إنها القديمة التي كانت في يوم ما مدينة، وكأن نهاية العالم كانت هناك، حجرٌ على حجر، بعد حرب لم تبق ولم تذر، قامت بها قوات الجيش العراقي إلى جانب ميليشيات مسلّحة والتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). أتت الحرب على كل شيء، فحتى الهواء لم يسلم، إذ إنّ منطقة بمساحة أربعة كيلومترات مربعة أصبحت ركامًا بعد أربعة أشهر كاملة من القصف المتواصل بكل ما أتيح من أسلحة أرضية وجويّة.

«ساسة بوست» يدخل المدينة القديمة، ويتجوّل فيها ليخرج بتحقيق عن الوضع هناك، وينقل صورًا حصرية -نعتذر إن كانت صادمة للبعض- ولم نستطع نشر العديد من الصور للجثث المتفسخة نظرًا لفظاعتها.

صورة من قرب: كيف تأثر أطفال العراق وسوريا بمدارس «داعش»؟

المدينة القديمة.. مدينة الجثث المتفسخة

ما إن تدخل المدينة القديمة في الموصل حتى يتغير كل شيء، البر والجو على حد سواء، لا يعرف المتجول في المنطقة أي معالم كانت هنا، ولا يستطيع أحد الاستدلال على أسماء المناطق إلا من خلال الشوارع التي تفصل بين الأزقة الضيقة التي لا يتجاوز عرض بعضها نصف متر.

رائحة الجثث المتفسخة في كل مكان، بعد مرور ستة أشهر على إعلان الموصل محررة بالكامل، لا تزال هذه البقعة من الأرض لم تطلها يد تغير من حالها.

ما إن تخطو أُولى الخطوات داخل «القديمة» حتى تُفاجأ بأكوام الركام المنتشرة في كل مكان. ربيع عبد الله، أحد سكان المدينة القديمة، يقف أمام كومة من الأنقاض التي يصل ارتفاعها الى أربعة أمتار وهو يتأمل في شيء مجهول، وخلف هذا الركام حفرة يصل عمقها إلى أربعة أمتار، وعند سؤاله عما ينظر إليه؛ كانت المفاجأة، يقول ربيع لـ«ساسة بوست» إنه يأتي كل يوم إلى هذه الخربة وينتظر ساعات وساعات، علّ فريقًا دوليًّا أو منظمة أممية تصل إلى هذه المنطقة لتساعده في حل مشكلته التي تبين بعد حديثه أنّها طامة.

يضيف ربيع أنه أثناء الحرب وتحديدًا في أحد أيام شهر يونيو (حزيران) 2017، بينما كانت المعارك على أشدها في «القديمة»، فإن منزلهم الذي يضم خمسة أشخاص تعرض لقصف بقذائف الهاون، وأنهم أجبروا على تركه بعد أن نجوا من القصف إثر اختبائهم في سرداب البيت، وبعد ذلك تفرقت عائلة ربيع وتوزعت بين بيوت ثلاثة.

كان البيت الذي يقف ربيع قبالته أحد هذه البيوت، والذي يعود أساسًا إلى عمه. يستطرد ربيع في الحديث وعيناه تحاولان منع دموعه التي فشل في حبسها، حتى هذه اللحظة لم يكشف ربيع عن مفاجأته التي فجرها حين قال إن تحت هذه الأنقاض يرقد أبوه وأخوه اللذان لم تستطع فرق الدفاع المدني انتشالهما، واكتفت بانتشال سبعة أشخاص فقط، هم عدد أفراد بيت عمه، إذ قضوا في قصف البيت الذي لجأ إليه والد ربيع وأخوه.

«ما خفي كان أعظم».. ما لا يخبرك به الإعلام عادةً عن معركة الموصل

يضيف ربيع أن البيت قصف في ذات اليوم الذي قصف فيه بيتهم لكن ليلًا، واستُهدف البيت بغارة جوية أتت عليه وعلى من فيه. ثم يقول: إن فرق الدفاع المدني لم تستطع إكمال الحفر في هذه البقعة بسبب نقص الآليات، فقد وصل الدفاع المدني في بحثه عن الجثث إلى عمق محدد، ولكن لم تسعفهم جرافاتهم في مواصلة الحفر.

منزل مهدم في القديمة جثث أصحابه لا تزال تحت الأنقاض.

في كل بيت قصة دماء ودموع

ومع الدخول أكثر في عمق المدينة القديمة، وتحديدًا على مقربة من مركزها على بعد 400 متر عن الجامع النوري الكبير الذي كان «داعش» قد فجّره قبيل إحكام القوات العراقية سيطرتها على القديمة؛ ازدادت رائحة الجثث المتفسخة، والتي لم تنفع معها الأقنعة الواقية والكمامات الطبية، ليكشف النقاب عن مزيد من القصص المروعة التي لا تنتهي، فبعد أشهر على تحرير «القديمة»، اضطرّت بضع عشرات من العوائل للعودة إلى أطلال بيوتها محاولة ترميم غرفة واحدة لتأوي إليها، وذلك هربًا من جحيم ارتفاع أسعار الإيجارات في الموصل، بعد أن دمرت الحرب آلاف الوحدات السكنية، وإذ بأُم محمد العجوز التي تبلغ من العمر عتيًا، تقف على مقربة من ثلاثة أطفال، هم أحفادها من ابنها الذي قُتل إبان الحرب وهو خارج يبحث عن كأس ماء يروي به عطش أطفاله.

كانت أم محمد تصيح في أحفادها وتنهاهم عن اللعب والعبث في أنقاض البيت المقابل لبيتها، وعند سؤال أم محمد عن هذه الرائحة التي لا تستطيع الأحرف وصفها، وقبل أن تجيب أشارت بيدها إلى شيء ما بين هذه الأنقاض، التي تبعد ستة أمتار، وإذ بمشهد مروّع عجزت أفلام هوليوود الأمريكية المرعبة وأفلام دراكولا عن الإتيان بمثله: رأس مقطوع متفسخ لا يعلم أحد من صاحبه دون وجود لبقية الجثة، مَن هذا الشخص؟ هل هو أحد مقاتلي تنظيم «داعش» أم أنه مجرّد مواطن موصلي بريء آخر سقط في هذه الحرب؟ لا أحد يعلم، لكن المشهد كان كفيلًا بشرح ماهية الحالة في القديمة التي قال عنها الحاج حازم أبو مسعود -وهو موصلي آخر كان أحد سكان القديمة وشهد حربها- لـ«ساسة بوست»: إن في كل بيت من بيوت المدينة القديمة قصّة، وكل قصة أشد حزنًا من الأخرى.

يصف أبو مسعود الوضع وهو جالس على كومة بيته، إنه يجيء كل يوم إلى أنقاض منزله ويبدأ في نبش هذه الأنقاض محاولًا استخراج ما يمكن استخراجُه من ثياب أو متاع، علّه ينفعه بعدما خسر كل شيء، ماله وعمله وبيته وابنه وابنته. يضيف أبو مسعود أنه يسكُن حاليًا في بيت مهجور لم يكتمل بناؤه في منطقة الحاوي، ولا يملك أي شيء سوى ما جاد به بعض أهل الخير.

أحد أزقة المدينة القديمة.

كان لا بد من التحدث إلى مسؤول لجنة انتشال الجثث في بلدية الموصل، المهندس دريد محمد حازم الذي قال في تصريح حصري لـ«ساسة بوست»: إن عدد المفقودين حتى الآن في الموصل القديمة يقدر بـ9 آلاف مدني، تم انتشال ما يقرب من 2600 جثة بواسطة الدفاع المدني، ولا يزال العمل جاريًا في محاولة انتشال البقية. أما ما يخص عدد الجثث المنتشلة من مقاتلي تنظيم «داعش» فقد وصل العدد إلى 462 جثة، وأضاف حازم أن عدد الجثث المنتشلة لمقاتلي داعش قد يصل حسب التقديرات إلى 3 آلاف جثة داخل المدينة القديمة. وعن دور بلدية الموصل في انتشال الجثث؛ يقول حازم إن البلدية تعمل على انتشال الجثث المنتشرة داخل الأزقة والشوارع في «القديمة»، إضافة إلى الجثث المنتشرة في دور المدنيين، وأضاف أيضًا لـ«ساسة بوست»: أن البلدية تستقبل يوميًّا طلبات من مواطنين لا زالوا يبحثون عن ذويهم.

مترجم: جنود عراقيون عن معركة الموصل: قتلناهم جميعًا.. داعش والنساء والأطفال

وعن المعدات المستعملة في انتشال الجثث، يقول مسؤول لجنة انتشال الجثث في بلدية الموصل: إن البلدية تعمل على انتشال ما يصلون إليه، ويضيف قائلًا: «لا تزال هناك مئات الجثث وبعضها منتشرة على حواف نهر دجلة. إن البلدية تفتقر الى المعدات والآليات اللازمة والأكياس البلاستيكية الخاصة بانتشال الجثث، كما أن عملية انتشال الجثث تحتاج إلى فرق متخصصة وملابس واقية، فضلًا عن تعرض الفريق في أكثر من مرة إلى وجود متفجرات وبيوت ملغمة وعبوات ناسفة» بحسبه.

مقبرة «أم التسعة»، مقبرة قديمة كان سكان الموصل القديمة يدفنون فيها ذويهم منذ 200 سنة، لكن وبعد سيطرة تنظيم «داعش» على الموصل في يونيو 2014، أجبر التنظيم سكان «القديمة» على نبش هذه المقبرة، ونقل رفات من دفن هناك بحجة حرمة وجود مقبرة قرب الجامع الذي يعرف أيضًا بجامع «أم التسعة»، لكن وأثناء الحرب الضروس في «القديمة» عاد الأهالي ليدفنوا فيها من يقتل من ذويهم. كان من بين هؤلاء قصي أبو حسين، الذي دفن أولاده الثلاثة في هذه المقبرة التي لا تتجاوز مساحتها 300 متر مربع. يقول أبو حسين لـ«ساسة بوست»: إن قذيفة هاون سقطت في باحة منزلهم القديم في الخامس من أبريل (نيسان) 2017، فقتلت أولاده الثلاثة حسين (14 عامًا)، ومحمد (9 سنوات)، وسبهية (6 سنوات)، يضيف أبو حسين والحزن بادٍ على وجهه: أنه يأتي كل يوم إلى هذه المقبرة لقراءة سورة الفاتحة على أرواح أولاده.

قصي أبو حسين، وهو يزور قبر أولاده الثلاثة في مقبرة أم التسعة في المدينة القديمة.

قصة أخرى في ذات المقبرة، يرويها الحاج سعد حامد لـ«ساسة بوست» عن قبر ملفت للنظر، كُتب عليه كلمة «أمي» فقط. يقول حامد إن صاحبة هذا القبر امرأة عجوز قضت في قصف منزلها، وكانت وحيدة أثناء القصف، يضيف حامد أنه وبعد تحرير الموصل جاء ابنها الذي كان قد أصيب في المعركة ونقل إلى منطقة أخرى داخل «القديمة» وانقطعت أخباره، جاء إلى مكان دفن أمه، لكنه فوجئ أن أغلب جيرانه قضوا في المعركة، وعند إرشاده إلى موقع دفن أمه، نظر إلى بقايا منارة الحدباء وكتب على القبر كلمة «أمي» فقط. يصف الحاج حامد واقع هذه المقبرة من واقع المنارة، وكأن أحدهما يعزي الآخر في مصابه، حسب وصف الحاج حامد.

قبر كتب عليه «أمي» على مقربة من بقايا منارة الحدباء للجامع النوري الكبير في المدينة القديمة.

مبادرات شبابية لإزالة الأنقاض

في إطار مبادرات شبابية من أهالي المنطقة لإزالة بعض أنقاض القديمة، يقول منسق حملة «ثورة الدنابر» بندر العكيدي لـ«ساسة بوست»: إنهم بدؤوا حملة على شبكات التواصل الاجتماعي لجمع الأموال اللازمة لرفع بعض الأنقاض في المدينة القديمة، من خلال استخدام عربة «الدنبر»، وهي عربة صغيرة تستخدم في مواقع البناء لنقل المواد الإنشائية والركام، ولا تزيد حمولتها على نصف طن، يضيف بندر أن حملتهم أثمرت عن إزالة أكثر من 3 آلاف عربة «دنبر»، وأن تكلفة النقلة الواحدة تبلغ دولارين فقط، واستدرك العكيدي حديثه بالقول: إن حملتهم قد تتوقف خلال أيام نتيجة مخلفات الحرب، والعبوات الناسفة غير المنفلقة، والتي أصبحت تشكل خطرًا حقيقيًّا على العاملين في الحملة.

مبادرة شبابية لإزالة أنقاض المدينة القديمة، في الصورة تظهر عربة «الدنبر».

الموت ما زال مستمرًا.. عقد من الزمان لرفع المتفجرات

الأمم المتحدة من جانبها حذّرت من بقاء القنابل غير المنفجرة في الموصل لعقد من الزمن، ما يعرّض مليون مدني أو أكثر للخطر. يقول «بير لودهامر»، مدير برنامج لدى الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام: إن معركة الموصل خلفت ما يقدر بـ11 مليون طن من الحطام والأنقاض، وإن من المعتقد أن ثلثي المواد المتفجرة لا زال مدفونًا تحت الركام، وأضاف لوهامر: «نحن نرى ذخائر أسقطت من الجو، وقنابل تزن الواحدة منها 500 رطل تم إسقاطها، تخترق الأرض لمسافة 15 مترًا أو أكثر، مجرد إخراج الواحدة منها يستغرق أيامًا وأحيانًا أسابيع».

ويصف لودهامر الوضع: «بدا الأمر كما لو أن إعصارًا ضرب متجرًا للإلكترونيات». ويضيف قائلًا: «أزلنا في المستشفى الرئيسي غرب الموصل المعروف باسم مدينة الطب والمواجه للمدينة القديمة، أكثر من 2500 مادة متفجرة، من أحزمة ناسفة، وقذائف صاروخية، وقذائف مورتر، وقنابل يدوية».

لم يعد الأهالي في الموصل يخشون القنابل والمتفجرات غير المنفلقة. أُم عزّام تعد نموذجًا لهؤلاء، إذ ما انفكّت تأتي كل يوم لتبحث عن حاجيات يمكن أن تأخذها من بين الأنقاض تساعدها في حياتها، وأشارت أم عزام إلى أن قبو بيتها الذي تبحث فيه عن حاجياتها مليء بالأسطوانات المفخخة التي أبطل الجهد الهندسي للجيش العراقي مفعولها، لكنه لم يرفعها من البيت.

بيت أم عزام في المدينة القديمة، ويحوي في قبوه عبوات ناسفة ومتفجرات لم تنفلق بعد.

لا يستطيع المتابع للوضع في الموصل أن يتعرف على ما عايشه سكانها من ويلات، إلا من خلال زيارة ميدانية للمدينة القديمة التي مهما كُتب عن حجم الدمار الذي أصابها وعن المآسي التي يرويها أبناؤها؛ فإن الكلمات لا تستطيع وصف الحال هناك.

عرض التعليقات
تحميل المزيد