ارتدت ابنته الأبيض، لون فساتين الأعراس، وقبل انطلاق السيارة، أوقفها الوالد وأخذ يحتضن ابنته ويُقبلها باكيًا، مودعًا إياها قبل أن تنتقل إلى مقام جديد، ليس منزل زوجها؛ لأن الطفلة الصغيرة لم تبلغ بعد، وإنما إلى «سيارة الجثث» ومنها إلى المقابر.

الوداع كان الأخير، بعدما قُتلت الطفلة في قصف للنظام السوري، على غوطة دمشق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، في موجة هجوم اشتدت منذ الأحد الماضي، وأسقطت مئات الضحايا المدنيين، وسط جحيم خانق، في مشهد لاقى إدانات دولية، فيما عجزت جهات أخرى عن وصف «المعاناة»، مع مخاوف من أن تتحول الغوطة إلى «حلب ثانية».

الهجوم الأكبر.. 3 آلاف ضربة للنظام 

في ظل انشغال المجتمع الدولي بمتابعة عملية «غصن الزيتون» التركية، ضد وحدات حماية الشعب الكردية في عفرين، اشتدت ضربات النظام السوري وحليفه الروسي -خلال الأيام القليلة الماضية، تحديدًا منذ مساء يوم الأحد الماضي الموافق يوم 18 فبراير (شباط) 2018- بقوة صوب الغوطة الشرقية للعاصمة دمشق، التي تسيطر عليها قوات المعارضة.

فمنذ بدأ هجوم النظام وحلفائه على الغوطة وصل عدد ضرباتهم حتى أمس الأربعاء 21 فبراير 2018، إلى نحو 2900 غارة وصاروخ وبرميل متفجر وقذيفة مدفعية، وأدت تلك الضربات المكثفة إلى وقوع مئات الضحايا المدنيين، بمقتل وإصابة نحو 1800 مدني، منهم 296 قتيلًا مدنيًا بينهم 71 طفلًا و42 سيدة، وكانت الهجمات دموية لدرجة مقتل 250 شخصًا في أول يومين للهجوم فقط، ليكون هذا «أكبر عدد من القتلى يسقط في يومين منذ الهجوم الكيماوي في عام 2013» على الغوطة الشرقية، بحسب ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.

Embed from Getty Images

أما عن عدد المصابين المدنيين خلال الأربعة أيام الأولى للهجوم، فقد تعدى 1500 شخص، أصيبوا بجروح متفاوتة، ولكن يبدو أن معاناتهم ستستمر، وبخاصة المصابون بإصابات بالغة منهم، لتعثر الخدمات الطبية في المنطقة المحاصرة والتي تتلقى الهجمات برًا وجوًا؛ إذ تسببت ضربات النظام في تدمير خمسة مستشفيات ونقاط طبية.

كيلو الطحين بـ3 آلاف ليرة.. الجوع يهدد سكان الغوطة

من لم تقتله صواريخ النظام وقذائف وغارات طائراته والضربات الروسية، سيقتله الجوع.

هكذا قال أحد أهالي الغوطة الشرقية، للمرصد السوري في تقرير له خرج إلى النور الأربعاء 21 فبراير ، وهي كلمات تُظهر صعوبة الوضع المعيشي والإنساني في الغوطة الشرقية، الذي يُلاحق نحو 393 ألف مدني من سكان المنطقة، فالناجون من ضربات النظام، يراود بطونهم الجوع؛ فالقصف أدى إلى إغلاق المحال التجارية، لتصبح المنطقة شبه معدومة من الغذاء، كذلك فإن الحصار وإن اشتدت قسوته خلال الأيام القليلة الماضية، تزامنًا مع كثافة القصف؛ فإنه كان قائمًا منذ سنوات طويلة، عقب سيطرة المعارضة على تلك المنطقة عام 2012.

Embed from Getty Images

ويعتمد جزء من مدنيي الغوطة في طعامهم على المطابخ التابعة لفصائل المعارضة، أو المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات الإغاثية، فيما يصل ضيق الحال بآخرين إلى بيع أراضيهم أو منازلهم لأناس خارج الغوطة الشرقية ليرسلوا إليهم المال كي يتمكنوا من العيش، مع الأسعار المتضخمة في المنطقة؛ وقد ساعد على تضخمها تعثّر وصول المواد الغذائية للمنطقة المحاصرة؛ مما يدفع بعض التجار لدفع الرشا والإتاوات الباهظة لدخول بضاعتهم للغوطة، لدرجة قد تصل إلى دفع 3 آلاف ليرة -نحو ستة دولارت أمريكية- على كل كيلو جرام.

وقبل أسابيع قليلة من الهجمات الأخيرة ارتفعت الأسعار في الغوطة الشرقية، ليصل سعر ربطة الخبز الواحدة إلى 1900 ليرة (أكثر من 3.6 دولار)، وهو ما يُعادل نحو 22 ضعف المعدل الوطني في سوريا، فيما بلغ سعر السكر 2400 ليرة ( أكثر من 4.6 دولار)، وسعر الأرز 2600 ليرة (أكثر من خمسة دولارات)، وسعر الكيلوجرام من الطحين 3 آلاف ليرة (نحو ستة دولارات أمريكية)، ويرتفع بشكل كبير سعر المحروقات، ليصل لتر البنزين إلى 8 آلاف ليرة (أكثر من 15.5 دولار أمريكي)، كل ذلك قبل القصف الأخير الذي من المؤكد أنه زاد الطين بلّة، لدرجة جعلت المرصد السوري يؤكد الأربعاء الماضي، انعدام الطعام في الغوطة الشرقية.

ويأتي ذلك التأكيد بعد إفادة الأمم المتحدة على لسان منسقها الإقليمي لشؤون الإغاثة السورية «بانوس مومتزيس»، الاثنين الماضي، بوجود «شُح كبير في الأغذية» في الغوطة الشرقية، لعدم سماح النظام السوري إلا لقافلة إغاثية واحدة بالدخول منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، ويزداد الوضع سوءًا لأطفال الغوطة تحت سن الخامسة، بمعاناة 11.9%منهم من سوء تغذية حادة، وهي النسبة الأكبر في سوريا منذ بدء الحرب السورية في 2011.

وقد وصف طبيب محلي الوضع في الغوطة الشرقية بـ«الكارثي»، موضحًا: «الناس ليس لديهم أي مكان يلجؤون إليه. إنهم يحاولون البقاء على قيد الحياة، لكن الجوع الذي تعرضوا له بسبب الحصار قد أضعفهم بشكل كبير».

«حلب ثانية».. عندما تعجز الكلمات عن التعبير

أعادت كثافة ضربات النظام السوري وحلفائه ودمويتها إلى الأذهان شراسة النظام في الهجوم على حلب في نهاية عام 2016، للتخلص من سيطرة المعارضة، وهو تخلص ألقى بظلاله الخطرة على كثير من المدنيين الذين وقعوا ضحايا بين قتيل ومصاب ونازح، وقد حذر أكثر من سياسي رفيع المستوى من أن تتحول الغوضة الشرقية إلى حلب جديدة.

على رأس هؤلاء، كان «ستيفان دي ميستورا»، المبعوث الأممي إلى سوريا، الذي قال في ثالث أيام الهجوم: «هناك خطر من تحول (الغوطة الشرقية) إلى حلب ثانية، وأملي أن نكون قد استخلصنا العبر من ذلك»، وهو نفس التحذير الذي أطلقته الأمم المتحدة، منبهةً أن «الوضع قد يخرج عن السيطرة بشكل مطرد»، وطالبت بوقف إطلاق النار وإسعاف المصابين، والسماح بدخول المساعدات الإغاثية الإنسانية.

التشبيه بحلب أيضًا لفت إليه «روبرت فورد»، سفير أمريكا السابق في سوريا، عندما أفاد بأن الأسد يكرر في الغوطة خطة حلب، موضحًا في تصريحات صحافية يوم الأربعاء: «إن العنف في الغوطة الشرقية لن ينتهي إلا بطريقة من اثنتين: الأولى تكمن في استسلام قوى المعارضة ومطالبتها بشروط مشابهة لما حدث في حلب عام 2016، أو دخول قوات عسكرية خارجية تلزم الحكومة السورية بوقف القصف على المنطقة».

بدوره لفت «باتريك كوبيرن»، المختص بالشؤون الحربية في الشرق الأوسط، إلى إمكانية تكرار ما وقع في حلب «من تدخل دولي في آخر لحظة لتنفيذ عملية إخلاء واسعة النطاق لسكان المنطقة»، وأشار كوبيرن في مقاله الذي كتبه لصحيفة الإندبندنت الثلاثاء الماضي، إلى أن كثافة نيران النظام في الغوطة تبرز إمكانية أن يكون هذا «الحصار الأخير في الحرب السورية».

وتجدر الإشارة إلى أن الغوطة الشرقية تعتبر أحد أكبر معاقل الفصائل المعارضية في سوريا، وترتكز حيويتها وسر غضب النظام منها، وحصارها قبل سنوات، وتكثيف ضرباته ضدها في الأيام الأخيرة، إلى اقتراب تلك المنطقة من العاصمة السورية دمشق، وما تحمله من رمزية في الصراع السوري، ذلك الصراع الذي تغير كثيرًا خلال العام الماضي بسيطرة النظام السوري على أغلبية الأراضي السورية بعد التخلص من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتفرغه الآن بشكل أكبر لمواجهة المعارضة.

خريطة محدثة حتى يوم 28 ديسمبر (كانون الأول) 2017 للمرصد السوري لحقوق الإنسان، تظهر الفارق بين يناير (كانون الثاني) 2017 (يمينًا)، وديسمبر 2017 (يسارًا).

اللافت أيضًا أن الغوطة الشرقية التي تبلغ مساحتها 110 كيلومترات، لم يدخلها قط تنظيم الدولة، ويحكم سيطرته عليها فصائل معارضة تتضمن فيلق الرحمن، وجيش الإسلام، وحركة أحرار الشام، ومع أن تلك المنطقة خاضعة لمناطق خفض التصعيد، التي اتفق عليها النظام والمعارضة برعاية روسيا وتركيا العام الماضي، إلا أن القصف والحصار مستمر ضدها، وهو ما يعكس رغبة النظام في التخلص من سيطرة المعارضة على المنطقة.

واستمرارًا لردود الأفعال الرسمية، أعربت الخارجية الأمريكية عن قلقها من تصاعد الهجمات في الغوطة الشرقية، مطالبة بوقف العنف الآن، وهي كلمات تشابهت مع تصريح «أنتونيو غوتيريش»، الأمين العام للأمم المتحدة، الذي قال: «لا نستطيع أن ندع الأمور تتواصل بهذه الطريقة الفظيعة في الغوطة»، مشيرًا إلى أنها تحولت إلى «جحيم على الأرض»، ودعا «الأطراف المعنية» إلى وقف فوري للقتال في الغوطة الشرقية، والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية لمستحقيها.

فيما لم تجد منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» كلمات كثيرة للتعبير عن معاناة أطفال الغوطة الشرقية، لتصدر الثلاثاء الماضي بيانًا فارغًا من الكلمات؛ لأنه «ليس هنالك كلمات بإمكانها أن تنصف الأطفال القتلى وأمهاتَهم وآباءَهم وأحباءَهم» بحسب ما جاء في بيان المنظمة الأممية الذي جاء تحت عنوان «الحرب على الأطفال في سوريا.. تقارير عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى بين أطفال الغوطة الشرقية ودمشق»، وإمضاء خيرت كابالاري، المدير الإقليمي لليونيسيف لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يليه عدد من الأسطر الفارغة!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد