بعد شهرين وبضعة أيام من التجاذبات في الساحة السياسية اللبنانية، التي كان البحث عن مرشح للحكومة الجديدة بطلها، بعد استقالة سعد الحريري من منصبه، وحرق أسماء عديدة رشحت أكثر من مرة؛ منح المجلس النيابي اللبناني، قبل أيام معدودة، الثقة للحكومة الجديدة برئاسة حسان دياب، القادم من خلفية مهنية، خلال جلسة مناقشة البيان الوزاري.

حسان دياب المدعوم من «حزب الله»، والذي جاء بديلًا للحريري، بعدما وقف الأخير موقف المُشاهد من خلف الستار، عقب رفضه العودة لمنصبه الأثير، إلا بشروطه الخاصة؛ تنتظره تحديات جمة على رأسها الوضع الاقتصادي المأزوم الذي يُنذر بانهيار وشيك، فضلًا عن الرفض الشعبي له، حتى وإن خفت كثيرًا عما كان عليه في وقت سابق.

في التقرير التالي نحاول التعرف على فرص استمرار حسان دياب في منصبه الحكومي، عبر مصادر لبنانية تحدث إليهم «ساسة بوست»، في ظل التحديات السابقة، وما هي احتمالات عودة الحريري من جديد في ظل تسوية مع حلفائه السياسيين، بعد إخفاق مُتحمل لدياب في مهامه، خصوصًا في ظل رفض الدول الخليجية له، وتململ الطائفة السنية منه، خصوصًا أن الحريري لا يزال الأقوى في طائفته، والوحيد القادر على جلب دعم مالي خارجي.

«وقت مستقطع».. حسان دياب في الصورة حتى عودة الحريري

من بين أسماء عدة رُشحت لمنصب رئيس الحكومة اللبنانية عقب استقالة الحريري من المنصب الذي تحوزه طائفته السنية، نجح حسان دياب في تجاوز المحطات الصعبة حتى نال ثقة المجلس النيابي، ليصير رئيسًا للحكومة بشكل رسمي، ويتخطى مرحلة الترشيح فقط، التي سبقها إليه أسماء كثيرة، لم تصل لمحطة التعيين.

هذه الوجوه التي اقتصر إعلان اسمها على مرحلة الترشيح أبرزها محمد الصفدي، وزير الاقتصاد السابق، الذي طرحته جهات رسمية وحزبية، وسمير الخطيب رجل الأعمال اللبناني، وكلاهما قوبل ترشحهما برفض شعبي.

أما حسان دياب، الإسم الذي نال الصفة الرسمية رئيسًا للحكومة، خلافًا للصفدي والخطيب، فهو من مواليد بيروت يونيو (حزيران) 1959، يعمل  أستاذًا جامعيًا في الجامعة الأمريكية اللبنانية، وعمل سابقًا وزير للتربية والتعليم العالي بين عامي 2011 و2014 خلال حكومة نجيب ميقاتي. تغيب الخلفية السياسية عن سيرة دياب على عكس الحريري ومرشحي الحكومة السابقين. فالرجل تنحصر اهتماماته في السنوات السابقة على «التربية والتعليم»، كما ذكر في حوار سابق عام 2011 مع «الأخبار اللبنانية» حين قال: «التربية مجالي واختصاصي، لا لأني أستاذ جامعي فحسب، بل لأنني أشغل هذا المنصب بالذات، ولدي فكرة واضحة عن المطلوب وما هي المشاكل».

يعد غياب الخلفية السياسية عن سيرة دياب سبب رئيس وراء تشكك الكثيرين في قدرته على جلب دعم مالي خارجي، سواء من الغرب أو الخليج، الذي ارتبط تقديمه للدعم المالي للبنان، في السنوات الماضية، باسم الحريري وتياره الممثل له. ويزيد من هذه الأزمة ارتباط اسم دياب بـ«حزب الله» وأنه مدعوم سياسيًا منه.

دياب وحكومته نالوا دعمًا من قوى «8 آذار»، التي يقودها «حزب الله»، فيما رفضته بقية القوى السياسية التي انسحبت غالبية ممثليها خلال التصويت عليه في المجلس النيابي؛ إذ صوت للأخير كلّ من «حزب الله» و«حركة أمل» و«التيار الوطني الحر» و«تيار المردة» و«التكتل الوطني» و«الحزب القومي» و«اللقاء التشاوري».

من جانبه قال وسام جاد، عضو «الحزب الشيوعي» اللبناني، والباحث الاقتصادي، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: إن «حزب الله» تعامل مع دياب بوصفه «أخف المرشحين ضررًا عليه في مواجهة من يقترحهم الحريري»، قائلًا إن الحزب يرفض تسمية مرشح مدعوم من الحريري، ليظل الأخير متحكمًا في المشهد السياسي عبر رجاله المدعومين من جانبه، دون أن يكون في الواجهة.

يتقاطع مع هذا الرأي مع ما تقوله مُطيعة ياسين، الصحافية اللبنانية، ومُدرسة الإعلام بالجامعة الامريكية اللبنانية، التي تُشير إلى أن اختيار حكومة حسان دياب مرحليًا لمصلحة من دَعمها، وهما «حزب الله» وجبران باسيل وميشال عون الرئيس اللبناني، لكن ليس إستراتيجيًا.

وتوضح أن هذه الحكومة لتمرير مرحلة في انتظار التوصل إلى تسوية جديدة مع الحريري، مشددة أن الأوضاع الاقتصادية المتردية والمرشحة للمزيد من التردي سترتد على هذه الحكومة، ولن يكون «حزب الله» قادرًا على تحمل تبعاتها وقد يتنصل منها. وتوضح خلال اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» أنهم خلال ثلاثة شهور من الآن سيحتاجون لعودة الحريري كونه الأقدر على جلب الدعم المالي الخارجي.

وأضافت مطيعة أن الشارع الآن ضده (وإن كان بنسبة أقل مما كان ضده في بداية الانتفاضة)، قائلة إن مشروع عودة الحريري من جديد قائمة، وأن الظروف هي ما ستُحدد ما إذا كانت ستحصل تسوية تعيده أو أن يتأخر ذلك. وتختتم حديثها مع «ساسة بوست» بالقول: «لا شيء مؤكد في السياسة، خصوصًا اللبنانية. لكن هذا المرجح، وربما بعد سنة».

من جانبه يشرح وسام جاد نقاط قوة الحريري التي تجعله خيارًا «إلزاميًا»، وممثلًا لا مفر منه للطائفة السنية، قائلًا: «هو الأقوى في الطائفة السنية عبر تيار المستقبل (مع أنه والتيار تعرضا لانتكاسات مالية وسياسية عديدة وشعبيته قد تراجعت)، لكنه لا يزال الأقدر على طرح نفسه ممثلًا للسنّة وهذا مستمدّ من إرث والده رفيق الحريري».

يتأكد ذلك من الانطباعات التي كشفت عنها السعودية، أكبر ممول وداعم مالي وسياسي، نحو حكومة حسان دياب، بعد تزكيتها من جانب البرلمان اللبناني، إذ كتب الكاتب السعودي عبد الرحمن الرشد، والمُقرب من الأسرة الحاكمة، مقالًا وصف خلاله دياب بأنه من «سنَّة حزب الله»، مُشككًا كذلك في قدرته على جلب تمويل دولي من داعمي لبنان للعبور بالأزمة المالية التي ستؤدي إلى الإفلاس، وقد تتسبب في انهيار حكومة دياب قبل الصيف»، على حد تعبير الراشد.

وينقل الراشد عن مسؤول دولي حديثه قائلًا: «يقول أحد المعنيين بالشأن اللبناني، دوليًا هناك 9 مليار دولار تنتظره، يمكن أن يحصل عليها لبنان فورًا إن وافق على إصلاحات حكومية، تشمل تحرير الجمارك والمطار والموانئ من سلطة الحزب، وكذلك عشرات الوزارات والخدمات التي أصبحت موردًا ماليًا للميليشيات وليس للحكومة. هل يستطيع؟ على الأرجح لا».

حسان دياب يجتمع مع الرئيس اللبناني ميشال عون

وذكر الحريري علانية المضمون نفسه الذي ذكره الكاتب السعودي في مقاله، حين أكد في كلمته بمناسبة ذكرى مرور 15 عامًا على اغتيال والده رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريرى، أن لبنان لا يمكن أن يستمر اقتصاديًا بمعزل عن دعم الدول الصديقة والمانحة والمؤسسات المالية الدولية، وفي ظل غياب الثقة مع الدول العربية وفي مقدمتها مصر، والسعودية، والإمارات، والكويت، وباقي دول الخليج العربي.

بينما يقول جاد إنه يُنظر إلى حسّان دياب على أنه «خائن» لقبوله رئاسة الحكومة، بالرغم من استقباله قبل أيام من مفتي الجمهورية دريان (الممثل الروحي للطائفة السنية)، والذي سبق وأكد أن الحريري هو الممثل للطائفة السنية في منصب رئيس الحكومة.

انتهاء مصير دياب لمصائر من رُشحوا على هذا المنصب انتظارًا لعودة الحريري الوحيد القادر على جلب الدعم المالي؛ يرجعه الخبير والمحلل السياسي اللبناني أمين قمورية، في تصريحات لـ«ساسة بوست»، تفيد بكون الحريري هو الأقدر على جلب الدعم الخارجي، لعلاقاته المتنفذة، سواء مع الخليج أو الغرب، إذ إن المساعدات الدولية للبنان مرتبطة باسمه وتياره الذي يقوده، فضلًا عن كونه الأقوى تأثيرًا داخليا وخارجيًا في طائفته.

ويرجح عودة الحريري من جديد تصريحات سابقة له عقب استقالته من الحكومة، يقول خلالها إنه مستعد للعودة بشروط خاصة، تضمنت أن تكون الحكومة المقبلة حكومة تكنوقراط، وأن يتم فصل النيابة عن الوزارة. أي حكومة تشكلها فقط شخصيات مستقلة خبيرة في مجالها، وألا تكون هناك شخصيات في منصبي الوزير والنائب، وهي الشروط التي رفضها «حزب الله» والتيار الوطني الحر .

ويُضيف قمورية أن اختيار دياب من جانب «قوى 8 آذار» التي يقودها «حزب الله» باعتباره «المرشح الأخف ضررًا» بين كافة المرشحين، موضحًا أن الاعتراض الأكبر عليه جاء من مناصري حزب المستقبل وزعيمه سعد الحريري. إذ ترجموا اعتراضهم عبر قطع عدّة طرقات في العاصمة بيروت وفي أكثر من منطقة ليلًا.

سعد الحريري، رئيس الحكومة اللبنانية المستقيل

سبب آخر تذكره صحيفة «الأخبار اللبنانية»، المُقربة من «حزب الله»، حول الرفض الكامل للتيار المستقبل لهذه الحكومة؛ قائلة إن «رئيس الحكومة المستقيل ربما يتعامل مع تكليف دياب كـ«وقت مستقطع» قبل إعادة تسميته. فعدم مشاركة الحريري يعني ان الحكومة ستكون «من لون واحد»، وهو ما يرفضه «حزب الله» وحركة أمل، إضافة إلى الرئيس المكلف».

وكشف مصدر لبناني قريب الصلة من تيار المستقبل لـ«ساسة بوست» أن المفتي كان رفض استقباله قبل تسميته رئيسًا للحكومة، ثم استقبله بعد نيل الثقة باعتباره «قد صار رئيسًا لحكومة كل لبنان»، ويبرهن على ذلك قائلًا: «دار الفتوى قالت انه لم يطلب موعدًا، لكن هذا كان الإخراج اللطيف لمسألة رفض استقباله».

تتأكد معلومة عدم قبول المفتي بمُرشح سني غير الحريري من تصريح سابق له عقب لقائه المرشح السابق لرئاسة الحكومة سمير الخطيب، إذ نقل الأخير عنه أن «صاحب السماحة هو من داعمي الرئيس سعد الحريري الذي يبذل جهودًا للنهوض بلبنان ويدعم دوره العربي والدولي الذي يصب في هذا الاطار. وعلمت من سماحته انه نتيجة اللقاءات والمشاورات والاتصالات مع أبناء الطائفة الإسلامية تم التوافق على تسمية الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة المقبلة».

وجدير بالذكر أنه عقب انتهاء هذا اللقاء انسحب الخطيب على إثر هذا التصريح، وتوجه لمنزل الحريري لنقل رسالة المفتى له، موجهًا الشكر للحريري على ترشيحه له.

هذه الاوليغارشية ليست نهّابة فقط بل غبية جدا. هل يعتقدون حقا اننا سنخاف ونستسلم؟امعنوا النظر في هذا الجدول (من تقرير…

Geplaatst door Mohammad Zbeeb op Donderdag 13 februari 2020

منشور نشره الصحافي الاقتصادي اللبناني محمد زبيب على صفحته بـ«فيسبوك»

رفض شعبي للحكومة.. هل يغادر حسان دياب الوزارة قريبًا؟

يعزز من فرضية خروج دياب قريبًا من منصبه الحكومي الرفض الشعبي له، خصوصًا مع استمرار القيود على عملية سحب الأموال من المصارف اللبنانية. إذ تظاهرت مجموعات من المحتجين أمام منزله أكثر من مرة ورفضت الحوار معه. وأجج هذا الرفض الشعبي تمسك حسان دياب بحاكم مصرف لبنان في منصبه ونوابه، وهو المطلب الذي رفعه المحتجون في الأيام الأخيرة، خصوصًا في ظل تأزم الوضع الاقتصادي، وانكشاف «تواطؤ» المصرف اللبناني مع أثرياء لبنان، الذين يشكلون نحو 1% من سكان البلد العام الماضي، عبر السماح بخروج ما يوازي 27 مليار دولار (24.8 مليار منها بالعملات الأجنبيّة). من الحسابات المصرفية في 2019.

فقد نشر الصحافي الاقتصادي اللبناني محمد زبيب وثائق كشفت عمليات خروج مليارات الدولارات، العام الماضي، وتساءل: «طبقة الـ1% مسؤولة عن 98% من سحب ودائعنا. صادروا أجورنا ومدخراتنا ليسحبوا 15.3 مليار دولار في العام الماضي وحده. كانت المصارف تصادر أجورنا ومدخراتنا وتشحّدنا المائة دولار بحجة عدم توافر السيولة؟».

ويتهافت اللبنانيون بشكل يومي على المصارف لسحب أموالهم منذ أكثر من شهرين؛ مما دفع المصارف إلى وضع سقوفٍ للمسحوبات النقدية والائتمانية والتحويلات الخارجية تتراوح بين 200 و300 دولار حسب سياسة كل بنك.

الربيع العربي

منذ 8 شهور
بين التدخلات الخارجية والطوائف الداخلية.. تعرف إلى خريطة الحكم في لبنان

المصادر

تحميل المزيد