تختزن مدينة «حاسي مسعود» الجزائرية الكثير من الثروات؛ إذ يؤدِّي استخراج النفط من حقولها دورًا محوريًّا في تعزيز الاقتصاد الجزائري، وتؤمِّن حقولها 430 ألف برميل من النفط يوميًّا، كما تضم 71% من احتياطي النفط الخام في الجزائر؛ الأمر الذي جعلها من أغنى المدن الأفريقية.  

وعلى الرغم من ذلك؛ فإنَّ المدينة التي تضخ ملايين الدولارات يوميًّا إلى خزينة الجزائر لا تزال تعيش خارج التاريخ؛ وفي هذا التقرير نسلط الضوء على مدينة «حاسي مسعود» التي تعيش حالة من التهميش رغم ثرواتها الوفيرة.

مِعوَل الشيخ مسعود يكتشف ثروة «حاسي مسعود» 

اشتقت مدينة «حاسي مسعود» اسمها من اسم أحد شيوخ وأعيان قبيلة «الشعانبة» وهو مسعود روابح، الذي وفد إلى المنطقة سنة 1919 قادمًا من مدينة «متليلي الشعانبة» التي تبعد نحو 400 كلم؛ وذلك بحثًا عن الماء والكلأ لأغنامه؛ وعلى عادة أي نزيلٍ لقبيلة «الشعانبة»؛ كان أوَّل ما فعله الشيخ مسعود روابح هو حفر بئرٍ أو «حاسي»؛ علَّه يجد ماءً يقيه ويقي عائلته وأغنامه العطش وشدة الحرارة بصحراء الجزائر القاحلة. 

معلم أثري وتاريخي لأوّل بئرٍ حرفها مكتشف مدينة حاسي مسعود الشيخ روابح مسعود

معلم أثري وتاريخي لأوَّل بئرٍ حفرها مكتشف مدينة حاسي مسعود الشيخ روابح مسعود

غير أنَّ مِعوَل الشيخ مسعود روابح وصلت إلى ما سيجعل الجزائر إحدى أغنى الدول الأفريقية؛ وذلك على عمق 20 مترًا من الحفر فقط؛ إذ انبعثت مياه غزيرة التدفق شديدة العذوبة لم يسبق له أن تذوق مثلها من قبل؛ وهو ما جعله يسارع بإخطار السلطات الفرنسية التي كانت تحكم الجزائر حينها بالأمر؛ وبعد أن أخذت السلطات الفرنسية عينة من البئر لإجراء تحاليل مخبرية عليها أعلن اكتشاف أولى الآبار البترولية بالجزائر؛ ليشرع في الإنتاج بداية من سنة 1956.

المدينة المهمشة.. من يعرقل تنمية «حاسي مسعود»؟ 

يقدر عدد سكان المدينة بنحو 50 ألف نسمة وفقًا لآخر إحصاء رسمي صدر عن وزارة الداخلية الجزائرية في 31 يناير (كانون الثاني) 2017؛ لكن الأرقام التي استقاها «ساسة بوست» من بعض سكان المدينة الذين التقى بهم، تشير إلى وجود أكثر من 120 ألف ساكن بالمدينة بين مقيم دائم وغير دائم.

لكن على الرغم من أن مدينة «حاسي مسعود» تحتضن في قاع باطنها احتياطيًّا نفطيٍّا هائلًا، فإنها ليست أفضل حالًا من الولايات الجزائرية في الهضاب العليا والجنوب، حيث نسبة الفقر في أوساط سكَّان الجنوب تعد ضعف نسبتها لدى سكَّان المناطق الشمالية والساحلية؛ كما أنَّ التهميش ونقص التنمية بالجزائر يسير حسب بعض التحليلات في علاقة طردية مع القرب والبعد من العاصمة الجزائر. 

 غياب التهيئة الميزة المشتركة في شوارع مدينة حاسي مسعود

شوارع مدينة حاسي مسعود

في مقالٍ لمركز كارنيجي لأبحاث الشرق الأوسط؛ تعزو الكاتبة الجزائرية غانيا داليا، أسباب التفاوت في  التنمية بين شمالي الجزائر وجنوبها إلى الجغرافيا، فبُعد الصحراء عن العاصمة الجزائر يعدُّ من أهم الأسباب التي كرَّست التفاوت التنموي بين ولايات الجزائر؛ وهي الأطروحة التي عززها إرث الماضي الاستعماري الفرنسي الذي أهمل المناطق الصحراوية، وتعد مدينة «حاسي مسعود» خير مثال على ذلك؛ إذ لا تزال تعاني من الكثير من المشكلات التي تحول دون تحوِّلها إلى مدينة كبيرة تعكس حجم الثروات في باطنها. 

وفي هذا السياق يقول (ب.م) أحد ساكني المدينة في حديثه مع «ساسة بوست»: «يجب ألا ننسى أن حاسي هي واجهة للبلد؛ لأن الآلاف من الأجانب الذين يعملون بحقول النفط يعيشون في هذه المنطقة، وليس لدينا سوى الرمال من حولنا». 

هذا الحديث يذكرنا بتصريحٍ آخر للمخرج السينمائي أحمد راشدي الذي تأسف على حال  مدينة حاسي مسعود بالقول: «لا يمكنك أن تقول لزائر أجنبي إن حاسي مسعود هي عاصمة النفط في الجزائر. عاصمة توفر ما يقرب من 40% من ميزانية الدولة الجزائرية!». 

ومنذ أبريل (نيسان) 2005 جرى تصنيف مدينة «حاسي مسعود» على أنها «منطقة مخاطر رئيسية»، ووقع أحمد أويحيى، رئيس الحكومة آنذاك، المرسوم التنفيذي (05/127) تطبيقًا للقانون (04/20) المؤرخ في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2004 المتعلق بـ«الوقاية من المخاطر الكبرى وإدارة الكوارث في إطار التنمية المستدامة».

مشروع مدينة حاسي مسعود الجديدة

مشروع مدينة حاسي مسعود الجديدة؛ مصدر الصورة (الإذاعة الجزائرية)

وتحظر المادة الرابعة من المرسوم «أي إنشاء أو إنجاز أو استثمار ذي طبيعة صناعية أو تجارية أو سياحية أو زراعية، وبوجه عام، أي عملية أخرى لا ترتبط مباشرة بصناعة المحروقات»، كما يُحظر أيضًا منح «أي تصريح بناء أو امتياز لا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بصناعة الهيدروكربونات» بمعنى آخر، يحظر إنشاء مدرسة أو مستشفى أو فندق ليس له علاقة بأنشطة النفط أو الغاز، وهذا أوَّل الأسباب التي جعلت المدينة الثرية ترزح في التهميش. 

وبموازاة تصنيف مدينة «حاسي مسعود» منطقة مخاطر رئيسية؛ بسبب الغازات السامة المنبعثة من حقول النفط في المدينة والتي جعلت من الجزائر واحدة من أكبر مصادر انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري حول العالم، طرح وزير الطاقة الأسبق، شكيب خليل، سنة 2005، فكرة إنشاء «مدينة نفط وغاز» بجوار «حاسي مسعود» مع كل التسهيلات التي تجعل منها مركزًا للبحث والتطوير إلى جانب حقول النفط وناقلات الغاز. 

الجزائر

منذ 10 شهور
سوناطراك.. عملاق النفط الجزائري يضغط في واشنطن

المدينة التي سميت سنة 2005 بـ«مدينة المستقبل»، والتي لم تر النور حتى اليوم، ولا تزال تكلفتها الإجمالية غير معروفة، تقع بحسب المعهد الوطني للإحصاء في منطقة «وادي المرعة» على بعد 80 كيلومترًا من «حاسي مسعود» وسيجري تخصيص أكثر من 20% منها للمساحات الخضراء مع شريط جديد بطول ستة كيلومترات.

في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2020؛ وضع مشروع إنجاز المدينة الجديدة «حاسي مسعود» رسميًّا تحت وصاية وزارة السكن والعمران والمدينة بموجب مرسوم تنفيذي نشر في الجريدة الرسمية رقم 62 لسنة 2020، ويتساءل الكثير من ساكني مدينة «حاسي مسعود» حول السبب الذي يمنع من نقل المكتب الرئيسي لشركة «سوناطراك» من الجزائر العاصمة على بعد 600 كلم إلى مدينة «حاسي مسعود» وبهذه الطريقة تصبح «حاسي مسعود» عاصمة النفط فعليًّا.

«حاسي مسعود».. ثروات تفوق مدينة دبي وواقع بلد حرب 

في «حاسي مسعود» يوجد أكثر من ألف شركة وطنية ودولية؛ لكن المدينة تدين بثروتها إلى الضرائب التي تدفعها الشركات الدولية التي تتغذى على نفطها دون أن يكون لباقي القطاعات الاقتصادية أي أثر في تمويل المدينة والنهوض بها.

ففي حديث لـ«ساسة بوست» يقول (خ.ر) أحد موظفي بلدية «حاسي مسعود»: «تحت أرضنا هذه يوجد الآلاف من أنابيب النفط، والدول المرتبطة بهذه الأنابيب تدفع ضرائب بنسبة 1.6% من حجم وارداتها للولاية» مضيفًا: «على الرغم من أنَّ هذه النسبة صغيرة مقارنة مع حجم ما تنقله تلك الأنابيب، فإنَّها تغطي الكثير من ميزانية المدينة؛ ورغم ذلك لا تزال المنطقة فقيرة ولدينا معدل بطالة مرتفع».

حاسي مسعود سنة 1973

حاسي مسعود سنة 1973

وعند دخولك إلى مدينة «حاسي مسعود» تواجهك إنشاءات غير مكتملة، وطرق متصدعة، وغياب للمحلات والأسواق ومحلات السوبر ماركت؛ ولا توجد مؤسسات ترفيهية أو ثقافية ترمز لأنك في أغنى مدينة في أفريقيا؛ بل سيجعلك الواقع تعتقد أنك تزور مدينة تشهد حالة حرب، وهو ما يسبب استياء الأهالي الذين طالما قارنوا بين بلدتهم وبين مدينة دبي. 

فقد كانت مدينة «دبي» الإماراتية في بداية سبعينيات القرن الماضي عبارة عن صحراء قاحلة؛ تكاد تخلو سوى من ساكنيها الذين تكبدوا قسوة الجغرافيا التي استوطنوها؛ قبل أن يغيِّر النفط قدر المدينة ويحوِّلها اليوم إلى مركز تجاري عالمي؛ ويجعلها تحتضن حدثًا ضخمًا مثل إكسبو دبي 2020.

لكن المقارنة بين مدينتي «حاسي مسعود» الجزائرية و«دبي» الإماراتية لا تسير إلا في اتجاه واحد؛ هو ما يخرج من باطن أرض كلٍّ منها من براميل النفط، وهنا قد يتفاجأ الجميع بأنَّ حقول «حاسي مسعود» تنتج وحدها 430 ألف برميل يوميًّا؛ بينما تنتج «دبي» قرابة 50 أو 79 ألف برميل يوميًّا فقط. 

وعلى الرغم من ذلك؛ لا تزال مقارنة مدينة «حاسي مسعود» بـ«دبي» الإماراتية دائرة على لسان ساكنيها؛ وفي هذا الصدد، وبنبرة تحمل الكثير من الحزن يقول (محمد.ش) أحد شباب المدينة: «كان من الممكن أن تكون حاسي مسعود هي دبي الجزائر! لكن مع كل الأموال التي لدينا، لم يفعلوا شيئًا لتحسين الحياة بها وجعلها مدينة تليق بالحياة، على الرغم من أنَّ لدينا الكثير من الأجانب الذين يعيشون هنا».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد