منذ أيام، وجّهت منظمة الصحة العالمية رسالة شكر إلى الجهات المعنية التي ساعدت في القضاء على فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي «سي» في مصر، وذلك من خلال خطاب رسمي، وجهه مدير مكتب المنظمة في القاهرة، جان جبور، خلال الاحتفال بيوم الكبد المصري، وذلك بعد علاج 800 ألف مصري من فيروس سي.

وفي البيان الذي ألقته مدير عام منظمة الصحة العالمية، وصفت مارجريت تشان تجربة مصر في مكافحة الفيروس بـ«الرائدة».

وقبل خمس سنوات من هذا الحدث، كانت مجلة «نيتشر ميدل إيست» العلمية، قد نشرت في يوليو (تموز) 2011، عن مصر، أنها صاحبة المعدل الأعلى لانتشار فيروس سي في العالم كله.

وكان متوسط التقديرات العالمية يُشير إلى أن شخصًا من بين 50 شخصًا مُصاب بالفيروس، بينما في مصر، كانت التقديرات أن شخصًا من بين سبعة أشخاص مُصاب بالفيروس، وشخصًا من بين كل عشرة مصابين إصابته مزمنة، بسبب حمله المادة الوراثية الخاصة بالفيروس (RNA).

وكشفت المجلة أيضًا، في نفس موضوعها، أن نصف مليون شخص كل عام يتعرضون لخطر الإصابة بالفيروس، بسبب عدم توفر القدرة على العلاج، وكون المرض ينتقل بشكل رئيسي من العيادات والمستشفيات، هذا بالإضافة إلى انتماء الفيروس الذي يصيب المصريين إلى الجين الرابع، وهو نوع من الفيروسات غير شائع، لكنه معرّض للانتشار مع توفّر الهجرة غير الشرعية وغيرها من وسائل الانتقال للمصريين.

فيروس سي

أما الآن، فالوضع مُختلف بعد الإستراتيجية التي تبنتها مصر منذ عام 2014، عقب ظهور علاج السوفالدي في السوق، ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، حمل غلاف مجلة «The lancet» البريطانية الطبية الشهيرة، رسمةً تعبيرية للإله الفرعوني حورس، وهو يحمل عقاقير طبية تنتزع «فيروس سي» من كبده، كإشادة بالتجربة المصرية في مكافحة الفيروس، وبأقل الأسعار.

علاج الكبد الوبائي بـ300 دولار

تُعدّ شركة فاركو للأدوية هي الشركة المصرية المنتجة للدواء المماثل للسوفالدي، والذي يقل سعره بفارق كبير عن الدواء الأصلي الذي تنتجه شركة جلياد، إذ يتكلف علاج المواطن الأمريكي 84 ألف دولار، بينما يتكلف علاج المواطن المصري 300 دولار فقط!

تواصلَ «ساسة بوست» مع شيرين حلمي، نائب رئيس مجلس إدارة شركة فاركو للأدوية، والذي قال إن الشركة «استطاعت أن تنجز ما أنجزته من تطوير في العلاج والمادة الخام الأساسية (سبوسبوفير) في الدواء؛ بسبب تسهيلات الإدارة السياسية للبلاد».

وأضاف: «أنشأنا مصنعًا للخامات، واستطعنا إنتاج الدواء بسعر ثابت، رغم قفز سعر الصرف هذه السنة قفزات كبيرة، إلا أننا استطعنا أن نحافظ على سعر الدواء بسبب الدعم الذي وجدناه من العديدين».

ويوضح حلمي أنّ الدواء الذي أنتجته شركته كان تحت إشراف فنّي من منظمة الصحة العالمية: «زرت المنظمة 16 مرة، وتحققوا من كل مراحل الإنتاج، وشاركنا معهم في أبحاث تتعلق بالدواء وثباته وجودته، وقد أثبتنا نجاح العقار الذي صنّعناه في مساعدة المرضى على التماثل للشفاء»، والآن تسعى شركة فاركو إلى تسجيل الدواء لدى منظمة الصحة العالمية، ووفقًا لحلمي، فمن المُرجّح أن يُعلَن عن ذلك خلال أيّام قليلة.

فيروس سي

شيرين عباس حلمي، نائب رئيس مجلس إدارة شركة فاركو (مصدر الصورة: سوشيال ميديا)


واستطاعت شركة فاركو توفير الدواء لهذا الكم من المرضى (800 ألف)، عبر مُساعدات مالية من صندوق «تحيا مصر»، الذي تُشرف عليه رئاسة الجمهورية المصرية، وذلك وفقًا لنائب رئيس شركة فاركو.

رجل الأعمال السعودي، صالح كامل، ساهم أيضًا في مشروع الدواء، إذ تبرّع بثمن المادة الخام، لحصة نصف مليون مريض من الدواء.

وكشف شيرين حلمي عن أنّ شركة جلياد مُنتجة السوفالدي تُلاحق شركة فاركو الآن قضائيًا، بدعوى أنها استنسخت السوفالدي، ورغم ذلك فإنّ دولًا طلبت من فاركو إمدادها بالعلاج، مثل ماليزيا، التي طلبت علاج ألفي مريض.

مكافحة المصدر

ويرى علاء إسماعيل، الرئيس السابق لمعهد الأمراض المتوطنة والكبد، أن ما يقع على الدولة من دور الآن، هو مكافحة عدوى الفيروس في المستشفيات والعيادات الخاصة والعامة: «القضاء على مصدر المرض سيقلل نسب الإصابة بشكل كبير، وبهذا تكون مصر قد حققت إنجازًا كبيرًا في القضاء على فيروس سي».

وأعرب إسماعيل عن اعتقاده بأنّ ارتفاع سعر السوفالدي الذي تنتجه جلياد، هو أحد أسباب تأخر كثير من الدول علاج مرضاها.

وأما ارتفاع سعر السوفالدي الذي تنتجه شركة جلياد، فيعود لرغبة الشركة في تحقيق ربحٍ يُغطي المصروفات على أبحاث الدواء، وهو حق تمنحه اتفاقية «الجات» للشركات، بأن تحتفظ بحقوق الملكية الفكرية للدواء لمدة عشر سنوات، ما عدا الدول التي ينتشر فيها المرض بشكل كبير، مثل مصر، التي استغلت هذا البند في الاتفاقية، لصناعة دواءٍ مماثل، بسعر أقل بكثير.

وأضاف إسماعيل في حديثه لـ«ساسة بوست»، أن «إنهاء قوائم الانتظار المصرية، هو إنجاز مهم وملهم لعدد كبير من الدول التي تعاني من المرض».

وفيما يخص الانتكاسات التي تعرض لها بعض المرضى أثناء تعاطيهم العلاج، أوضح إسماعيل أن ذلك حدث في بداية تطبيق بروتوكلات العلاج الأولى، وأن هؤلاء المرضى كانوا يُعانون من مضاعفات عدة بسبب المرض، ما أثّر على تعاطيهم للعلاج، «نستطيع التأكد من ذلك مع الحالات الجديدة التي أصيبت مؤخرًا بالفيروس وعولجت منه بالبروتوكلات الجديدة»، كما قال.

هذا، وكانت صحف مصرية نشرت عن حالات انتكاسات حدثت للمرضى الذين تناولوا بروتوكلات العلاج الجديدة، بخاصة البروتوكول الثنائي، الذي يتكون من السوفالدي والريبافرين.

وأثارت حالات الانتكاسات التي شهدها المرضى انتقادات كبيرة من قبل نقابة الصيادلة في مصر، والمركز المصري للحق في الدواء، بخاصة وأن البروتوكول الثنائي ليس بروتوكولًا مصدّقًا عليه من الجمعيات الطبية المهمّة في مجال أمراض الكبد، كالجمعية البريطانية والأمريكية. ولم تهدأ هذه الانتقادات حتى تم تغيير البروتوكول بالفعل.

لا قوائم انتظار في مصر

في 27 يوليو (تموز) الماضي، أعلن أحمد عماد الدين راضي، وزير الصحة المصري، انتهاء قوائم انتظار العلاج من فيروس سي المُسجلة لدى وزارة الصحة، وأنه اعتبارًا من 29 يوليو (تموز) الماضي، فإنّ صرف الأدوية سيكون مباشرةً دون وضع المريض على قائمة انتظار.

وأشار البيان إلى أن 580 ألف مريض تم علاجهم بتكلفة بلغت مليارين و668 مليون جنيه مصري، إذ إنَّ قرارات العلاج على نفقة الدولة لمرضى فيروس سي بلغت 422 ألفًا و337 قرارًا، بتكلفة مليارين و76 مليون جنيه، فيما صدر 156 ألفًا و660 قرار علاج من الهيئة العامة للتأمين الصحي، بتكلفة بلغت 591 مليون جنيه، وساهم صندوق «تحيا مصر» في توفير علاج 115 ألف مريض بتكلفة 175 مليون جنيه.

وأوضح وزير الصحة أنَّه منذ بداية المشروع، في 18 سبتمبر (أيلول) عام 2014، كان متوسط عدد المرضى الذين يُسجِّلون عبر البوابة الإلكترونية للوزارة، حوالي 103 ألف مريض يوميًا، إلى أن أصبح العدد حاليًا 400 مريض فقط.

ومؤخرًا، أطلقت وزيرة الصحة حملة للتوعية بطرق انتقال ومكافحة فيروس سي بهدف الانتهاء من علاج آخر مريض مصري بالفيروس، بحلول العام 2020.

وعلى هامش احتفالية أقيمت عند سفح أهرامات الجيزة، بمناسبة يوم الكبد المصري، قال وزير الصحة إن مصر تعتمد في حملتها للقضاء على المرض على عقاقير مصرية مثيلة، بتكلفة 175 دولارًا فقط للمريض الواحد، في حين تبلغ تكلفة العلاج في الولايات المتحدة 84 ألف دولار للمريض، مُؤكدًا أن العلاج يصنع تحت إشراف منظمة الصحة العالمية.

وتُعد مصر واحدةً من أكثر الدول تقدمًا في مكافحة فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي «سي»، إذ إن العلاج مُتوفر، فضلًا عن الجهود البحثية في إحصاء نسب المرضى.

وقد دفع ذلك التفوق ممثلي الدول الأفريقية في مؤتمر الجمعية الأفريقية لرعاية مرضى الكبد، (ألبا)، إلى مطالبة مصر بالضغط على حكومات بلادهم، لمكافحة الفيروس.


عرض التعليقات
تحميل المزيد