إذا ما طرحنا التساؤل الآتي على مجموعة من خبراء الاقتصاد، فكيف تكون إجاباتهم: هل يجب إصلاح نظام الرعاية الصحية أولًا لإصلاح الاقتصاد؟

في الدول الكبرى يتجادل الساسة وخبراء الاقتصاد حول أولوية إحداهما في الإصلاح؛ ليتم النهوض بالأخرى كنتيجة لذلك، فالرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لم يكتف بطرح السؤال، وإنما أقر إجابته بالفعل من خلال قناعته بضرورة إصلاح الرعاية الصحية من أجل إصلاح الاقتصاد.

وبالعودة إلى الدول النامية – مثل مصر – فالتساؤل لا يطرحه الساسة عادًة في الغرف المغلقة هكذا، وإنما بشكل مغاير: هل السكان هم سبب تدهور النظام الصحي لكثرتهم؟ في الواقع تأتي النظرة الاقتصادية من قبل خبراء الاقتصاد لتفصل بين الجميع هنا وهناك. عادًة ما يتبنى الجواب في الدول الكبرى قناعة أوباما، فتقول ميريديث روزنتال، أستاذ الاقتصاد والسياسة الصحية بجامعة هارفارد: «إن الرعاية الصحية هي الاقتصاد، وأن إصلاحها سيوفر أموالًا من أجل أولويات أخرى، مثل التعليم والابتكار الصناعي».

ولكن كيف تؤثر الحالة الصحية للمواطنين على اقتصاد الدولة؟ تلك خمسة تأثيرات رئيسة في «اتجاه واحد» للصحة على الاقتصاد:

1- خسائر الإنتاجية بسبب سوء الوضع الصحي للعاملين

في دراسة جديدة للغرفة التجارية الأمريكية، تبحث في تقديرات التكاليف الاقتصادية نتيجة لخسائر الإنتاجية الناجمة عن التغيب عن العمل والحضور إلى العمل، رغم المرض؛ خشية الفصل والتقاعد المبكر، بسبب سوء الصحة في جميع أنحاء العالم بدءً من البلدان ذات الدخل المرتفع، مثل الولايات المتحدة، إلى البلدان النامية، مثل كينيا والسعودية؛ تخلص إلى أن التكاليف الاقتصادية المتصلة بالإنتاج المفقود بسبب سوء الصحة مرتفعة في الاقتصادات المتقدمة والنامية على السواء، ومن المتوقع أن تزداد؛ مما يهدد بفرض أعباء ثقيلة على الشركات والحكومات والأفراد الآن، وفي السنوات المقبلة.

 

وأشارت الدراسة إلى تكلفة الإنتاجية المفقودة بأنها 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط لكل دول العالم مع التفاوت بين كل دولة وأخرى، ففي الولايات المتحدة يخسر الاقتصاد الأمريكي 8.2% من الناتج المحلي، بينما يخسر الاقتصاد السعودي، على سبيل المثال، وفقًا للدراسة نحو 6.4%.

الإيكونوميست: الرعاية الصحية في مصر.. ملاءات متسخة وقطط  ضالة

وفي هذا الشأن يقول مايرون بريليانت، نائب الرئيس التنفيذى، ورئيس الشؤون الدولية للغرفة التجارية الامريكية: «إنه علينا جميعًا العمل معًا لتحسين صحة السكان في سن العمل وتخفيف النمو المفقود الذي تواجهه العديد من الاقتصاديات نتيجة للتحديات المتعلقة بالصحة».

ومن تلك الاقتصاديات يأتي الاقتصاد المصري الذي يخسر ما لا يقل عن 6% من ناتجه المحلي الإجمالي؛ بسبب فقدان الإنتاجية لسوء الصحة، وبالتالي يؤدي الاهتمام بصحة المصريين ورعايتها بشكل جيد إلى تعزيز النمو الاقتصادي عن طريق زيادة الناتج المحلي الإجمالي، من خلال منع إهدار الناتج المفقود؛ بسبب فقدان الإنتاجية لرداءة الحالة الصحية.

2- تأثير الصحة على التعليم.. كيف يؤثر نقص الحديد في الغذاء على اقتصاد البلاد؟

من المتفق عليه بشكل واسع أن التعليم يؤثر على النتائج الاقتصادية، وتؤثر الصحة على التعليم، ومن ثم ينتقل ذلك إلى الاقتصاد نفسه؛ فتؤثر الرعاية الصحية الأفضل على حضور الطفل في المدرسة في حين أن سوء الصحة يقلل بشكل مباشر من القدرات المعرفية ويقوض بشكل غير مباشر التعليم من خلال التغيب وعدم كفاية الاهتمام بالدروس والتسرب المبكر، وبالتالي فإن تأثير انخفاض الوفيات وطول العمر المتوقع يعطي حوافز أعلى للاستثمار في رأس المال البشري من خلال التعليم، ويزيد هذا التأثير من فائدة الفرد.

وقد يعيق أداء الأطفال في المدرسة الإعاقات الإدراكية والجسدية، التي تبدأ أحيانًا في الرحم نتيجة لسوء صحة الأم وعدم كفاية التغذية، فعلى سبيل المثال، يولد ما يقدر بـ30 مليون طفل كل عام في البلدان النامية التي يعانون من ضعف النمو؛ بسبب سوء التغذية أثناء حياة الجنين، وكثيرًا ما يُعزى فشل الأطفال في التعليم في البلدان النامية إلى الصحة.

Embed from Getty Images

وجدير بالذكر هنا، أن نقص المغذيات الدقيقة، بما في ذلك الحديد والزنك واليود وفيتامين (أ)، هو سبب موثق لضعف النمو المعرفي وخفض الإنجاز المدرسي، وتشير التقديرات إلى أن الدخل المتضرر بسبب نقص الحديد يتراوح بين 2% من الناتج المحلي الإجمالي في دولة مثل هندوراس و7.9% في دولة مثل بنجلاديش، وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن هناك 30 مليون طفل في أفريقيا، و71 مليون طفل في آسيا عام 2010، كانوا يعانون من نقص الوزن نتيجة لسوء التغذية؛ مما أدى إلى إعاقة نمو دماغهم؛ مما يجعلهم متأخرين عن العمل، وأداءهم ضعيفًا للغاية.

3- تأثير الصحة على الادخار والاستثمار والسياحة

يؤثر سوء الصحة على معدلات الادخار، وكما هو معلوم فإن زيادة «الوفورات» تؤدي إلى زيادة الاستثمارات، ومن ثم توليد عوائد كثيرة للاقتصاد، فيتمثل أحد العوامل الرئيسة للنجاح الاقتصادي لبلدان شرق آسيا في ارتفاع معدل تراكم رأس المال مدفوعًا بمعدل اقتصادي مرتفع للمدخرات يبلغ 30% من الدخل، وتؤدي صحة الأفراد الجيدة إلى زيادة الدخول؛ وبالتالي ارتفاع الوفورات، ويمكن تحويل الوفورات إلى استثمارات يتم ضخها في الاقتصاد؛ لتزيد من الناتج المحلي الإجمالي، وتقلص من معدلات البطالة، وتزيد من الإيرادات العامة للدولة من خلال زيادة الضرائب والرسوم المتحصلة عن تلك الاستثمارات. كما يمكن للأمراض المعدية أن تخفض الإنتاجية؛ ومن ثم تحد من الاستثمارات.

وتؤثر سوء الأحوال الصحية للمواطنين على الاستثمار الأجنبي المباشر، فمن المستثمرين من لا يفضل الذهاب إلى مكان يعاني سكانه، الذين يمثلون اليد العاملة لاستثماراته، من تدني المستوى الصحي، وتراجع مستويات الرعاية الطبية.

دروس من كوبا.. ما لا يحكى عادةً عن مشاكل التعليم الطبي في مصر

 

المثال الأكبر والأوضح على ذلك، فشل الفرنسي فرديناند دي ليسيبس في حفر قناة بنما على غرار قناة السويس التي نجح في إتمام حفرها عام 1869؛ بسبب انتشار الحمى الصفراء والملاريا وسط اليد العاملة هناك، فضلًا عن الصعوبات المالية التي واجهتها شركته، فبعد نجاحه في حفر قناة السويس؛ أصبح لديه الثقة الكاملة من تكرار الأمر في بنما لحفر قناة تربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ؛ فحصل على امتياز من كولومبيا عام 1878، إلا أنه بسبب موت ما بين 10 إلى 20 ألف عامل بين عامي 1882 و1888؛ لسوء صحتهم وانتشار الأمراض بينهم؛ اضطرت القيادة الفرنسية وديليسبس إلى التخلي عن المشروع بالكلية؛ لتتدخل الولايات المتحدة فيما بعد، وتبدأ في بناء القناة عام 1902.

ويتخطى تأثير الوضع الصحي للدولة على الادخار والاستثمار إلى السياحة، فهناك كثير من البلدان تعتمد على السياحة، مثل مصر في توليد عوائد نقد أجنبي تمكن الدولة من الاضطلاع بمسؤولياتها، ويؤدي الوضع الصحي المتردي وانتشار الأمراض إلى انتشار سمعة سيئة للدولة لدى الأفراد الأجانب المهتمين بزيارتها، ومن ثم يتأثر قطاع السياحة بعدولهم عن القدوم للدولة.

 

ويمكن ملاحظة ذلك في مصر، فحينما انتشرت العدوى الفيروسية حمى الضنك (Dengue Fever) في الغردقة وهي مدينة سياحية بالأساس؛ تراجعت نسبة السياح إلى المدينة بشدة.

4- كم سنة يزيد فيها عمر الفرد تحتاجها الدولة لتزيد نسبة نموها الاقتصادي 1%؟

وجاء بحث حول اقتصاديات الصحة في الدول النامية، وما إذا كانت تعزز النمو الاقتصادي بحق، ليعضد الأدلة المتزايدة على أهمية دور الصحة في الاقتصاد، وتوصل البحث إلى أن الاهتمام بقطاع الرعاية الصحية الأساسية في الدول النامية يؤدي إلى تحقيق نمو اقتصادي سريع، كما يؤدي التوجه الحكومي نحو تخصيص ميزانية مالية ضعيفة لقطاع الصحة إلى تغذية حلقة مفرغة من عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وضعف التنمية وضياع الإنتاجية؛ ومن ثم بطء النمو الاقتصادي.

وتؤكد الأدلة الاقتصادية على أن التحسن بنسبة 10% في متوسط العمر المتوقع عند الولادة، يرتبط بزيادة في النمو الاقتصادي تتراوح بين 0.3 و 0.4 % سنويًا، كما أن الوضع الصحى يؤثر مباشرة على النمو الاقتصادي من خلال الهيكل العمري للسكان، وخصوصًا نسبة من هم فى سن العمل.

من رواندا إلى كندا.. مقارنة بين أنظمة الرعاية الصحية في مصر والعالم

من المكسيك، يأتي تقرير صادر عن اللجنة المكسيكية المعنية بالاقتصاد الكلي والصحة لسنة 2004؛ ليكشف عن أن تمتع الأفراد بصحة جيدة، يسمح باستخدام الموارد الطبيعية والمالية التي كان يتعذر الوصول إليها كليًا أو جزئيًا بسبب الأمراض، والتي تكون عادًة مخصصة لعلاج سوء الصحة، وأن الصحة تؤثر على النمو الاقتصادي مباشرًة من خلال إنتاجية العمل والعبء الاقتصادي للأمراض، كما تؤثر الصحة بشكل غير مباشر على النمو الاقتصادي؛ لأن جوانب مثل صحة الطفل تؤثر على دخل الأفراد في المستقبل، من خلال تأثير الصحة على التعليم، وهذا الأثر غير المباشر يسهل فهمه إذا لوحظ على مستوى الأسرة.

وقد أورد التقرير كذلك أن الزيادة في متوسط العمر المتوقع من 50 إلى 70 سنة (أي زيادة بنسبة 40%)، من شأنها أن ترفع معدل النمو بمقدار 1.4% في السنة، ويرتبط انخفاض الملاريا بنسبة 10% بزيادة في النمو السنوي بنسبة 0.3%. فى حين يؤدى سوء التغذية إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي السنوي للفرد الواحد في البلدان النامية بمعدل يتراوح بين 0.23 و4.7%.

من أجل ذلك فقد أوصت لجنة منظمة الصحة العالمية المعنية بالاقتصاد الكلي والصحة، بزيادة الإنفاق على الصحة كوسيلة لتعزيز النمو الاقتصادي، ورفع مستوى كل من الوضع الصحي ودخل الأسرة المعيشي؛ وبالتالي زيادة قدرتهم على الإنفاق على الخدمات الصحية، ومن ثم زيادة متوسط العمر المتوقع بالدولة.

عود على بدء؛ ولما أيقن الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، وعرف مدى أهمية الصحة بالنسبة لاقتصاد الولايات المتحدة، ذكر في عام 2009 أن الرعاية الصحية ساهمت في سدس الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، وفي عام 2010 تم تمرير قانون حماية المرضى والرعاية الصحية بأسعار معقولة «أوباما كير»، وبعد بضع سنوات ارتفع الإنفاق على الرعاية الصحية بنسبة 3.9%، وأنتجت نحو 500 ألف وظيفة جديدة.

5 أسئلة عن قانون الرعاية الصحية «أوباما كير» تلخص لك كل شيء

ومن ثم يمكن القول إن رعاية صحية جيدة تعني اقتصادًا جيدًا، واقتصادًا جيدًا يعني رعاية صحية جيدة، هكذا هي حلقة يؤثر كلٌّ منها ويتأثر بالآخر، وبالمقابل فإن رعاية صحية سيئة تعني اقتصادًا سيئًا، واقتصادًا سيئًا يعني رعاية صحية سيئة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد