تُعتبر جماعة الإخوان المسلمين من أهم وأبرز الجماعات الإسلامية، ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل على المستوى الدولي أيضًا، هذه الأهمية جعلتها طرفًا بارزًا في المشهد اليوم، تُحسَب له الحسابات في اللعبة الأممية، وموازين القوى، حتى في أضعف لحظاته.

تاريخيًّا، تأثير جماعة الإخوان لم يتجاوز الحدود القُطرية فقط، بل تجاوز حدود الجماعة نفسها، فانبثقت منها أحزاب سياسية، وجماعات إسلامية أخرى.
وقد مرّت جماعة الإخوان المسلمين نفسها، بعد اغتيال الإمام البنّا، بعدّة مراحل، اختلفت فيها شكلًا ومضمونًا عن صورتها الأولى التي بدأت مع مؤسسها الأول منذ أكثر من 80 عامًا.
يبدو هذا الاختلاف أمرًا مفهومًا في سياق التنظيمات والجماعات؛ لاختلاف الأشخاص القائمة عليه، واختلاف ظروف المكان والزمان، التي تدفع دفعًا نحو التجديد والاختلاف عن الأفكار والبدايات الأولى. لكن لجماعة كجماعة الإخوان المسلمين التي عُرِفت بمركزية وأهمية شخصية مؤسسها الإمام البنّا، رأى البعض أن مكانته لدى أفراد الجماعة، حتى اليوم؛ قد وصلَت إلى حد التقديس، في حين أنه ثمّة تغيّرات تشير إلى أن الجماعة قد نهجت نهوجًا مختلفة عنه، حتى في حياته!

التأسيس الأول لجماعة الإخوان المسلمين

تأسست جماعة الإخوان المسلمين في مارس عام 1928م، بمدينة الإسماعيلية، بعد 4 أعوام من سقوط الخلافة العثمانية، كان عُمْر حسن البنّا آنذاك 22 عامًا، اجتمع بستة أشخاص من العاملين في المعسكرات البريطانية، وأعلنوا أنفسهم جماعة الإخوان المسلمين تحت قيادة البنّا.

حسن البنا

في خلال عامين تعددت شعب الجماعة حول الإسماعيلية وبورسعيد والعريش، عام 1932 قرر البنّا الانتقال إلى القاهرة، ثم صدرت أول مجلة أسبوعية باسم الإخوان المسلمين، اتسعت الجماعة فيما بعد وتأسست فروع لها داخل مصر وخارجها في السودان وسوريا ولبنان وفلسطين، تنادي بعودة الخلافة الإسلامية، والحكم بمنهاج قرآني.

عُرِف نهج البنّا بغلبة الحركة على الفكر، والعمل على النظر، ساعدته طبيعة شخصيته الكاريزمية، وقدرته على التأثير في الآخرين، إلا أن رسائله تعتبر من أهم مفردات منهج الإخوان المسلمين، التي ما زالت فعالة في نهج الحركة حتى اليوم.
وهي رسائل كُتِبَت بلغة بسيطة، تناولت مواضيع مختلفة في أوقات ومناسبات مختلفة، تشتمل على آراء ومواقف دينية وسياسية واقتصادية وتنظيمية وغيرها، عرفت رسائله، باختلاف موضوعاتها ومناسباتها، بترسيخ مبدأ شمولية الدين، والتي انطلق منها بالدعوة إلى التقريب بين المذاهب، والجمع بين السياسة والدين، والروح والعمل، والتصوف والدعوة إلى الجهاد.

“هي دعوة سلفية، وطريقة سنيّة، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية”.

حسن البنّا، واصفًا جماعة الإخوان المسلمين.

الجماعة والاتجاه نحو السلفية

وصف البنّا جماعة الإخوان المسلمين بأنها دعوة سلفية، ومن التعريف يمكن استيضاح معنى السلفية المذكورة، وأنها مختلفة عن نظيرتها الوهابية، أو سلفية اليوم، ففي نظره كانت السلفية تعني العودة إلى المنبع الأول: الوحي، وإلى نهج السلف، أهل السنّة. هذا ما جعل البنّا يجمع بين السلفية والصوفية في حركة واحدة، ففي نظره، جماعة الإخوان أيضًا “حقيقة صوفية”، وكانت لهذه النزعة الصوفية في شخصية البنّا، أثرها الواضح على الجماعة تربويًّا وتنظيميًّا ودعويًّا. فهي إذن جماعة سلفية صوفية.

أما السلفية المتعارف عليها اليوم، فقد عرفت تاريخًا من الخلافات مع جماعة الإخوان، وبالرغم من الاختلاف التنظيمي لكل منهما، فجماعة الإخوان هي جماعة تنظيمية، أما السلفية فهي تيار فكري عريض يضم تحته أفراد وجماعات وتنظيمات وأحزاب أيضًا، إلا أنه كان للسلفيين باختلاف مشاربهم عدّة مآخذ على جماعة الإخوان، فكرية، وفقهية، وعقائدية، وسياسية.

على الرغم من ذلك، ساهمت الطبيعة التنظيمية لا الفكرية لجماعة الإخوان على توغل الفكر السلفي فيها في فترات مختلفة وبنسب مختلفة، فيما رأى محللون مثل الباحث حسام تمام، أن جماعة الإخوان بأكملها كانت تتجه نحو “التسلّف”، ورصد ذلك في عدّة مظاهر أغلبها مظاهر خارجية خاصة بالسمت من اللحية والنقاب وغيرها، أو ظهور مشايخ الإخوان على القنوات السلفية، أو بروز أصحاب الفكر السلفي في المناصب القيادية.

من أهم الأسباب التي يرى تمّام أنها كانت السبب في توغل الفكر السلفي داخل الجماعة هو القمع الذي تعرضت له إبان حكم جمال عبد الناصر، وأدى إلى هجرة العديد من أفرادها إلى دول الخليج وأهمها السعودية، وتأثّرهم بالفكر السلفي الوهابي. مرّت الجماعة بعدة مراحل فيما بعد، في السبعينيات، حيث الموجة الثانية من تسلّف الإخوان والهجرة مجددًا إلى المملكة السعودية لا هربًا من النظام، بل بحثًا عن تحسين المستوى المعيشي، فضلًا عن الانفراجة التي عرفتها العلاقات المصرية السعودية بعد حرب 1973، ثم بداية الجماعات الإسلامية في مصر على مستوى طلبة الجامعات، والجماعات السلفية مثل جماعة أنصار السنّة.
مع الوقت، تطور المكوّن السلفي في مصر، فظهرت الجماعات السلفية ذات الهيئة التنظيمية، وكانت لجماعة الإخوان تأثيرها على هذه الجماعات السلفية حديثة النشأة وقياداتها.

مع هذا التطور، كانت الأنظمة الحاكمة، تحديدًا نظام مبارك، تفضّل بعض جماعات التيار السلفي الأقرب لليمين، على جماعة الإخوان.
ففي الوقت الذي تعرضت الجماعة للتضييق والقمع في عهد مبارك، عرف المكون المصري بأكمله تمددًا للفكر السلفي، على حساب الفكر الإخواني، أو الأزهري الذي انتكس بعد أن صار جزءًا من الدولة والسلطة الحاكمة.
فكان لمشايخ السلفية وقضاياهم، السيادة في القنوات الفضائية، وفي المساجد، وعلى الشبكات، وهو ما أثر بالضرورة على أفراد جماعة الإخوان كجزء أصيل من المكون المصري، كما عرفت القنوات الفضائية السلفية تواجدًا لبعض علماء ومشايخ الإخوان.

الجهاد المسلّح لجماعة الإخوان، وعلاقتها بتنظيمات السلفية الجهادية اليوم

بعد بروز نجم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والمعروف بداعش، تعرّضت جماعة الإخوان المسلمين لاتهامات بكونها المسؤولة عن جرائم التنظيم، وبأنه – أي التنظيم- قد خرج من رحم الجماعة وأفكارها، جاءت هذه الاتهامات مدعمّة بتاريخ جماعة الإخوان المسلح من حسن البنّا حتى اليوم، فما حقيقة هذه الاتهامات؟

بدأ العمل المسلّح لجماعة الإخوان المسلمين مع التنظيم السري الذي أنشأه حسن البنا بعد عشر سنوات من تأسيس الجماعة، تحقيقًا لمبدأ الجهاد، ولشعارها “مصحف وسيفان”، وهو التنظيم الذي شارك في حرب فلسطين عام 1948م، وهو نفسه الذي خرج عن سيطرة البنّا، وقام بعدّة عمليات كان لها الدور الأكبر في اغتياله في النهاية.

مجاهدو الإخوان في حرب فلسطين عام 1948م

بدأ التنظيم نشاطه بإلقاء قنابل داخل الحانات التي يتجمع فيها جنود الاحتلال، ثم قاموا بتفجير قطار مخصص لنقلهم، وفي عام 1945م تم اغتيال أحمد ماهر باشا رئيس الوزارة على يد محمود العيسوي، الذي أكد بعض رجال الإخوان أنه من الإخوان، وحادثة نسف مبنى المحكمة، ثم حادثة اغتيال محمود فهمي النقراشي باشا، رئيس الوزراء، والتي اتهم فيها جماعة الإخوان.

“ليسوا إخوانًا .. وليسوا مسلمين”. حسن البنّا

هكذا وصف البنا من قاموا بعملية نسف المحكمة، في بيانه الشهير، حين حاول أعضاء من التنظيم الخاص بحرق أوراق قضية أخرى اتهم فيها أعضاء التنظيم من خلال قنبلة حارقة بجانب دولاب حفظ أوراق القضية.
بينما يرى مقربون من البنّا، أنه لم يكن يعلم شيئًا عن ثلاث حوادث كبرى، وهي حادثة نسف الحكمة، واغتيال أحمد الخازندار، واغتيال النقراشي باشا، يرى آخرون أن هذه العمليات كانت بعلم وتخطيط منه.

بعد اغتيال البنّا، وفي عهد جمال عبد الناصر، تعرّضت جماعة الإخوان للقمع الشديد، وفي هذه المرحلة برز فكر سيد قطب.


“إن المجتمعات القائمة كلها جاهلية وغير إسلامية، وإنه لينبغي التصريح بلا وجل أن الإسلام لا علاقة له بما يجري في الأرض كلها اليوم؛ لأن الحاكمية ليست له، والبديل الوحيد لهذه الأوضاع الزائفة هو أولًا وقبل كل شيء قيام مجتمع إسلامي يتخذ الإسلام شريعة له، ولا تكون له شريعة سواه”.         سيد قطب

في الوقت الذي كان يتعرّض له شباب جماعة الإخوان للقمع والتعذيب في سجون عبد الناصر، كانت أفكار سيد قطب سندًا فكريًّا لغالبيتهم في مواجهة الأنظمة القائمة، ورفض حلول منتصف الطريق، أو المساومة على إقامة الدولة الإسلامية.
وبالرغم من أن أفكار قطب عُرفِت بكونها “مانفيستو الإسلام الراديكالي”، إلا أن البعض رأى أنها لم تكن سوى امتدادًا لأفكار البنّا، الذي كان يدعو أيضًا للحاكمية لله، والعودة إلى الشريعة، واستعادة الخلافة الإسلامية.
في حين أن السمة المميزة لأفكار قطب كانت المرونة، والقابلية للتأويل، وغلبة النظر على العمل، والفكر على الحركة والتطبيق، فظهرت الاختلافات بين كل مَن حاولوا أن يجدوا لهذه الأفكار تطبيقًا على الأرض.

بعد تعرّض جمال عبد الناصر لمحاولة اغتيال، واتهام جماعة الإخوان المسلمين بتنفيذها، واعتقال عدد كبير من الأعضاء بينهم سيد قطب الذي قضى في السجن 10 سنوات قبل إطلاقه، ثم اعتقاله والحكم بإعدامه، قام المرشد الثاني لجماعة الإخوان، حسن الهضيبي، والذي اعتقل هو الآخر إثر قضية اغتيال عبد الناصر، بإجراء مراجعات لفكر الإخوان، تحديدًا ما ارتبط منها باجتهادات قطب، فيما عُرف بكتابه الشهير “دعاة لا قضاة”، أكد فيه أن واجب الجماعة هو الدعوة إلى الله فقط، أما الحكم بالكفر، فليس من شأنهم.
كما قام بعض أعضاء الإخوان بتخطئة سيد قطب على أفكاره، وأرجعوا سبب ذلك إلى ظروف السجن، وهول التعذيب الذي تعرض له، أو إلى أنه قد أسيء فهمه بسبب بعض العبارات التي تحتمل أكثر من معنى، وتوهم لقارئها غير ما يعتقده حقيقة.

ربمّا يعيد تاريخ جماعة الإخوان نفسه، فما مرّت به الجماعة في عهد عبد الناصر من قمع وتعذيب وتضييق، وهي الفترة التي عُرِفت بـ “زمن المحنة”؛  يشبه ما تمر به الجماعة بعد الانقلاب العسكري في 30 يونيو من العام الماضي،  وما يتعرض له أفرادها من قتل واعتقال ومطارادات.
وفي هذا الصدد، ينبغي الذكر أن من أهم ما ميّز أفكار سيد قطب، وتبنّي الشباب لها فيما مضى، أنها كانت ابنة “زمن المحنة”، وهذا يفسّر عودة أفكار سيد قطب للبروز مرة أخرى بين شباب الجماعة، في سؤال يطرحه التاريخ قبل الواقع، هل يمكن لجماعة الإخوان أن تحافظ على نهجها السلمي الذي التزمت به من بعد الخروج من سجون عبد الناصر حتى اليوم؟
لا سيما في وجود لاعب بارز في المشهد، يتبنى المسار المسلح، واستطاع أن يبسط نفوذه من خلاله، حتى وصل إلى الداخل المصري في سيناء، وهو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والمعروف بـ”داعش”، في ظل ما نشهده من تأييد لبعض شباب الجماعة للتنظيم ولأفعاله، بعد أن سادت حالة من “اليأس والإحباط” من المسار السلمي، والاتجاه نحو تأييد العنف، خاصة في الآونة الأخيرة؛ بأشكاله المختلفة.

لم يتوقف أثر أفكار سيد قطب على جماعة الإخوان فحسب، بل امتد أثرها إلى جماعات السلفية الجهادية، وبالرغم مما تعرض له الفكر الإخواني من انتقادات ومآخذ من الفكر الجهادي، كعدم وضوحه في الاعتقاد، وتردده في استعمال السلاح، يعتبر تراث سيد قطب، من أهم الأسس التي قام عليها الفكر الجهادي، لا سيما أن عبد الله عزام، داعية “الجهاد الأممي”، إخواني الجذور والثقافة.

بعد ثورات الربيع العربي، انتهج الإخوان النهج السلمي من البداية، كانت القاعدة آنذاك بعيدة نسبيًّا عن الأحداث، نظرًا لاختلافها مع المسار السلمي، حتى إنها قد تأخرت في التعليق عن الأحداث.
أعلنت القاعدة بعد ذلك في بيان تعيين الظواهري خلفًا لابن لادن، تأييدها للثورات من حيث المبدأ، وتعاطفها مع جهاد المظلومين ضد الطغاة والاستكبار الأمريكي، كما حذرت من المجلس العسكري ومن الدور الانقلابي الذي يمكن أن يلعبه في الثورة المصرية.
وبالرغم من تحفظ القاعدة على منهج الإخوان، أبدت تعاطفها مع الرئيس محمد مرسي بعد الانقلاب العسكري.

ثم كان الخلاف بين أبي بكر البغدادي والظواهري، الذي أدى إلى الانفصال عن القاعدة، وإعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام، وكان لتنظيم الدولة رأيًا آخر.
أخذ التنظيم على الظواهري تأييده للثورات السلمية، وقبوله بالعملية الديمقراطية، التي هي كفر بوّاح، كما أخذت على الظواهري  التعاطف مع مرسي وعدم تكفيره، والذي وصفته بـ “الطاغوت”.
والإخوان في نظر تنظيم الدولة، كما وصفهم أبو محمد العدناني المتحدث الرسمي باسم التنظيم؛ شر من العلمانيين.

الانفتاح السياسي للجماعة، والاتجاه نحو العمل الحزبي

اهتم حسن البنّا اهتمامًا واضحًا بالسياسية، ويرجع السبب إلى ذلك في نظر الشيخ يوسف القرضاوي إلى أنه “الناس في ذلك الوقت رجلان: إما رجل دين وإما رجل سياسة، والجماعات نوعان: إما جماعات دينية وإما جماعات سياسية.
وحرام على رجل الدين أن يشتغل بالسياسة، كما يُحرّم على رجل السياسة أن يشتغل بالدين”.

اهتمام البنّا بالسياسة، والجمع بينها وبين الدين، كان راجعًا بالأساس لنظرته الشمولية للإسلام، فهو دين شامل كل جوانب الحياة، ومنها السياسة، وبرز هذا الاهتمام في عدّة قضايا كانت صاحبة الدور الأكبر في فكر الإمام البنّا، وفكر جماعة الإخوان حتى اليوم، مثل وجوب تحرير الوطن الإسلامي من كل مستعمر وسلطان أجنبي، ووجوب إقامة الحكم الإسلامي، ووجوب إقامة الأمة الإسلامية، ووجوب الوحدة الوطنية والعربية والإسلامية.

أما عن النظرة للواقع السياسي، فكان البنّا يرحب بالنظام الدستوري والنيابي، ولم يمانع في وضع المسلمين دستورًا لأنفسهم ينظم العلاقات الأساسية بين الحاكم والمحكوم، كما لم يعترض على الدستور الحالي حينها، إنما كان له اعتراضات على ما قد يشتمله الدستور من مواد مخالفة للنصوص أو القواعد الإسلامية، أو لقصوره عن النص على أشياء واجبة، منها أن يكون الإسلام هو مصدر التشريع.

“إن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسئولية الحاكم أمام الشعب، هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم. ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظامًا آخر”.

إلا أن “هناك قصورًا في عبارات الدستور، وسوءًا في التطبيق”.
حسن البنّا

لكن البنّا رفض الأحزاب، وندد بالحزبية، ففي نظرته، هذه الأحزاب كانت السبب وراء تفرقة الأمة والخلافات والتنافر، والتهافت على كرسي الحكم، والاستماتة في الوصول إليه ولو بالتقرب إلى المستعمر.

“إن الإخوان المسلمين يعتقدون عقم فكرة الائتلاف بين الأحزاب، والعلاج الحاسم الناجح أن تزول هذه الأحزاب مشكورة فقد أدت مهمتها وانتهت الظروف التي أوجدتها”.
حسن البنّا

لكن جماعة الإخوان، بعد حسن البنّا، كان لها رأيًا آخر في الأحزاب والعمل الحزبي.
بعد خروج الإخوان من سجون عبد الناصر في منتصف السبعينيات، شهدت جماعة الإخوان المسلمين تغيرات واسعة أغلبها على المستوى التنظيمي، فيما عُرِف بـ “التأسيس الثاني للجماعة”، ساهم في ذلك فترة الانفتاح التي سمحت بها سياسات السادات، حيث قام نشطاء الجماعة من داخل الجامعات بإعادة تنظيم صفوفهم.

ثم جاء عهد مبارك، والذي يعتبر عهد انفتاح جزئي، فكانت المشاركة السياسية الأولى للجماعة لأول مرة في الانتخابات البرلمانية عام 1984م، ثم شاركت عبر تحالف آخر في انتخابات 1987م.
في التسعينات، اختلفت هذه السياسات، وتم إبعاد الإخوان عن الحياة السياسية، وتعرضوا للسجن ومصادرة الأموال والتشويه الإعلامي، ثم شاركت الجماعة في انتخابات 2005، والذي أسفرت عن نجاح بارز للإخوان، أدى لتدخل النظام بشكل سافر في الانتخابات نفسها، وفيما بعد في انتخابات 2010.

شعار جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية

يرى محللون أن بعد التأسيس الثاني للإخوان، والاتجاه نحو العمل النيابي، والمشاركة السياسية، قد انحرف الإخوان عن إطار حسن البنّا فكرًا وتنظيمًا، وأنهم قد انشغلوا بالداخل، وبحدود الدولة القومية، بل وتصالحوا معها، على حساب التنظيم الدولي والعمل تحت لواء خلافة إسلامية جامعة، وجعلوا من المشاركة في آليات الديمقراطية، والمشاركة في الانتخابات وضرورة الاحتكام إليها غاية كبرى، على سبيل قضايا أخرى، ومعارك واهتمامات أهم.

فضلًا عن تحوّلهم نحو الليبرالية الاقتصادية وتصالحهم معها، وجعل التنظيم غاية في ذاته، انشغلوا بها عن الأمور الفكرية والدعوية الأخرى.

الجماعة بعد الثورة والعلاقة مع السلطة

“إن الإخوان لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله”. حسن البنّا

بعد ثورة يناير، انفتحت الحياة السياسية أمام مشاركة جماعة الإخوان المسلمين، التي تخلت عن استراتيجيتها الحذرة في معارضة النظام، واندفعت للمشاركة في الثورة، إلا أن هذا المناخ من الحرية والانفتاح السياسي كان له أثر ما على بروز الخلافات والانشقاقات داخل الجماعة، فظهرت بعد الثورة عدّة أحزاب سياسية قد خرج قادتها سواء قبل الثورة أو بعدها من تحت عباءة جماعة الإخوان.
كما كان له أكبر الأثر على الاتجاه إلى الحزبية والعمل الحزبي، فبالإضافة إلى حزب الحرية والعدالة، الذي وُصِف بأنّه الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، تم إنشاء أحزاب سياسية إسلامية من تيارات سلفية كانت رافضة من قبل للعمل الحزب وللمسار الديمقراطي بأكمله.

تعرضت جماعة الإخوان لطبيعة علاقتها بالسلطة الحاكمة إلى عدّة انتقادات منذ البداية، فكان الانطباع السائد أن علاقة الجماعة بالمجلس العسكري الذي تولى شؤون البلاد بعد تنحية مبارك، علاقة وثيقة، تصل إلى درجة الصفقة بين الطرفين.
في حين رأى آخرون، أن هذه العلاقة ليست قائمة إلا حفاظًا على مصالح الطرفين، بل إنها قائمة بالأساس لتخوّف كل طرف من الآخر، ورغبة الإخوان في التمسك بالمسار الديمقراطي والحفاظ على مكتسبات الثورة من الانتخابات من ناحية، ومن ناحية أخرى رغبة المجلس العسكري في الحفاظ على نفوذه وسلطاته حتى في حالة وصول الإخوان للحكم.

كان موقف جماعة الإخوان إبان حكم المجلس العسكري السلبي من أكثر المواقف التي تعرض الإخوان في سبيلها للعديد من الانتقادات حتى اليوم، فبالنسبة للثوار، لم يكن سوى موقف خيانة ومهادنة للعسكر.

أعلنت الجماعة فيما بعد تقديمها لمرشح رئاسي، وقد كانت نفت فيما قبل إمكانية قيامها بذلك، وبعد حصول الإخوان على الأغلبية البرلمانية، لم تحسن الجماعة إدارة العمل في مجلس الشعب، بما أدى لتهميش الدور التشريعي له على حساب صلاحيات المجلس العسكري.
ثم جاء محمد مرسي كأول رئيس مُنتخَب للبلاد، واستمرت سياسات الإخوان مع المؤسسة العسكرية، التي كانت تتميز باللين تارة، وبالمهادنة تارة أخرى، أو بما عُرِف بالسياسات التكتيكية لا الصفقة الاستراتيجية، مع محاولة كل طرف  للحفاظ على مصالحه ومكتسباته، حتى قام الانقلاب العسكري بقيادة الفريق عبد الفتاح السيسي، والذي أدى للإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي وبحكم الإخوان، لتعود جماعة الإخوان مرة أخرى إلى زمن المحنة، في سؤال مطروح عن مستقبلها، ومستقبل الإسلام السياسي في المنطقة بأكملها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد