سوريا، ما إن تنحل عقدة في صراعها الممتد منذ عام 2011، حتى تتشابك عقد أخرى، هذه المرة عفرين المدينة التي تقع في أقصى شمال غربي سوريا، والتي بدأت تركيا عملية عسكرية فيها الجمعة الماضية 19 يناير (كانون الثاني)، هدفها إزاحة قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل وحدات الشعب الكردية قوامها، والتي تتهمها أنقرة بأنها الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيًّا في تركيا. يقدر عدد الأكراد في سوريا بمليوني نسمة، وينتشرون في سوريا بثلاث مناطق رئيسية منفصلة هي: الحسكة، وكوباني «عين العرب»، وعفرين في ريف حلب الشمالي الغربي.

اقرأ أيضًا:«عفرين» تتجهز للحرب.. ما هي خيارات تركيا في مواجهة الأكراد وأمريكا في سوريا؟

 

الانتفاضة السورية التي كانت قد انطلقت في مارس (آذار) 2011، ظن كثير من المتابعين أن شرارتها بدأت تخبو بعد سبع سنوات من القتال، فهل سيغير التدخل التركي الأخير على الأرض من المعادلة السورية؟ هذا التقرير يقرأ أبعاد هذه الاحتمالية، ودور كل من روسيا وإيران، والمكاسب التي سيجنيها الجيش السوري الحر المعارض لنظام بشار الأسد من هذه المعركة.

التدخل التركي في عفرين ليس السابقة الأولى

آخر فصول التدخل التركي في سوريا هو الذي يجري الآن في عفرين، وسبق ذلك تدخل عسكري في عملية «درع الفرات» ضد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، عملية كانت أطلقتها تركيا خشية أن يؤدي الحال بالأزمة السورية إلى عزلها عن جيرانها العرب من خلال توسع الأكراد على طول الشريط الحدودي بين البلدين، فضلًا عن إقامة كيان أو دولة كردية قد تؤزم الوضع المضطرب أساسًا بين الحكومة التركية وأكرادها المتمثلين في حزب العمال الكردستاني، وبسيطرة المعارضة السورية المدعومة من تركيا على مدينة جرابلس ودابق والباب في الشمال السوري، باتت مناطق النفوذ الكردي في سوريا بحكم المنفصلة إلى جزأين اثنين أحدهما إلى الغرب من نهر الفرات والممتدة من كوباني إلى الحسكة، والجزء الآخر في مدينة عفرين في شمال غرب مدينة حلب التي بدأت القوات التركية عملية عسكرية فيها رسميًّا يوم السبت 20 يناير أطلقت عليها اسم «غصن الزيتون».

عملية عفرين، قال عنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنها ستستمر وستتبعها مدينة منبج، وتمتد حتى الحدود العراقية شرقًا، معللًا ذلك برغبة بلاده في طرد الوحدات الكردية، وتحصين الأمن القومي التركي.

مآلات التدخل التركي الأخير على قوة المعارضة السورية ومستقبلها

تغييرات كثيرة قد تطرأ على الملف السوري وعلى التوازنات المعقدة في سوريا، من حيث المكاسب التي قد تحققها قوى المعارضة المشاركة في معركة عفرين، وتأثير ذلك كله في الانتفاضة السورية، وكذلك من حيث الاتفاقات أو التفاهمات التي عقدتها تركيا مع كل من روسيا وإيران.

 

خريطة تشير إلى موقع مدينة عفرين في أقصى شمال غرب سوريا باللون الأصفر ومؤشر عليه باللون الأزرق– المصدر liveuamap

وعن الدخول التركي الأخير في مدينة عفرين، يقول الصحافي المختص بالشأن التركي أحمد سعيد لـ«ساسة بوست»: إن العملية التركية في عفرين كانت ضرورة أمنية تركية أكثر مما هو سعي تركي لتغيير مسار الأحداث في سوريا، على اعتبار أن مناطق عفرين ووحدات حماية الشعب أصبحت تشكل خطرًا على الأمن التركي؛ نظرًا إلى ما يجري من تهيئة وإعداد لهذه القوات التي يمكن أن تتحول إلى جيش كردي يهدد الأمن الاستراتيجي التركي، بحسبه.

وأضاف سعيد أن وحدات الشعب الكردية وحزب الـPYD يختلف عن الأحزاب العراقية الكردية التي استطاعت تركيا أن تتعامل معهم في تجربة إقليم كردستان عام 1991، فالأيديولوجيا والفكر لدى الوحدات الكردية يختلفان تمامًا عما عليه الأحزاب الكردية العراقية.

اقرأ أيضًا: كل شيء وارد.. ما هي خيارات الأكراد في المنطقة خلال 2018؟

 

الجيش الحر، الذي يشارك في عملية «غصن الزيتون» التركية، سيحقق مكاسب من خلال هذه العملية، بحسب ما أدلى به الصحافي أحمد سعيد، الذي أضاف أن دخول تركيا إلى عفرين سيكون ضمانًا لاستعادة هذه المناطق وعودة النازحين العرب، وشبيه بمنطقة آمنة على اعتبار أن تركيا كانت قد جرّبت ذلك في مناطق عملية «درع الفرات» المستعادة من «داعش»، والتي عاد النازحون السوريون إليها، فضلًا عن مكسب آخر يتمثل في أن فصائل المعارضة التي بدأت بترتيب أمورها وإنشاء معسكرات تدريب لها في مناطق درع الفرات، أضحت قوة منظمة بشكل كبير ومسيطر عليها تركيًّا من حيث القرار والتوجهات، وهذا ما ظهر عملياتيًّا في عملية عفرين.

مكسب آخر يحققه الجيش الحر من خلال عملية عفرين، بحسب الصحافي أحمد سعيد الذي يرى أن إبعاد الوحدات الكردية عن عفرين سيضمن للجيش الحر والمعارضة إنهاء فكرة ربط عفرين بمناطق شرق الفرات، ويضيف أيضًا أن مكسبًا آخر لا يقل أهمية عن سابقه سيتحقق للمعارضة السورية المسلحة، وهو تأمين هذه المنطقة التي تشرف على مناطق ريف حلب من جهة، وعلى ريف إدلب الشمالي من جهة أخرى، فضلًا عن الجهة الشرقية لمناطق عملية «درع الفرات»، وبالتالي ستتوسع مناطق المعارضة في المحصلة.

 

رأي آخر للمحلل السياسي التركي سعيد الحاج فيما يخص مكاسب الجيش الحر، الذي قال لـ«ساسة بوست»: إن «وحدات الحماية الكردية الانفصالية تبدو خصمًا مشتركًا لكل من تركيا والجيش الحر والمعارضة السورية، ومن هذا الباب، فإن مجموعات الجيش الحر تواجه خصمًا قويًّا وتسيطر –رفقة الجيش التركي– على أراضٍ جديدة وفق سيناريو عملية درع الفرات»، ويضيف الحاج أنه من غير الخافي أن رقعة السيطرة الجغرافية والعسكرية تنعكس بأشكال مباشرة وغير مباشرة على طاولة التفاوض في أستانة وجنيف، إضافة إلى أن الجيش الحر يكسب مشروعية، ويحمي نفسه من تهمة الإرهاب ومحاولات القضاء عليه، سياسيًّا وعسكريًّا، على اعتبار المشروعية التي يكتسبها من مشاركة القوات المسلحة التركية، ومباركة عدد من الأطراف الدولية لهذه العملية، وتفهم منطلقاتها على أقل تقدير، كما أن الجيش الحر يؤسس لعلاقة مستدامة ومستقرة مع أنقرة على المدى البعيد، إذ يدرك الطرفان أن العلاقة المميزة لأنقرة مع طيف واسع من المعارضة السياسية والعسكرية –ومن ضمنها الجيش الحر– تشكل إحدى أهم أوراق قوة تركيا في القضية السورية، ومن غير المنتظر أن تفرط أنقرة فيها.

Embed from Getty Images

لاجئون سوريون في تركيا

 

وعن احتمالية تخلي أنقرة عن الجيش الحر في مرحلة ما مقابل مكاسب سياسية قد تتحقق لها، يضيف الصحافي المختص بالشأن التركي أحمد سعيد لـ«ساسة بوست» أنه لا يمكن القول بأن تركيا قد تبيع أو تتخلى عن الجيش الحر، على اعتبار أن تركيا تتبنى القضية السورية من نواحٍ عدة، أهمها ما يتعلق بالجانب الإنساني أو الذي فرضه الواقع في استضافة تركيا لأكثر من 3 ملايين نازح على أراضيها، ويستدرك سعيد حديثه بالقول: إنه على الرغم من توافق كل الأطراف على ضرورة الحل في سوريا، إلا أن رؤية تركيا تختلف عن روسيا وأمريكا في آلية الحل.

روسيا وتركيا وإيران.. هل ثمة اتفاق بينهم في عفرين؟

أسئلة عدة تطرح عند الحديث عن عملية «غصن الزيتون» في عفرين، خاصةً ما يتعلق بالموقف الروسي منها، وهل ثمة صفقة أو اتفاق تم بين أنقرة وموسكو قبيل العملية، يقول المتحدث باسم الحكومة التركية بكر بوزداغ: إن بلاده لم تقدم أي ضمانات أو تعهدات لروسيا أو أي بلد آخر بخصوص عملية «غصن الزيتون» في عفرين. وفي هذا السياق يقول المحلل السياسي سعيد الحاج لـ «ساسة بوست»: إن تركيا ما كان لها أن تبدأ عملية عسكرية بهذا الحجم في منطقة عفرين دون التنسيق المسبق مع روسيا التي تملك وجودًا عسكريًّا ميدانيًّا في المنطقة، والمسيطرة على الأجواء السورية، والقادرة على ضبط رد فعل النظام الذي هدد تركيا قبيل إطلاق العملية.

Embed from Getty Images

الرئيس التركي والروسي والإيراني

 

وأضاف الحاج أن سحب موسكو لجنودها من عفرين، وعدم تعرض المقاتلات التركية المشاركة في العملية لأي مضايقات أو اعتراضات حقيقية يشير بوضوح وبشكل عملي إلى أن روسيا تقر العملية العسكرية التركية بحدودها الحالية، بحسب الحاج.

وعن الموقف الروسي من عملية «غصن الزيتون»، يشير الحاج إلى أن موسكو تحاول احتواء أنقرة قدر الإمكان بعيدًا عن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وأن العلاقة بين موسكو وأنقرة قائمة على التفاهم والتنسيق رغم الاختلاف في الرؤى؛ إذ تدعم كل منهما أحد طرفي الصراع السوري.

وعن احتمالية وجود اتفاقية بين تركيا وروسيا حول عملية عفرين، أوضح الحاج أن روسيا تبدي تفهمًا كبيرًا لحساسية تركيا الأمنية المتعلقة بحماية حدودها وأمنها القومي، ومن المنطقي توقع حصول تفاهمات أو مساومات معينة على هامش قبولها للعملية التركية في عفرين، ويختتم الحاج حديثه لـ«ساسة بوست» بالقول: إنه لا يمكن الجزم بما قد تكون روسيا قد طلبته من تركيا أو ما وافقت عليه تركيا، ومن غير المستبعد أن يتعلق كل ذلك بمؤتمر سوتشي الذي تخطط له موسكو، والوضع في إدلب، ومجمل مسار الحل في سوريا، ولعل المتغيرات على الأرض تشي مستقبلًا بتفاصيل أكثر.

اقرأ أيضًا: قبل أن تضع الحرب أوزارها.. خريطة متكاملة لكل ما حدث في سوريا خلال 2017

 

لاعب إقليمي لا يقل أهمية عند الحديث عن الملف السوري: إيران، التي تدعم النظام منذ سنوات، والتي ما فتئت تزوده بالعدة والعتاد، أعربت وزارة خارجيتها عن قلقها إزاء العملية العسكرية في عفرين، ودعت أنقرة إلى إنهائها فورًا، وأضاف بيان وزارة الخارجية الإيرانية أن إيران تؤمن بأن جذور الأزمة السورية تعود إلى السلوك الاستفزازي غير المسؤول، والتدخل في الشؤون الداخلية السورية من قبل أمريكا وحلفائها، كما دعا رئيس الأركان الإيراني محمد باقري في اتصال هاتفي مع نظيره التركي خلوصي أكار تركيا إلى عدم المساس بوحدة الأراضي السورية خلال عملية عفرين، وضمان سيادة سوريا.

وفي حديث مع «ساسة بوست» يقول الصحافي المختص في الشأن التركي أحمد سعيد، إن توافقات روسية تركية إيرانية قد جرت بالفعل، ويضيف سعيد أنه على الرغم مما يعلن عبر وسائل الإعلام عن رغبة إيرانية بتحديد تركيا فترة زمنية محددة لعملية عفرين، أو أن هذه العملية تمس السيادة السورية، إلا أن ما يقرأ في مضمون الأحداث أنهم (الإيرانيون) يتوافقون مع تركيا في هذا المجال، فتركيا وإيران تواجهان ذات الخطر الكردي وترغبان في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، كل وفق مصلحته ورؤيته، وبالتالي لا ترغب أي منهما في رؤية كيان كردي في سوريا قد يحفز وينعش آمال الأكراد في تركيا وإيران.

وفي ختام حديثه لـ«ساسة بوست»، يرى سعيد أن ثمة توافقات مهدت لهذه العملية، وأبعدت تركيا كثيرًا عن الولايات المتحدة التي تدرك أنها بدأت تخسر حليًفا استراتيجيًّا لها في المنطقة.

Embed from Getty Images

خريطة توضح موقع سوريا بالنسبة للعراق وتركيا وإيران

 

الموقف الغربي.. استحالة ممارسة الضغط على تركيا

وضعت العملية العسكرية التركية في عفرين الغرب في موقف قد لا يحسد عليه، بحسب محرر الشؤون السياسية في صحيفة «الجارديان» البريطانية «باتريك ونتور»، الذي يرى أن الغرب لا يستطيع تحمل فقدان الدور التركي باعتباره قوة تعويضية لخطة السلام التي فرضتها روسيا، ويضيف الكاتب أنه على الرغم من انتقاد كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بشدة التدخل التركي في شمال سوريا، بيد أن الدول الثلاث لا ترغب حتى الآن في ممارسة مزيد من الضغط لإجبار تركيا (العضو في الناتو) على سحب قواتها، ويبرر الكاتب ذلك من خلال الموقف الذي انتهجته هذه الدول في حث تركيا على تقليل الخسائر، الذي قد يفهم على أنه بإمكان أنقرة المضي قدمًا في محاولاتها الرامية إلى دفع الأكراد السوريين إلى الخروج من مدينة عفرين في شمال غرب البلاد.

اقرأ أيضًا: «حلم الأكراد».. هل تستنسخ أمريكا تجربة البيشمركة العراقية في سوريا؟

 

ويستدرك الكاتب أن من شأن الانشغال التركي بالأكراد السوريين على حدودها أن يؤدي إلى توصل أردوغان إلى اتفاق مع دمشق وموسكو، وهو ما سيكون بمثابة الكارثة بالنسبة للولايات المتحدة، خاصةً بعد حديث تيلرسون قبل أيام عن ضرورة إيجاد الولايات المتحدة لحل سياسي في سوريا، ينتهي بإزالة بشار الأسد والميليشيات التي تقودها إيران، وعدم استعداد واشنطن لذلك عمليًّا، فضلًا عن أن ذلك الاتفاق المحتمل سيهدد المصالح الغربية في ملف إعادة الإعمار في سوريا، وتشكيل قوة كردية في الشمال السوري، وقبل كل ذلك بقاء القوات الأمريكية في سوريا التي يصل عددها إلى 2000 جندي، بحسب الكاتب.

المصادر

تحميل المزيد