مع قرب حلول شهر رمضان تتجدد الخطط والنوايا، فنستعد للعبادات وللزيارات الاجتماعية والطقوس الرمضانية المختلفة. لكن على رأس القائمة دائمًا ما يقبع الاستعداد للمائدة الرمضانية الحافلة، ففي اللحظة التي تقرأ فيها هذا التقرير؛ هناك ربة منزل تعدّ العدّة لرمضان بتحضير وتخزين كل ما يمكن تخزينه من أطعمة ومأكولات. ولا بأس من التخطيط والإعداد لأي شهر خاصة شهر رمضان بنية التفرغ لما هو أهم؛ العبادة.

لكن الغريب أن الخطط المتعلقة بالطعام عادة ما تتجه إلى الإفراط، على عكس المراد من الشهر الكريم في هذه المسألة تحديدًا. فعندما ننظر إلى الصيام على أنه ساعات من الحرمان من الطعام والشراب، سنجد أنفسنا تلقائيًا نتعامل مع ساعات الإفطار على أنها فرصة لتعويض هذا الحرمان النفسي قبل الجسدي. لكن مع نظرة عميقة للأمر ستعرف أن المشكلة لا تبدأ مع رمضان، فالنمط غير الصحي لاختياراتنا الغذائية المعتادة يجد أمامه الفرصة ليتفاقم مع الصيام وذلك بمجرد التركيز على فكرة فوات الفرصة لتناول الطعام.

الجانب المشرق في الأمر؛ هو أن استثمار بعض الوقت في التخطيط الجيد لوجبات شهر رمضان يمكن أن يجعلها أكثر صحة، والأكل الصحي ليس الطعام منزوع الطعم وفاقد النكهة، ولا الوجبات التي لا تتخطي حجم أصابع اليد، أو الأطعمة باهظة الثمن القابعة على رفوف (الدايت) في المتاجر الكبرى.

الصيام حتى الموت.. 9 من أغرب طقوس الصيام في الديانات والمذاهب المختلفة

 

في هذا التقرير نتطرق لبعض العادات التي يمكنها أن تحيل الكثير من وجباتنا المعتادة إلى وجبات صحية بمجرد التخطيط الجيد لها، ولعل الأيام السابقة لرمضان فرصة لبدء هذه العادات التي تهيء الجسم والحالة النفسية للصيام؛ وكذلك ترسخ فكرة قدرتنا على الاستمرار فيها بعد رمضان وليس مجرد اقترانها بالمواسم.

وإليك قائمة من المقترحات التي يمكن أن تبدأها قبل رمضان لتجعل حياتك صحية أكثر.

1. قسّم طعامك إلى عدة وجبات

عدد الوجبات التي ينصح بتناولها يوميًا هو محل دراسات علمية مكثفة بمعايير متعددة، لكن المؤكد أن الإفراط في تناول الطعام فجأة على معدة خاوية، لتكون الوجبة الأولى والأخيرة في اليوم هو شيء لا ينصح به. لكن هذا ما يحدث مع الكثير من الأشخاص؛ فعلى مدار اليوم نستهلك لقيمات متفرقة غير منتظمة ثم نختم اليوم الطويل بوجبة واحدة دسمة. وبمقارنة تناول الإنسان السليم لثلاث وجبات يومية مع تناوله وجبة واحدة فقط -وبغض النظر عن كمية السعرات الحرارية الإجمالية-، فقد لوحظ ارتفاع نسبة سكر الدم حتى في ساعات الصيام (الانقطاع عن تناول الطعام)، وخلل في إفراز الإنسولين، كرد فعل للتحكم في سكر الدم.

ولكي يستعد جسمك لساعات الصيام الطويلة، ابدأ بتنظيم وجباتك من الآن، فطور وغداء وعشاء، حتى يأتي رمضان فتنتقل بسلاسة إلى السحور والإفطار ولا تجعل صيامك يدفعك خطأً إلى نوبات الأكل النهم والتي تصنف اضطرابًا نفسيًا.

Embed from Getty Images

2. توقف عن تناول الأطعمة السريعة

لكي تهيئ نفسك للصيام، يجب عليك الإقلاع عن بعض ما يتعلق بوجباتك من ارتباطات شرطية زمانية أو مكانية، فإذا كانت الساعة الواحدة ظهرًا هي موعد تجمع زملاء العمل من أجل طلب وجبة سريعة من أحد المطاعم المجاورة، فمن الجيد أن تبدأ في تحجيم هذه العادة قبل رمضان. بل من الأفضل أن يحل محلها بعض الفاكهة أو الخضروات الطازجة أو الوجبات الخفيفة المعدة منزليًا، والتي ستكون حتمًا أقل في السعرات الحرارية من كل الأطعمة السريعة والتي دومًا ما تحتوى على كميات هائلة من الدهون المشبعة.

3. ضَمِّن وجبتك كل العناصر الغذائية

كل وجبة من وجباتك الرئيسية يجب أن تحتوي على بروتين ونشويات وخضروات، ولا تقلق بشأن الدهون فهي ستتسلل حتمًا إلى جسمك عبر باقي المكونات، فقط احرص على اختيار نوعيات الأطعمة ذات الدهون الجيدة غير المشبعة مثل السمك والأفوكادو، وابتعد قدر الإمكان عن الدهون المضافة والتي عادة ما تكون دهونًا مشبعة يرتبط الإفراط في تناولها ارتباطًا وثيقًا بقائمة طويلة من أمراض القلب وتصلب الشرايين.

4. عدل طريقة طهي وتحضير الأطعمة

الصنف الواحد قد يكون صحيًا بطريقة وغير صحي بطريقة أخرى، فمثلاً البطاطس المقلية في الزيت الغزير معشوقة لدى الكثيرين، وبمجرد طهوها في الفرن تتخلص من ضررها وتتحقق فائدتها، بل وقد يمكنك إضافة نكهات أخرى في الفرن مثل الزعتر والريحان لا يمكن إضافتها في زيت القلي، وقس على ذلك كل المقليات تقريبًا مثل الدجاج والأسماك والمقبلات العربية.

Embed from Getty Images

5. امضغ طعامك جيدًا

وهي عادة ينبغي ألا ترتبط برمضان فقط دونًا عن غيره، لكن لعل التذكير بها له أهميته هنا عندما تلتقي مائدة عامرة ببطن جائع. فجزء من هضم الطعام يحدث في الفم، ليس فقط بطحنه وتحويله لقوام مناسب للبلع، لكن لعاب الفم يحتوى على بعض الإنزيمات على رأسها إنزيم التيالين (أو الأميليز)، وهو إنزيم هاضم للنشويات يسهل كثيرًا من عمل المعدة والأمعاء في هضم الطعام مقللاً بذلك من مشاكل الهضم والقولون الشهيرة.

6. اهتم بالسوائل كمًا ونوعًا

لن تجد سببًا لتشرب الماء أقوى من أن قرابة ثلثي جسدك يتكون منه، لكن وسط الأيام المزدحمة قد تنسى حتى إحساسك بالعطش، أو لا تستجيب له بالقدر الكافي، حتى أن البعض يلجأ لتطبيقات هاتفية تذكره بشرب الماء من آن لآخر، ولا بأس من هذا باعتباره مرحلة تدريبية على أن تستهدف من ذلك أن تنمي تواصلك مع احتياجات جسمك، فلا تتابع كميات الماء المستهلكة فحسب، بل يصبح مؤشرك هو الارتواء والعطش مع بعض المتابعة للون البول ورائحته، فالمتوقع من جسمك في حال حصوله على كفايته من الماء أن يخرج البول بلون فاتح ورائحة غير نفاذة.

وأجسامنا تحصل على جزء من حصتها من السوائل عن طريق الأطعمة مثل الخضروات والفاكهة الطازجة، كذلك من كل المشروبات التي تتناولها يوميًا وليس الماء فقط، لكن حاول أن تختار مشروباتك بعناية، فتذكر أن العصائر الطازجة أفضل من المشروبات الغازية أو العصائر المعلبة حتى لا تجد عشرات السعرات الحرارية تتحول إلى دهون في أماكن غير مرحب بها.

أما في رمضان فالنصيحة الأزلية هي ألا تقحم لترات كاملة من السوائل إلى جسمك فور انطلاق مدفع الإفطار، بل أن تقسم الكمية على مدار ساعات الإفطار، فتبدأ مثلاً بالحساء الدافئ وتترك العصائر الرمضانية المحلاة بالكثير من السكر في نهاية المائدة؛ لتصل إليها يدك فقط في نهاية الوجبة فلا تجد نفسك قد أفرغت جالونات جرعة واحدة.

7. ابتعد عن ملح الطعام والأغذية المعلبة

ملح الطعام عبارة كلوريد الصوديوم، ويقترن ارتفاع نسبة الصوديوم في الجسم اقترانًا وثيقًا بضغط الدم المرتفع وما يتبعه من أمراض القلب، وتوصي «جمعية القلب الأمريكية» أن يكون متوسط استهلاك الفرد حوالي 1500 مللي جرام من الصوديوم يوميًا، بما يعادل أقل من ملعقة صغيرة تقريبًا، وألا يزيد بأي حال من الأحوال عن 2300 مللي جرام. اللافت في الأمر هو أن كميات كافية من الصوديوم تصل إلى الجسم عبر الكثير من الأطعمة المتوازنة يوميًا، في حين أن الكميات الأكبر والأشد خطورة تتسلل إلى جسدك عن طريق الأطعمة المعلبة والمحفوظة أكثر من ذرات الملح الإضافية على طبقك، فلم تعد التوصيات تكتفي بالإقلال من ملح الطعام قدر الإماكن، بل صارت تشدد على الحد من الأطعمة المعلبة لما تحتويه من نسب عالية من الصوديوم، ناهيك عن المخللات التي تعتبر طبقًا هامًا في مائدة رمضان.

وسحب الملح من الطعام لا يعني بالضرورة تركه عديم الطعم، بل إنه يفتح الباب لاستخدام إضافات أخرى تعزز النكهة مثل التوابل والليمون.

8. قلل من تناول المنبهات والسكر الأبيض

نعم، يمكن أن ندرج السكر الأبيض في نفس البند مع المنبهات مثل الشاي والقهوة والقهوة السريعة والكولا الغازية لعدة أسباب. أولها هو ارتباط تناول هذه المشروبات بالسكر الأبيض، سامحة له أن يتسلل إلى نظامك الغذائي جالبًا معه الكثير من السعرات الحرارية غير الملحوظة. ثانيها هو أن للسكر الأبيض الكثير من الأضرار التي تجعله يتصدر قائمة الممنوعات الغذائية لدى الكثير من الأطباء.
وثالثها هو علاقتهم جميعًا بالعطش، فكما يزيد السكر من إحساسك بالعطش، يزيد الكافيين من إدرار جسمك للبول، أي فقد أكثر للسوائل، وهذا آخر ما تحتاجه في رمضان، فلا تضع مشروبك المنبه في وقت السحور مثلاً، لكن إن لزم الأمر فاجعله بعد الإفطار بقليل، وكالعادة فإن الاعتدال في الكميات هو سر توازن أي معادلة.
أما رابع هذه الأسباب فهو التأثير الإدماني للسكر الأبيض، الذي يجعلك تعتاده وتسعى في طلبه بالضبط مثلما يعتاد جسمك النيكوتين والكافيين وغيرها، كما أن له أعراضه الانسحابية أيضًا.

فلم لا تسدى لجسدك معروفًا بأن تتمرن على الإقلاع عن السكر الأبيض قبل رمضان؟ كذلك الحد من المشروبات المنبهة تدريجيًا استعدادًا لساعات الصيام ولعلها تتحول إلى عادة تمكنك من الاحتفاظ بنشاطك وتركيزك دون الاعتماد على مشروبات خارجية.

9. احظ بساعات نوم كافية

واحدة من معجزات الجسم البشري هي النوم، يمكننا أن نخط كتبًا عظيمة في وصف ما يحدث لجسمك عندما يحصل على كفايته من النوم في مواعيده المناسبة، فحافظ على مواعيد مبكرة للنوم في أيامك العادية حتى تتمكن من الاستمرار عليها في رمضان وما بعده، فلا داعي للاستيقاظ المستمر من الإفطار وحتى السحور، بل احصل على قسط من النوم ثم استيقظ قبل الفجر للسحور ثم الصلاة.

10. انتظم في ممارسة الرياضة

بسبب العادات غير السليمة في النوم والتغذية، نحظى بنهار رمضاني مُرهق وليال رمضانية مُثقلة، فحتى الرياضيين منا قد يتوقفون عن ممارسة الرياضة تمامًا في رمضان، رغم أن الرياضة لا تعني بالضرورة رفع الأثقال، بل إن دقائق من المشي المنتظم بعد الإفطار قد تؤدي الغرض. نصف ساعة من المشي في كل أو معظم أيام الأسبوع تمنح قلبك السلامة، وعظامك القوة، وضغطك الانضباط، ونومك الاستقرار.

Embed from Getty Images

11. حاول الإقلاع عن التدخين

لم يُجمع العلم الحديث على شيء أكثر مما أجمع على ضرر التدخين باختلاف أشكاله وأنواعه، وربطه بشكل مباشر بالعديد من الأمراض على رأسها سرطان الرئة. والإقلاع عن التدخين ليس بالمهمة السهلة أو مضمونة النتائج، لكنه يحتاج علاجًا ومشورة طبية في عيادات متخصصة للإقلاع عن التدخين. وهناك فرصة ذهبية في شهر رمضان لعلاج الأمر بالتخطيط المسبق. خطط لزيارة عيادة إقلاع عن التدخين قبل رمضان لتستغل تلك الفرصة كما ينبغي.

12. راجع طبيبك

إن لم تكن قد قمت بفحصك الدوري السنوي منذ وقت قريب، فربما يكون الموعد السنوي المناسب هو قبل رمضان. فسواء كنت بصحة جيدة أو تعاني من بعض الأعراض وتتجاهلها أو تم تشخيصك بالفعل بأحد الأمراض التي تتطلب التعايش المزمن معها، فزيارة طبيبك قبل هذه الأيام قد تكون فكرة جيدة، كفحص دوري سنوي ينصح به للجميع. تزداد أهمية هذه الزيارة إذا كنت تتعايش مع أحد الأمراض المزمنة، فبعضها يتحسن بالصيام والآخر لا، بل قد يمنحك طبيبك رخصة للفطر إذا كان في الصوم ضرر لك وقد يعطيك تعليمات محددة تلتزم بها وقت الصيام، كما هو الحال لدى بعض مرضى الكبد والكلى في الحالات المتأخرة وبعض مرضى السكري من النوع الأول، وكذلك الحوامل والمرضعات كما تسمح صحتهن.

وأخيرًا فإن نظرتنا للأيام هي التي تحقق مدى استفادتنا منها، وتعاملنا مع شهر رمضان على أنه شهر الحرمان من الطعام يرسم طريقة تعاملنا معه، فبدلاً من أن يكون الشهر تدريبًا على كبح جماح النفس وفرصة مكثفة لممارسة هذا في وسط داعم حيث يصوم الجميع، يتحول الأمر إلى انفلات لرغبات البطون في موعد يومي محدد مسبقًا. لكن إذا حاولنا اغتراف الخير من رمضان في كل شيء كما نفعل في العبادات فسيفيض الشهر ويزيد، رمضان كريم!

«ڤوكس»: هل يفقد فيه المسلمون وزنهم؟ 9 أسئلة عن رمضان يسألها الغرب كل عام

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد