لم يتخيل أمير حسين مرادي (25 عامًا)، سعيد تمجيدي (27 عامًا)، محمد رجبي (25 عامًا)، الذين خرجوا مثلهم مثل الآلاف من الإيرانيين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 للاحتجاج على قرار الحكومة المفاجئ برفع أسعار البنزين ثلاثة أضعاف مرة واحدة، أن الأمر سينتهى بهم في السجن، منتظرين تنفيذ عقوبة الإعدام، ولم يتخيلوا أيضًا أن هاشتاج (وسم) على مواقع التواصل الاجتماعي، سينقذ حياتهم، حتى بعد تأكيد حكم الإعدام عليهم، فما القصة؟

«لا تعدموهم»

لا يوجد ما يشغل بال الإيرانيين على مواقع التواصل الاجتماعي منذ ظهر يوم الثلاثاء الماضي، سوى هاشتاج «إعدام_نكنيد»، أو «لا تعدموهم». وخلال ساعات قليلة أصبح هذا الهاشتاج الذي تم استخدامه من قبل 10 مليون مستخدم داخل وخارج إيران، الأعلى تصنيفًا عالميًا على «تويتر»، ولم يقتصر الأمر فقط على «تويتر» باللغة الفارسية.

القصة تعود إلى شهر نوفمبر 2019، عندما قررت الحكومة الإيرانية، بموافقة أعلى سلطة في الجمهورية الإسلامية، الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي، زيادة أسعار البنزين ثلاث اضعاف، في وقت كان يحاول الإيرانيون (ومازالوا)، النجاة من شدة وطأة العقوبات الاقتصادية، التي أعادت الولايات المتحدة فرضها على البلاد.

بررت الحكومة فعلتها بأنها ستستخدم أموال زيادة أسعار البنزين لتقديم الدعم المالي للأسر محدودة الدخل، لكن الآلاف من محدودي الدخل لم يقتنعوا بتبرير الحكومة، ونزلوا إلى الشوارع في أكثر من 100 مدينة إيرانية؛ لتشهد البلاد موجة احتجاجية غير مسبوقة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979.

مقطع مصور يُظهر جانب من الاحتجاجات على رفع أسعار البنزين في نوفمبر الماضي:

فى أحد أحياء العاصمة طهران، قرر أمير مرادي، وسعيد تمجيدي، ومحمد رجبي، السير في مسيرة احتجاجية، لكن الأمور تطورت فجأة، وتحولت المظاهرات إلى أعمال شغب، وقوبلت بحملة أمنية عنيفة، وانتهى الأمر بحرق المتظاهرين للعديد من المباني الحكومية والبنوك، وقيام القوات الأمنية بإطلاق النيران الحية على المتظاهرين، واعتقال أكبر عدد مستطاع من المحتجين.

بعد تلك الأحداث الدامية بعدة أيام أُلقي القبض على واحد من الثلاثة السابق ذكرهم، فحاول الآخران الفرار والهرب إلى تركيا، لكن تم ترحيلهم إلى إيران، وفجأة، في الفرع 15 من المحكمة الثورية بطهران، جرى الحكم على الثلاثة بالإعدام في شهر مارس (أذار) من العام الجاري.

التهمة كانت كالآتي: «المشاركة في التخريب، والتحريض على محاربة الجمهورية الإسلامية، والسطو المسلح ليلًا»، التهمة الأخيرة عقابها السجن والجلد، قبل الإعدام.

في حديثه لـ«ساسة بوست» يقول محمد تاج، المحامي الحقوقي، وأحد المحامين الموكلين للدفاع عن المتهمين الثلاثة: «علمت بالخبر بعد التصديق عليه بيومين، لكن لا شيء يثير الدهشة بعد أن جرى حرماني من الاطلاع على ملفات القضية، والتحدث إلى موكليّ، أو حتى حضور جلسات محاكمتهم».

تأييد حكم الإعدام!

إلى هنا كانت الأمور تسير بشكل طبيعي، وفقًا لما تعودنا عليه من جمهورية إيران الإسلامية، وأخبار الإعدامات التي لا نهاية لها، لكن في 10 يوليو (تموز) الجاري، أعلن مصطفى نيلي أحد المحامين الموكلين للدفاع عن الشبان الثلاثة، أن المحكمة العليا أيدت حكم الإعدام بحق موكليه.

وبحسب ما قاله المحامي محمد تاج لـ«ساسة بوست»، فقد حاول محامو المتهمين الاستئناف على حكم الإعدام، لكن جرى رفضه من قبل المحكمة العليا، فيقول السيد تاج: «كنا نأمل في إعادة المحاكمة، خاصة مع وجود العديد من الانتهاكات في إجراءات القضية».

«تويتر» ينتفض.. التظاهر عبر «السوشيال ميديا»

بعد تأييد حكم الإعدام، لم يجد الإيرانيون أمامهم سوى التظاهر على «تويتر» مستخدمين «هاشتاج» «لا تعدموهم»، وذلك بالرغم من حجب السلطات الإيرانية لموقع «تويتر»، ولجوء المستخدمين داخل إيران إلى برامج تخطي الحجب. وتجدر الإشارة إلى أن تطبيق «إنستجرام»، الأكثر شعبية بين الإيرانيين حاليًا، مازال متاحًا، وغير محجوب، وتم استخدامه أيضًا في تلك الحملة.

يقول الصحافي المختص في مجال تكنولوجيا المعلومات، على صالحي المقيم بطهران، لـ«ساسة بوست»: «لم أتوقع هذا التفاعل الكبير مع «الهاشتاج» في الساعات الأولى لتدشينه، تم استخدامه من قبل 5 مليون شخص، وفي صباح اليوم التالي، أصبح الترند، الأول عالميًا، على موقع تويتر».

قد يتبادر إلى ذهن المرء أن تلك الأعداد الكبيرة التي تفاعلت مع «الهاشتاج» هم من معارضى الجمهورية الإسلامية خارج إيران (وما أكثرهم)، أو أنهم جيوش إلكترونية، لكن الأمر تخطى تلك التوقعات. فقد شهد الهاشتاج تفاعلًا من مواطنين عاديين بحسب عدد من الخبراء تحدثوا إلى «ساسة بوست»، وتفاعلت شخصيات مشهورة في مجال السينما والغناء والرياضة، وحتى الأشخاص المؤثرين الذين يتابعهم الآلاف من الإيرانيين على «إنستجرام».

على سبيل المثال استخدم الهاشتاج المخرج السينمائي الشهير أصغر فرهادي، والسياسية الإصلاحية والبرلمانية السابقة بروانة سلحشوري، والمخرجة السينمائية والناشطة النسوية تهمينه ميلاني. وغيرهم من المشاهير الإيرانيين.

يقول السيد صالحي في حديثه لـ«ساسة بوست»: «هذا الأمر لم يحدث من قبل، أن يجتمع ملايين من الأشخاص باختلاف توجهاتهم للدفاع عن قضية لطالما تمت إثارتها داخل إيران، أمر مدهش وعفوي للغاية».

لم يتوقف الأمر عند دعم المشاهير والممثلين والممثلات، أو حتى عند المواطنين العاديين، لكنه وصل إلى بعض رجال الدين؛ فمحمد علي أبطحي، رجل دين إصلاحي – إن صح التعبير – جرى سجنه في عام 2009، على خلفية دعمه لمظاهرات «الحركة الخضراء»، التي خرجت احتجاجًا على نتائج الانتخابات الرئاسية في نفس العام، والتي أتت بالرئيس السابق محمود أحمدي نجاد لفترة ولاية ثانية، وسط مزاعم بتزوير النتائج لصالح أحمدي نجاد، عارض إعدام الشبان الثلاثة، ورأى أن الحكم ثقيل وحزين بحسب وصفه.

يقول أبطحي لـ«ساسة بوست»: «من غير المعقول، إنهاء حياة شباب في مقتبل العمر، لمجرد أنهم احتجوا على سوء الأحوال المعيشية، وارتفاع الأسعار، لابد عن التحلي بالرحمة».

«السوشيال ميديا» تُؤتي ثمارها.. المتحدث باسم الحكومة يدعو لاحترام الرأي العام

ازدادت الأمور سخونة، وبدأ الإيرانيون في التفاعل أكثر وأكثر مع «الهاشتاج»، الذي وصل صداه إلى الحكومة الإيرانية، فخرج علي ربيعى المتحدث باسم الحكومة، قائلًا «يجب احترام الإرادة الطبيعية للرأي العام»، بل دافع عن المشاركين في تلك الحملة، ووصفهم بأنهم فعلوا ذلك بدافع وطني.

لم يعلن الرئيس الإيراني المعتدل عن موقفه بشأن تلك القضية، وكان قد اعتبر في السابق الاحتجاجات على زيادة أسعار البنزين في نوفمبر الماضي مؤامرة ودعوة للتخريب. لكن مصدرًا مقربًا من السيد على ربيعي قال لـ«ساسة بوست»: «تابع الرئيس روحاني الأمر عن كثب، وعلى ما يبدو أنه تحدث مع رئيس الهيئة القضائية، إبراهيم رئيسي».

«الهاشتاج» ينتصر! وقف تنفيذ الحكم

«من الافضل الاستماع إلى صوت الجماهير، ما الهدف من إعدام شباب، إيران تمر بأسوأ أيامها، وبدلًا عن حل الأزمات الاقتصادية، لمواجهة فيروس كورونا، يذهبون لإعدام شاب في بداية حياتهم»

الناشط الحقوقي الذي فضل عدم الكشف عن هويته، كان يأمل أن ينظر المسئولين في إيران للقضية بعين العقل والرحمة، وأن ينصتوا إلى مطالب الشعب باهتمام، ويبدو أن أمنيته قد تحققت، لأول مرة.

ففى يوم 19 يوليو الجاري تفاجأ الجميع داخل إيران وخارجها بأن المحكمة العليا في إيران، أوقفت حكم الإعدام بحق المتهمين الثلاثة، وقبلت طلب المحامين بإعادة المحاكمة.

يصف المحامي محمد تاج لـ«ساسة بوست»، سعادته بالقرار قائلًا: «انتصرت حملة الشعب الإيراني، لم أتوقع مثل هذا النجاح، ولم أتوقع طوال حياتي أن إطلاق «هاشتاج» على الإنترنت يمكن أن يلغي حكم الإعدام في حق متهم».

لكن هل يأمل في إلغاء عقوبة السجن، والإفراج عنهم أيضًا؟ يجيب لـ«ساسة بوست»، ساخرًا: «بالطبع لا، ليس إلى هذا الحد، نحن نريد فقط الاطلاع على سير التحقيقات، والمحاكمات، لنصل إلى إعادة المحاكمة، ونأمل بعقوبة سجن مخففة فقط».

في اليوم التالي لوقف تنفيذ حكم الإعدام، صرح رئيس الهيئة القضائية، إبراهيم رئيسي قائلًا: «يجب سماع صوت الاحتجاج، لكن خطنا الأحمر هو الشغب وانعدام الأمن والاضطراب»؛ ومما يبدو فهناك من رأى بعض التسامح في تصريح رئيسي، خاصة بعد إعلان وقف تنفيذ الحكم، لكن البعض الآخر لم ير سوى محاولة لتلميع صورته، خاصة بعد خوضه حربًا على الفساد في النظام القضائي.

لكن.. عقوبة الإعدام في إيران لم تنته

بالتزامن مع نفس الحدث، كان السلطة القضائية قد أصدرت في مدينة مشهد، يوم 10 يوليو الجاري، حكم بالإعدام على رجل يبلغ من العمر 53 عامًا، بتهمة تناول الكحول. الأمر الذي أثار حفيظة النشطاء المناهضين لعقوبة الإعدام داخل إيران، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية. فيقول الناشط الحقوقي محمد فقيهي لـ«ساسة بوست»: «يجب أن تكون العقوبة على قدر الخطأ، سواء في حالة المحتجين الثلاث، أو الرجل المتهم بشرب الكحول، الإعدام عقوبة قاسية وظالمة في جميع الأحوال».

لكن القضاء الإيراني، مازال يدافع عن أحكامه بالإعدام، وبالتحديد في الواقعة السابق ذكرها، وبعد الانتقادات الموجهة إلى القضاء، أصدرت السلطة القضائية في مدينة مشهد بيانًا تدافع عن حكمها، بحجة أن الرجل قد أدين عدة مرات في قضايا تتعلق بالمخدرات والكحول خلال السنوات الماضية، وتلك المرة تم اتهامه بالقيادة تحت تأثير الكحول وتعريض حياة المواطنين للخطر.

الشبان الثلاثة، المحكوم عليهم بالإعدام. مصدر الصورة – مواقع التواصل الاجتماعي

ووفقًا لقانون العقوبات الإسلامي في إيران، فإن عقوبة تناول الكحول السجن والجلد 80 جلدة، إذا تم اتهام الشخص مرتين، وفي المرة الثالثة تكون عقوبته الإعدام، إلا لو أعلن توبته وقرر القاضي العفو عنه.

وتعد إيران في المرتبة الثانية من حيث عدد الإعدامات، بعد الصين، لكن عقوبة الإعدام ليست الانتقاد الوحيد الموجهة إلى النظام القضائي، فهناك ايضا العقوبات الجسدية (الحدود الشرعية). وفي السنوات الأخيرة قاد العديد من النشطاء الحقوقيين المناهضين لعقوبة الإعدام حملات كثيرة لوقف تنفيذ الإعدام، لكن جميع جهودهم لم تسفر عن أية ثمار.

وتجدر الإشارة إلى أن الجرائم التي يعاقب عليها القانون الإيراني بالإعدام، هي حيازة وبيع المخدرات، والتجسس، والاختلاس، وتعطيل النظام الاقتصادي للبلاد، والفساد المالي، والزنا، والمثلية الجنسية.

يقول السيد فقيهي لـ«ساسة بوست»: «هناك عدد آخر من الحالات يتم فيها تنفيذ حكم الإعدام، خاصة في القضايا السياسية، مثل الاتهام بإثارة الفتن، والفساد في الأرض».

ويعقب الناشط الحقوقي، بأن عقوبة الإعدام لم تثمر أي شيء، خاصة في قضايا المخدرات، «أغلب حالات الإعدام في إيران لمتهمين في قضايا مخدرات، العقوبة لم تنه الجريمة، ولم تقلل منها حتى».

طوفان قصص الإعدام عبر «الهاشتاج»

في الأيام القليلة الماضية، لم يقتصر استخدام «هاشتاج» «لا تعدموهم»، للمطالبة بوقف تنفيذ حكم الإعدام على الشبان الثلاثة، بل انتشرت قصص كثيرة عاصرها العديد من الأشخاص، تعرضوا لتجربة فقدان أحد أفراد الأسرة بسبب عقوبة الإعدام.

ينتظر العديد من الأشخاص تنفيذ عقوبة الإعدام بحقهم، سواء كانوا متهمين في قضايا جنائية، أو سياسية، لكن لا نستطيع الجزم بأن الحملة الأخيرة ونجاحها في وقف إعدام المتظاهرين الثلاثة، يمكن أن تمتد وتتسع لتكون سببًا قويًا لإلغاء عقوبة الإعدام في إيران، أو حتى تراجعها، لكن أول الغيث قطرة.

حقوق إنسان

منذ سنة واحدة
«حكم عليها بـ148 جلدة».. لهذا السبب أصبحت نسرين ستوده مغضوبًا عليها في إيران!
عرض التعليقات
تحميل المزيد