في وقت الجوائح والكوارث، يتفشى القلق في النفوس، يشلُّ العقول، ورُبما يُفقد الأجساد قدرتها على التحرك أو فعل أي شيء أيًّا ما كان بسيطًا. الأمر قد يعود لأسباب نفسية، تلك التي شدَّد الأطباء مرارًا، الآن وفيما سبق، على ضرورة الحفاظ على استقرارها لأنها أم الداء ومنبته، فقد نستطيع مواجهة مرض عضال إذا كُنَّا مُستقرين نفسيًّا، وقد نواجه ألمًا بالغ الحدَّة إذا جُرحنا في إصبعنا جرحًا سطحيًّا فقط لأننا نعاني من ضغط نفسي.

والآن، في الوقت الذي يضرب فيروس كورونا المستجد العالم، يُقاتل الجميع من أجل الحفاظ على استقراره النفسي، ويُخبرنا الأطباء بأن هذا وحده من شأنه أن يُعزز مناعتنا ويدعمها، لكن هذه الحالة من الجهاد النفسي ليست هي الحالة العامة، فهناك من شكلت لهم الجائحة نقطة انطلاق حقيقية في مشوارهم الإنساني، وحققوا وثبات كبيرة فقط بسبب تلك الجائحة، ودفعتهم الأزمة لأن يُعدِّلوا من حياتهم، أو هيأتهم لتقديم المُساعدة للمحيطين بهم فاكتشفوا في أنفسهم قوة لم يعلموا عنها شيئًا فيما سبق.

«قوة لم نكن نعهدها في أنفسنا من قبل»

«أعمل لمُدة أسابيع مُتصلة، لا أرى ابني، لا أعرف شيئًا عن زوجي، ولا أطمئن على والديَّ إلا من خلال الاتصالات الهاتفية»

منذ بدء انتشار أزمة جائحة كوفيد-19، شعرت الطبيبة بسنت. ع، بحجم مسؤوليتها، كانت تمر عليها ليالٍ دون أن يغمض لها جفن، لا تفكر حتى في العودة إلى بيتها، تترك وراءها طفلًا لم يتجاوز عمره السادسة بعد، لكنها توقن أن ما تقوم به من عمل هو ادخارها الحقيقي لابنها وحياته ومستقبله.

Embed from Getty Images

تقول بسنت لـ«ساسة بوست»: «أحيانًا أقلق بالطبع، وأسأل نفسي هل تستطيع أختي الاعتناء بطفلي أم لا؟ هل تستطيع أن تتعامل مع نوبات غضبه وعناده ورفضه لتناول الطعام؟ هل ينام جيدًا؟ وماذا يفعل عندما يستيقظ ليلًا يبحث عني ولا يجدني؟ كل هذه الأسئلة تجتاحني خلال الدقائق المُتقطعة التي أستريح فيها قليلًا، ولكني أرد بحزم على كل هذا، أن ما أفعله هو ما سيبقى له، سيُكافئني الله فيه. أؤمن بهذا».

بكل قوتها تُحارب بسنت بجسدها الضئيل فيروسًا شرسًا لا تراه، ولكنها ترى أثره على مرضاها، تُجاهد مع الكثيرين منهم لكي يتمكنوا من التنفس، وحينما يلفظ أحدهم أنفاسه الأخيرة، تجد نفسها تهرب من الجميع، داخل جدران غرفة مُغلقة وتنخرط في موجة من البكاء الحاد، أحيانًا تُحدِّث أختها قائلة لها: «لقد هُزمت، مات مريض بين يدي، لو كان يُمكنني الانهيار لفعلت، لكني لا بد أن أستمر».

مع كل مريض يتعافى تتهلل د. بسنت من الفرح، تُخبر زميلاتها بالمشفى: «لم أتعب في حياتي هكذا، ولم أكن أعلم أنني أمتلك كل هذه القوة، أشعر أن هذه التجربة جعلتني أرق وأحن، وجعلتني أقوى، اكتشفتُ بداخلي قدرات لم أكن أُدركها من قبل، لم أكن أعرف أن لدي القدرة على أن أظل مُستيقظة كل تلك الأيام بلا نوم، لم أكن أعلم أن لجسدي الضعيف كل تلك القدرة على العمل، ولم يسبق لي اكتشاف أنني أستطيع الشعور بالآخرين إلى هذا الحد، أشعر أنني أُعاين الله في كل يوم يمر عليَّ هنا، وحينما تمر هذه الأزمة، لن أنسى ما حييت تلك اليد الإلهية الرحيمة التي رأيتها بوضوح تمتد لنا لتُخفف عنَّا، وتفجر فينا قوة لم نكن نعهدها في أنفسنا من قبل».

«تهاني» تتعلم تغسيل الموتى من أجل «كورونا»

في واحد من الأحياء الشعبية بالعاصمة المصرية، توصلت تهاني. س، المرأة الخمسينية، إلى طريقتها الخاصة في تقديم يد المُساعدة، خلال هذه الجائحة.

Embed from Getty Images

تزداد حالات الموت حول تهاني، التي لم تتزوج وتعيش بمُفردها بعد وفاة والديها وزواج إخوتها، وتعتمد في نفقاتها على معاش والدها الراحل. في كل حالة موت كانت ترى أهل المُتوفى لا يستطيعون التصرف بفقيدهم، فالجميع يخاف، لا أحد يودُّ أن يقوم بمراسم الغُسل والتكفين، قد لا يكون الفقيد مُصابًا بالفيروس، لكن الجميع يخاف، فكل حالة وفاة هي في حقيقة الأمر حالة اشتباه، ولا أحد يُريد أن يُعرِّض حياته للخطر.

قررت تهاني آنذاك أنها ستتعلم الطريقة الشرعية لغُسل المُتوفين وتكفينهم، وستتعلم أيضًا الإجراءات الاحترازية والوقائية التي يُمكنها من خلالها حماية نفسها، وتتولى الأمر. وبالفعل نفَّذت تهاني ذلك، وبدأت مساعدة الأهالي في إكرام موتاهم، ضحايا الفيروس، وبدأت بعض النسوة في مساعدتها بعد أن شجعتهن.

ذاع صيت المرأة في حيِّها والأحياء المُجاورة، وأصبح كثيرون يعرفونها ويلجأون لها، تقول تهاني لـ«ساسة بوست»: «لم أكن أدري أن حياتي يمكن أن تكون مهمة هكذا، لقد قضيت عمري لا أعرف عن أحد شيئًا، ولا أحد يعرف عني شيئًا، لكن الله قدَّر أن أذوق طعم المُساعدة الحلو وتقديم يد العون للآخرين بعد هذا العمر، رغم الجهد والتنقلات من مكان للآخر، فإنني أشعر بالبركة في بدني ونومي وحركتي، بركة لم أختبرها في حياتي من قبل».

نور من قلب العتمة.. «كريم» يحصل على وظيفة ويساعد الآخرين أيضًا

«لم أكن أستطيع مُساعدته، فكرت كثيرًا وأنا أرى عُمره يتسرسب من بين يديه، دون أن يفعل أي شيء على الإطلاق، كل ما في حياته مُتوقف على حصوله على فرصة عمل تدرُّ عليه دخلًا، وكل الأعمال التي التحق بها لم تكن تدرُّ عليه الدخل الذي يُمكِّنه من إنجاز شيء في حياته، لكن مع انتشار الجائحة عرفت كيف أساعده!»

هكذا تتحدث أم كريم، المرأة الخمسينية، مع «ساسة بوست» عن ابنها الثلاثيني الذي لم ينتظم في عمل ثابت بعد. فقد لاحظت المرأة منذ الأيام الأولى أن الجائحة قد شلَّت حركة أشخاص كثيرين. فالعديد من كبار السن والأمهات لا يستطيعون الخروج من بيوتهم لشراء احتياجاتهم الشخصية والضرورية.

رأت أم كريم أنه بإعلان صغير عن خدمة يستطيع أن يؤديها ابنها، بين جيرانها ومعارفها، قد يتمكن من أن يتوقف عن العمل لدى الآخرين، الذي يُجهده ولا يحصل منه على دخل يُذكر. كانت الفكرة أن يشتري ابنها طلبات السوق، وتجهزها هي وتغلفها، ويوصل كريم الطلبات إلى أبواب بيوت أصحابها.

Embed from Getty Images

بدأت فكرة أم كريم في الانتشار، وبدأ زبائنها بعمل دعاية لفكرتها، وبدأ رقم هاتفها في الانتشار على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. تعلم المرأة الخمسينية أن العائد الحالي من هذه الخدمة، لا يدِر على ابنها الربح الوفير الذي يطمح فيه، لكنها تُدرك أن الأمر مُجرد بداية، وطموحها الذي بزغ خلال وقت الجائحة ليس له حدٌّ، فهي تأمل أن يمتلك ابنها يومًا ما سلسلة محلات لبيع الخضراوات والفاكهة في مناطق مُختلفة.

«الرزق على الله».. الوقت المُناسب لتمرير العلم والمهارات

لا يقتصر الأمر على المكتبات العالمية التي فتحت أرشيفها لراغبي القراءة، ولا على مواقع الدورات التعليمية والتدريبية التي وضعت مادتها العلمية في مُتناول الراغبين خلال وقت الجائحة، فلقد رأينا تمرير العلم والمهارت على نطاق أصغر كثيرًا لكنه إنساني للغاية أيضًا.

عماد. م، بائع الفول الخمسيني بأحد الأحياء الشعبية بالعاصمة المصرية، والذي لا يمتلك محلًّا يبيع فيه الفول، بل مجرد عربة خشبية يقف بها في مكان معين يعلمه أهالي منطقته جيدًا؛ قرر بعد تفشي الجائحة، أن من واجبه فعل أمرين: أن يُعيِّن شابًا أو اثنين لتوصيل الطلبات للزبائن في منازلهم، والأمر الثاني تعليم الراغب من شباب منطقته الطريقة التي يُدمِّس بها الفول، والتي تُكسبه هذا المذاق المُميز الذي اشتهر به.

يُبرر عماد هذا لـ«ساسة بوست» بأن الجميع في ضائقة الآن، والأزمات المالية تطيح الجميع، وأنه سيُعلم من يريد مهنته وكيف يؤدي عمله، «أما الرزق فعلى الله». وبالفعل يتوافد عدد من الشباب للتعلم من عماد، وبعضهم قرر أن يُطوِّر العمل قليلًا ويوصل الساندويتشات للمنازل للراغبين فيه.

بمُساعدتك الآخرين أنت تساعد نفسك

يذكر تقرير نُشر على موقع «سيكولوجي توداي»، أن المشاعر الإيجابية التي تشعر بها بعد أداء فعل جيد لشخص آخر تتعلق بإحساسنا بالارتباط بالآخرين، وبالتالي يساعدنا في تلبية أبسط احتياجاتنا النفسية، وهي الشعور بالانتماء للمجموع.

Embed from Getty Images

وثَّقت الأبحاث مثلًا فوائد التطوع في تعزيز الرفاهية وخفض الاكتئاب، وتعزيز الشعور بالمعنى والهدف الذي غالبًا ما يُصاحب سلوك الإيثار. حتى عندما يتعلق الأمر بالمال، فإن إنفاقه على الآخرين قادر على زيادة السعادة مقارنة بإنفاقه على أنفسنا.

علاوة على ذلك، هناك الآن أدلة عصبية من دراسات الرنين المغناطيسي الوظيفي تُشير إلى وجود صلة بين الكرم والسعادة في الدماغ. على سبيل المثال، التبرع بالمال للمنظمات الخيرية يُنشط مناطق الدماغ نفسها التي تستجيب للمكافآت المالية أو الجنس. فمجرد النية والالتزام بالكرم يمكن أن يُحفز التغيير العصبي ويجعل الناس أكثر سعادة.

حتى على مستوى الاقتصار على تقديم الدعم النفسي فقط للآخرين؛ أشارت الأبحاث إلى أن مساعدة الآخرين في تنظيم عواطفهم يُساعدنا في الواقع على تنظيم عواطفنا الشخصية، وتقليل أعراض الاكتئاب، وفي نهاية المطاف تحسين رفاهنا العاطفي، فنظرًا إلى أن المستويات المرتفعة من الاهتمام الذي يُركز على الذات أمر شائع في حدوث الاكتئاب، فإن الأشخاص الذين يُساعدون الآخرين يُصبحون أقل عُرضة لحدوث الاكتئاب، وذلك بفضل استخدام إعادة التقييم في حياتهم اليومية، مما يؤثر في دعم تحسين مزاجهم وسعادتهم الذاتية.

مجتمع

منذ 4 أسابيع
كيف يفسر علم النفس ممارسات بعض مصابي كورونا بنقل العدوى للآخرين؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد