في الأزمة الخليجية الحالية بين قطر من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى، واجهت الدوحة مشكلة تتعلق بتوفير المنتجات الغذائية، وخصوصًا الألبان ومشتقاتها، بعدما أوقفت السعودية إمدادها بهذه المنتجات. قطر لجأت سريعًا إلى دول أخرى مثل تركيا لسد هذه الاحتياجات سريعًا، وهو ما حدث بالفعل.

لم يكن هذا هو الحل الوحيد الذي لجأت إليه الدوحة، في يوم 13 يونيو (حزيران) 2017، وفي خضم المقاطعة التي تعيشها الدوحة من قبل جيرانها، أعلن أحد رجال الأعمال القطريين عن نقل 4 آلاف بقرة من نوع «هولشتاين» إلى قطر عبر الجوّ، في محاولة لسد نقص إمدادات الحليب ومشتقاته.

هذا الاقتراح، الذي وصف بأنه أكبر جسر جوي لنقل الماشية، يأتي في الوقت الذي سارعت فيه قطر إلى فتح جسور عبر الجو والبحر من خلال إيران وتركيا وموانئ عُمان، وهو الأمر الذي اعتبر بمثابة حل بعيد المدى لأزمة الحصار، للعمل على عدم تكرار الأزمة.

في ذلك الوقت، خرجت قناة العربية بخبر، فقد تصدرت أبقار قطر هذه مشهد الإعلام الخليجي المضاد للدوحة بعد أن جعلتها قناة العربية مادة إعلامية دسمة لتعلق عليها وتخشى على مستقبلها من حرارة الجو. العربية نشرت في تغريدة على حسابها في تويتر «البقر المستورد بقطر يعاني من ارتفاع الحرارة ونقص الحليب».

وبغض النظر عن أن الأبقار لم تصل الدوحة حتى الآن، فكيف ستعاني من آثار الحرارة، لكن هذه الفكرة مثيرة للاهتمام بالفعل. الأبقار تحب المراعي في الأجواء المعتدلة أو ذات الحرارة المقبولة، لكن الحرارة في الخليج مرتفعة جدًا، والدول الخليجية في غالبيتها مناطق صحراوية، فكيف يمكن فتح مراعٍ للأبقار هناك؟

الجواب يمكن أن يكون بهذه البساطة، إذا كانت الدوحة ستبني ملاعب كرة قدم مكيفة الهواء، فلم لا يمكنها بناء مزارع حيوانية مكيفة الهواء أيضًا؟

هذا ما أشار إليه تقرير لقناة سكاي نيوز عربية عام 2013، ففي طقس تتخطى فيه أحيانًا درجة الحرارة 50 درجة مئوية، يتراجع إنتاج الأبقار من الحليب، لذا لجأ بعض المزارعين في مدينة دبي بالإمارات العربية المتحدة لإمداد الحظائر بالمكيفات من أجل زيادة الإنتاج. أبرز هذه التجارب كانت تلك الخاصة بمزارع شركة الروابي.

لكن يبدو أن المستقبل القريب سيحمل بشرى سارة لمثل هذه الدول الحارة، أو تلك الدول التي بدأت تعاني من موجات حرارة شديدة في أعقاب التغيرات المناخية التي يشهدها كوكب الأرض نتيجة ظاهرة الاحتباس الحراري.

أبقار مضادة للحرارة

اقترح معهد جامعة فلوريدا للعلوم الغذائية والزراعية خطة لجعل الأبقار أكثر مقاومة لارتفاع درجة الحرارة الناجمة عن الاحترار العالمي. وقد تلقى المقترح منحة فیدرالیة (منحة من الحكومة الأمريكية) لمدة ثلاث سنوات، تبلغ قيمتها 733 ألف دولار أمریکي.

 

وتهدف خطة العلماء إلى الحفاظ على جودة اللحوم التي تمدنا بها الأبقار من خلال زيادة كفاءة العملية وليس من خلال تغيير الظروف المناخية. الخطوة الأولى هي إجراء البحوث على الأبقار التي تتعامل بالفعل مع الحرارة وتتحملها بشكل جيد.

ويأمل الباحثون، من خلال دراسة بقرة «برانغوس»، في تحديد كيفية تنظيم درجة حرارة جسمها، مما يسمح لها بالازدهار في المناخات الأكثر حرارة، وبمجرد تحديدها، يمكن للباحثين استخدام أداة تحرير الجينات لإعطاء تلك القدرة إلى السلالات الأخرى.

وأبقار برانغوس هي إحدى السلالات التي تتميز بالقوة ولها شعبية كبيرة فيما يتعلق بلحومها، وهي تمثل خليطًا من سلالة أبقار أنجوس بنسبة 5/8 وأبقار براهمان بنسبة 3/8.

وقال الدكتور راشيل ماتيسكو، الأستاذ المشارك في قسم علوم الحيوان، إن الإجهاد الحراري هو العامل الرئيس الذي يحد من إنتاج البروتين الحيواني ويؤثر سلبًا على صحة ورعاية الماشية في المناطق شبه الاستوائية والمدارية، ومن المتوقع أن يزداد تأثيره بشكل كبير بسبب تغير المناخ، وأضاف: «القدرة على التعامل مع الإجهاد الحراري أمر حتمي لتعزيز إنتاجية صناعة الثروة الحيوانية وتأمين الإمدادات الغذائية العالمية».

أن يتلقى مثل هذا المشروع التمويل الحكومي هو علامة على أن الكثيرين في المجتمع العلمي قد أدركوا جيدًا وجود علاقة قوية يمكن أن تنشأ بين تكنولوجيا تحرير الجينات من جهة وبين المعدل المتزايد في تغير المناخ، فتغير المناخ يغير عالمنا كله بشكل أساسي، بل إنه يغير علم الوراثة الخاص بعدة أنواع من الكائنات الحية – بما في ذلك البشر – فضلًا عن تغيير وظيفة النظم الإيكولوجية بأكملها.

كريسبر وتغيير شكل الحياة

ولما كان تمويل هذا البحث مرهونًا بالقدرة على البقاء، فإنه أيضًا فرصة لإظهار التقدم السريع المحرز في برامج تحرير الجينات، التي تحفزها أداة «كريسبر – CRISPR». فمنذ أول ظهور لها في عام 2013، أجريت بالفعل كمية هائلة من البحوث باستخدامها.

لم يكن عام 2015 هو العام الذي اكتشفت فيه أقوى تكنولوجيا لتعديل الجينات التي عرفها البشر، وهي كريسبر، ولكنه العام الذي بدأ العالم يرى فيه كيف يمكن لهذه الأداة تغيير شكل الحياة التي نعرفها تمامًا، ولذلك السبب أطلقت عليها مجلة «ساينس» لقب «طفرة العام».

وكما يقول جون ترافيس، الصحافي بمجلة ساينس: «هذا هو العام الذي تفرَّد فيه الكريسبر عن بقية الأدوات، كاشفًا عن قوته الحقيقية في سلسلة من الإنجازات المدهشة»، وشرحت جينيفر دودنا، عالمة الأحياء بجامعة بيركلي، والتي كانت إحدى رواد استخدام أداة كريسبر، أن الأداة تسمح لنا بالأساس بالعثور على أجزاء محددة من شفرتنا الجينية وإما اقتطاعها، أو استبدالها، وقالت: «يمكن أن يكون لدينا الآن مشرط جراحي للجينات».

 

هناك مئات الاستخدامات المحتمَلة لهذه الأداة، تتنوع بين خلق حيوانات معدلة جينيًّا مثل أبقار دون قرون، أو كلاب ذات عضلات خارقة، وخلق طحالب كمصدر للطاقة المستدامة، وربما حتى تغيير أحماضنا النووية الخاصة لكي تصبح مقاومة للأمراض أو خارقة القوة.

في عام 2015، أعلن الباحثون في جامعة «سون يات سين» أنهم أجروا تغييرات على الأحماض النووية لأجنة بشرية، مما أثار العالم كله وقلبه رأسًا على عقب، رغم أنهم كانوا يفعلون شيئًا كان العلماء في جميع أنحاء العالم يعلمون أنه ممكن باستخدام أدوات تعديل الجينات، وعلى الرغم من أنه كان هناك الكثير من الأخطاء، إلا أن الباحثين غيروا في الحقيقة جينات البشر بطريقة كان من الممكن أن تنتقل عبرها الجينات وراثيًا إذا زرعت الأجنة وأُنجبت، وسيكون هذا بمثابة تصميم للأطفال بشكل مخصوص تحت الطلب.

وفي العام نفسه، صمم الباحثون بجامعة كاليفورنيا جينًا يمكن أن ينتشر بشكل إجباري وسط مجموعة ما، لكي يوضحوا قدرة «كريسبر» على خلق ما يعرف بـ«محرك الجينات»، وأوضحوا في دراسة نشرتها مجلة ساينس أن هذه الطفرة قد وصلت إلى 97% من مجموعة من ذباب الفاكهة خلال جيلين فقط.

إنَّ القدرة على إجبار جين على الانتشار وسط مجموعة ما قد تكون على – سبيل المثال – طريقة للقضاء على البعوض الذي ينشر الملاريا، ولكن إطلاق شيء له القدرة على إبادة مجموعة كاملة من البشر يخيف الباحثين أيضًا، إذ قد يؤدي إلى آثار جانبية غير متوقعة لا يمكن التراجع عنها.

يوضح هذان التطوران السيطرة التي يمنحنا إياها «كريسبر» على الوحدات المكونة للحياة، وكما يشرح ترافيس، فهناك الكثير جدًا مما يمكن أن تساعد هذه الأداة العلماء على فعله، إذ يكتشف الباحثون، باستخدامها لتنشيط الجينات وإيقافها؛ كيفية تفاعل تلك الجينات والآثار التي تحدثها. هي أداة تساعد على الكشف عن أسرار السرطان، وهناك علماء آخرون يصنعون خنازير تنمو لها أعضاء يمكن زرعها في البشر.

مستقبل تحرير الجينات بمساعدة «كريسبر» يبدو مشرقًا، إذ هناك العديد من التجارب التي بدأت أو التي من المقرر أن تبدأ هذا العام، بما في ذلك محاولات لتعديل الفيروسات لقتل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، وإحياء الأنواع المنقرضة.

وفي حين يبدو من المنطقي أكثر أنه من الأفضل العمل على تقليل الاحترار العالمي بدلًا من محاولة التعامل مع عواقبه، إلا أنه إذا ما فشل الأسلوب الوقائي، فإن الحلول الوحيدة التي يمكن أن ننتقل إليها هي تلك التي كانت محتكرة سابقًا لعوالم الخيال العلمي، مثل تغيير التركيب الجيني لدينا – أو الهجرة إلى كوكب آخر، ومن هنا لابد أن نستعد لكل الاحتمالات.

المصادر

تحميل المزيد