يبدو أن العلماء تغلبوا أخيرًا على النقص العالمي في غاز الهيليوم، وهو ما يعني إنقاذ حياة الملايين من الناس الذين يحتاجون إليه.

قد يكون الهيليوم معروفًا، بشكل أفضل بين العامة، بأنه الوقود المحرك للبالونات في الهواء، رافعًا إياها لمسافات عالية، كما أن بعضنا يعرفون لها استخدامًا طريفًا، حيث يجعل أصوات الناس حادة ومضحكة، لذلك لو مر علينا خبر نقص الهيليوم سابقًا، فربما لن نبالي، ولكن وكنتيجة لدرجة غليان الهيليوم المنخفضة للغاية، فإنه يستخدم في أمور أخرى بالغة الأهمية، منها مثلًا أنه مفتاح أساسي في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، المستخدمة في الطب والطاقة النووية.

ونتيجة لنقص وشح الهيليوم، الغاز بالغ الأهمية لإنقاذ حياة البشر، على مستوى العالم، بدأ العلماء يصابون بالذعر، وذلك لخشيتهم من إمكانية نفاذ مخزون الغاز من العالم. المذهل في الأمر، أن الطريقة الوحيدة للعثور على الغاز جرت عن طريق المصادفة، فالغاز يتصاعد إلينا خلال عمليات التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي، وإذا ما تم السماح له بالصعود إلى الغلاف الجوي، فإنه يطفو إلى أعلى متجهًا نحو الفضاء الخارجي.

حظر استخدامه في البالونات

وأدى الخطر المحتمل لـ«نفاذ مخزون البشر من الهيليوم»، إلى دعوة الأطباء لحظر استخدام الهيليوم في الأنشطة ضئيلة الأهمية، مثل استخدامه في بالونات الاحتفالات، في محاولة للحفاظ عليه. وارتفع سعر الهيليوم 500% في السنوات الـ15 الماضية، في الوقت الذي يكافح فيه الباحثون لتوفير كميات أكبر منه.

أما الآن، فقد قام فريق من جامعة أكسفورد، وجامعة دورهامب أيضًا، باكتشاف ضخم في تنزانيا، اكتشاف طور وسيلة جديدة لإيجاد الهيليوم. ومن خلال العمل مع شركة نرويجية، تسمى «هيليوم 1»، وجد العلماء حقلًا لغاز الهيليوم من الطراز العالمي في تنزانيا.

وجرى اكتشاف الهيليوم باستخدام نفس الخبرات المكتسبة في التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي، للنظر في كيفية تولد الهيليوم تحت الأرض، وفي محاولة لفهم الأماكن التي يمكن أن يتجمع فيها. ووجد الباحثون أن النشاط البركاني يوفر كميات هائلة من الحرارة اللازمة، لدفع الغاز من الصخور القديمة، الحاملة للهيليوم.

واكتشف العلماء الحقل الجديد في وادي شرق أفريقيا المتصدع، حيث تدفع البراكين الهيليوم من الصخور العميقة، إلى حقول الغاز الضحلة، القريبة من سطح الأرض.

ويقول العلماء إن الحقل المكتشف يملك حوالي 54 مليار قدم مكعبة، في جزء واحد منه، وهي كمية هائلة تكفي لملء 1.2 مليون جهاز من أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي. ويذكر العلماء أيضًا أن العالم يستخدم حوالي ثمانية مليارات قدم مكعبة من الهيليوم، في العام الواحد، كما أن أكبر مورد للهيليوم في العالم لا يملك سوى 24 مليار قدم مكعبة فقط منه.

وقال البروفيسور كريس بالينتين، من قسم علوم الأرض في جامعة أكسفورد: «هذه تعد لعبة تبديل بالنسبة لمستقبل الأمن الخاص باحتياجات الهيليوم في المجتمع»، مضيفًا أنه لا يستبعد تمكن العلماء من إيجاد اكتشافات مماثلة لهذه الحقول، في بعض المناطق حول العالم، وهو ما يعني توفير احتياجاتنا من الهيليوم لسنوات عديدة قادمة.

وقال البروفيسور جون جلوياس، من قسم علوم الأرض في جامعة دورهام، إن الاكتشاف هو وسيلة حيوية لإعادة تزويدنا باحتياجاتنا. وأضاف: «علينا أن نحافظ على رغبتنا وعملنا لإيجاد أكثر من ذلك، فالهيليوم ليس قابلًا للتجديد أو الاستبدال».

«يستخدم الهيليوم كثيرًا في البالونات لاكسابها القدرة على الطيران»

غاز الهيليوم

الهيليوم هو عنصر كيميائي يرمز له بـ«He»، وعدده الذري 2، كما أنه غاز عديم اللون والرائحة، ولا طعم له، وغير سام، وخامل. ويتميز أيضًا بأنه أحادي الذرة، وهو العنصر الأول من نوعه في مجموعة الغازات النبيلة، في الجدول الدوري. وتعتبر نقطة غليانه وانصهاره هي الأقل بين جميع العناصر.

الهيليوم هو ثاني أخف العناصر، وهو العنصر الثاني الأكثر وفرة في الكون المرئي، فهو حاضر في حوالي 24% من مجموع كتلة عناصر الكون، وهي نسبة أكثر بـ12 مرة من كتلة جميع العناصر الثقيلة، الموجودة في الكون مجتمعة. ووفرة الهيليوم في الكون مشابهة لنسبة وجوده في كل من الشمس وكوكب المشتري. والعدد الكتلي للهيليوم هو أربعة، نتيجة وجود بروتونين اثنين ونيوترونين اثنين، نتيجة لكل من الانصهار النووي والتحلل الإشعاعي، على حد سواء، لتميزه بدرجة اندماج نووي عالية جدًا. ومعظم الهيليوم في الكون هو الهيليوم -4، ويعتقد أنه تشكل أثناء الانفجار الكبير. ويضاف للكون كل يوم كميات كبيرة وجديدة منه، عبر الاندماج النووي للهيدروجين في النجوم.

وجاءت تسمية الهيليوم نسبة إلى الإله اليوناني للشمس، هيليوس. وجرى الكشف لأول مرة عنه، في صورة خط طيفي أصفر اللون، غير معروف في ضوء الشمس، خلال الكسوف الشمسي عام 1868، من قبل عالم الفلك الفرنسي جول يانسن. وينسب الفضل لاكتشاف الهيليوم إلى يانسن بالاشتراك مع نورمان لوكير.

ولاحظ يانسن وجود الغاز خلال كسوف للشمس في العام المذكور، عندما رصده من فرنسا، في حين لاحظ لوكير وجوده في نفس الوقت، عند مراقبته لهذا الكسوف الشمسي من بريطانيا. وكان لوكير أول من اقترح أن الخط كان بسبب العنصر الجديد، وكان هو من أعطاه اسمه.

وجاء الاكتشاف الفعلي للعنصر في عام 1895، من قبل اثنين من الكيميائيين السويدي، بير تيودور كليف ونيلس إبراهيم إنجليت، حيث وجدا الهيليوم منبثقًا عن قطعة غير نقية من خام اليورانيوم. وفي عام 1903، تم العثور على احتياطيات كبيرة من الهيليوم، في حقول الغاز الطبيعي في أجزاء من الولايات المتحدة، والتي تعد أكبر مورد له في العالم في يومنا هذا.

استخدامات الهيليوم متعددة

استخدامات مختلفة

ويستخدم الهيليوم السائل في فيزياء درجات الحرارة المتدنية، وهو أكبر استخدام للغاز حول العالم بصورة فردية، ما يستهلك حوالي ربع إنتاج العالم منه، ولا سيما في تبريد المغناطيس فائق التوصيل، بالإضافة إلى التطبيق التجاري الرئيس لغاز الهيليوم، والمتعلق بأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي.

ومن بين الاستخدامات الصناعية الأخرى له، والتي تستهلك نصف إنتاجه: استخدامه كغاز ضاغط وكغاز تطهير، بالإضافة إلى استخدامه لإعطاء مناخ ومحيط آمن، في عمليات لحام القوس «arc welding». ويستخدم أيضًا ككريستالات أولية في عمليات تصنيع رقائق السيلمون. بالطبع إلى جانب الاستخدام المعروف، المتعلق بكونه غاز رفع البالونات والمناطيد.

وكما هو الحال مع أي غاز تختلف كثافته عن كثافة الهواء، فإن استنشاق كمية صغيرة من الهيليوم، يغير بشكل مؤقت طبقة ونوعية الصوت البشري.

في مجال البحث العلمي، فإن سلوك مرحلتي السوائل من الهيليوم-4 «الهيليوم الأول والهيليوم الثاني» مهم للباحثين من أجل دراسة ميكانيكا الكم، خاصية الميوعة، ولأولئك الذين يبحثون في بعض الظواهر، مثل الموصلية الفائقة، التي يجري فيها إنتاج موصلات فائقة، في أجواء قريبة من الصفر المطلق.

أما على كوكب الأرض، فتبلغ نسبة الهيليوم في الغلاف الجوي 5.2 جزءًا في المليون، من حجم الغلاف الجوي. ويجري إنتاج معظم الهيليوم الأرضي حاليًا من الاضمحلال الإشعاعي الطبيعي، للعناصر المشعة الثقيلة، مثل الثوريوم واليورانيوم، وذلك لأن جسيمات ألفا، المنبعثة من عملية الإشعاع النووي لهذه العناصر، تتكون من نواة الهيليوم-4، وأشعة ألفا هي أنوية ذرات الهيليوم دون وجود الإلكترونات.

وقد جرى حصار هذا الهيليوم الإشعاعي، بواسطة الغاز الطبيعي، في تركيزات تصل إلى 7%، من حيث الحجم، ثم يستخرج منه تجاريًا، عن طريق عملية الفصل في درجات الحرارة المنخفضة، والمسماة بالتقطير التجزيئي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد