كان لهذه المدرسة فضل كبير على الأجيال اللاحقة، فقد تخرج منها  الطبيب اليهودي موسى بن ميمون، ووزير غرناطة إسماعيل بن نغرالة. كما وصفها ابن ميمون بأن قرطبة صارت الموطن الروحي الذي غدا ينافس المراكز العلمية في العراق ذات الشهرة في العلوم اليهودية.

تاريخ وفلسفة

منذ 4 أسابيع
ابن جبيرول.. قصة الفيلسوف اليهودي المتصوف الذي كرهه اليهود وأحبه العرب!

المصادر

تحميل المزيد