«دكتور ساسة»، سلسلة علمية طبية، يُقدمها «ساسة بوست»، أسبوعيًّا، كل أربعاء. تتناول السلسلة في كل مرة، مرضًا مُختلفًا؛ لتعرض بصورة مُبسطة ماهيّته وأسبابه وأعراضه، وطرق الوقاية والعلاج منه، والأهم من ذلك أشهر المفاهيم الخاطئة عن هذا المرض. «دكتور ساسة» لا يعدك بخدمة بديلة عن استشارة الطبيب، لكنّه يعدك بخدمة معرفية، قد تُساعدك على الوقاية من الأمراض، أو الكشف عن الإصابة بها مُبكرًا، بما يكفي لعلاجها.

مرض «الالتهاب الكبدي»، كما يكشف اسمه، هو عبارة عن التهاب يحدث في كبد الإنسان نتيجة للإصابة بفيروسات معينة. حالة الالتهاب يمكن أن تكون محدودةً، ويمكن أن تتطور إلى تليف كبدي، وصولًا إلى سرطان الكبد المميت. بشكل عام فإن هناك الكثير من الأسباب وراء التهاب الكبد، مثل بعض الأمراض المعدية، وبعض المواد السامة مثل الكحوليات، وبعض الأدوية، وبعض أمراض المناعة الذاتية.

لكن السبب الأكثر شيوعًا وراء الإصابة بالتهاب الكبد، هو الإصابة بفيروسات الكبد المختلفة، وعلى قمة هذه الفيروسات يأتي فيروس الالتهاب الكبدي من النوع «سي – C».

فيروس سي

هذا الفيروس، يمكن أن يسبب التهاب حاد أو التهاب مزمن. الالتهاب الحاد عادةً ما يكون بدون أعراض واضحة، ولا يسبب خطورة كبيرة على حياة الإنسان. حوالي 15 إلى 45% من إجمالي الأشخاص المصابين بالالتهاب الكبدي الوبائي سي يتخلصون من المرض بشكل تلقائي، في غضون ستة أشهر، دون الحاجة لاستخدام أي علاج.

لكن النسبة الباقية من المصابين، يتحول لديهم الفيروس إلى مرض مُزمن، وبالنسبة لهؤلاء، فإن نسبة ما بين 15 إلى 30% يتطور الأمر لديهم إلى تليف كبدي في غضون 20 عامًا.

وطبقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، فإن دول إفريقيا ووسط وشرق آسيا، هي الأكثر إصابة بالمرض المنتشر في جميع أنحاء العالم تقريبًا. وفي بعض الدول يمكن أن يتمركز المرض في شرائح وقطاعات معينة من السكان، كمتعاطي المخدرات بالحقن على سبيل المثال.

التهاب الكبد من النوع سي المزمن، يُعد مرضًا مسببًا للموت، وتتصدر المغرب قائمة دول العالم من حيث نسبة الوفيات بسبب هذا المرض، وذلك بنسبة 2.62 شخص لكل 100 ألف نسمة. وتأتي الولايات المتحدة في المركز الثاني بمعدل 2.27، ثم إيطاليا وأستراليا واليابان والبرازيل، بينما تحتل مصر مركزًا مُتقدمًا في عدد المُصابين بالمرض، والذي قُدّر قبل سنوات، بنحو 20 مليون نسمة!

تشير الإحصائيات إلى أن ما بين 150 إلى 200 مليون شخص على مستوى العالم، مصابون بمرض الالتهاب الكبدي الوبائي سي، في صورته المزمنة، هذا العدد يمثل حوالي 3% من إجمالي سكان العالم. ويصاب بهذا المرض حوالي ما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين شخص جديد كل عام.

كما يبلغ إجمالي عدد الوفيات نتيجة هذا المرض كل عام، حوالي 350 ألف نسمة. ويُشار إلى أنّ المرض في ذاته ليس مميتًا، لكن المضاعفات الناجمة عنه مثل تليف الكبد والسرطان، هي التي تؤدي غالبًا للوفاة. هذه الإحصائيات جعلت من الالتهاب الكبدي أحد أخطر الأمراض التي يواجهها العالم.

الالتهاب الكبدي

انتشار المرض حول العالم

بعض الحقائق عن المرض

استخدام المصطلحات من الناحية الطبية أمر مهم، بسبب اختلاف المسميات. فالالتهاب الكبدي إذًا، يعني حدوث التهاب في الكبد دون تحديد السبب وراءه، قد يكون فيروس أو أدوية معينة أو أمراض مناعية وغيرها. من هنا فإن التهاب الكبد الناجم عن الإصابة بالفيروسات، يطلق عليه اسم التهاب الكبد الفيروسي.

هناك خمسة أنواع من الفيروسات التي تسبب التهاب الكبد الوبائي الفيروسي، يطلق عليها فيروس «إيه – A» و«بي – B» و«سي – C» و«دي – D» و«إي – E». هذه الأنواع تعد المصدر الأكبر للقلق بسبب انتشار المرض من خلالها، والوفيات التي تسببها، واحتمالات تفشي المرض الخاص بها وبائيًّا. الفيروسان بي وسي، يؤديان إلى الحالة المزمنة من الالتهاب الكبدي، لدى مئات الملايين من الناس، كما أنهما السبب الأكثر شيوعًا لتليف الكبد، وسرطان الكبد.

انتقال فيروس سي

التهاب الكبد الوبائي الفيروسي سي، لا يمكن أن ينطلق إلا من خلال الدم. من هنا فإن طرق انتقال المرض الشائعة يمكن أن تأتي من خلال عمليات الحقن المتعددة بين متعاطي المخدرات، ولعل هذا الأمر يفسر انتشار المرض في بعض الدول المتقدمة. أيضًا يمكن أن ينتقل المرض عبر الاستخدام المتعدد لبعض الأجهزة والأدوات الطبية دون تعقيم جيد. هنا يجب الانتباه كثيرًا عند زيارة طبيب الأسنان، وعند استخدام بعض الأجهزة، مثل جهاز الغسيل الكلوي وغيره. خطوة التعقيم هنا هي أمر مقدس.

عمليات نقل الدم بالطبع يمكن أن تتسبب في انتقال المرض، إذا لم يتم إجراء التحاليل اللازمة، والتأكد من عدم إصابة المتبرع بالمرض. استخدام الأدوات الشخصية الحادة، مثل أدوات الحلاقة وفرشاة الأسنان، بين أكثر من شخص، قد تكون سببًا في انتقال المرض. والحل بسيط، استخدم أدواتك الشخصية فقط، وإذا ما اضطررت لاستخدام أدوات شخص آخر، فتأكد من تعقيمها جيدًا، برش الكحول الطبي، أو أحد أنواع العطور المحتوية على الكحول لبضع ثوانٍ.

الالتهاب الكبدي

أبرز طرق انتقال المرض


ثمة قاعدة عامة، وهي أن كل مرض يمكن أن ينتقل بواسطة الدم، فهو ينتقل أيضًا عبر سوائل الجسم المختلفة. من هنا فإن التهاب الكبد الفيروسي سي، يمكن أن ينتقل عبر العلاقات الجنسية، ويمكن أن ينتقل أيضًا من الأم الحامل إلى الجنين. لكن نسبة هذا الأمر قليلة نسبيًّا، وغير شائعة كثيرًا.

التهاب الكبد الفيروسي، لا ينتقل عبر الماء أو الطعام أو لبن الأم المرضعة، أو عبر أي تواصل جسدي مباشر بين شخصين، مثل العناق والتقبيل. كما لا ينتقل هذا المرض عبر الهواء أيضًا.

العلاج

الالتهاب الكبدي الفيروسي سي لا يحتاج دائمًا إلى علاج، ففي عدد لا بأس به من الأشخاص، استجابة جهاز المناعة تجاه المرض تكون كافية للقضاء عليه تمامًا. أيضًا فإن بعض المصابين بالحالة المزمنة للمرض لا يظهر عليهم أي تلف واضح في الكبد، ويمكن أن يتعايشوا مع الفيروسات بسلام دون مشاكل تذكر.

لكن في بعض الحالات، يكون العلاج أمرًا ضروريًّا، وإذا ما استخدمنا أدوية لهذا المرض، فإن الهدف يكون الشفاء بمعنى القضاء على مسبب المرض تمامًا. معدلات الشفاء للمرض تتفاوت بشكل عام طبقًا لعدد من العوامل التي تتعلق بسلالة الفيروس المسبب، ونوع العلاج المستخدم.

مستوى الرعاية في هذا المرض، وخطط العلاج تتغير بشكل سريع، فحتى وقت قريب استند علاج فيروس سي على علاج مشترك من الإنترفيرونات وعقار الريبافيرين. هذا الأمر يتطلب حقن أسبوعية لمدة 48 أسبوعًا. هذه الخطة ساهمت في شفاء نصف من تلقوا العلاج، لكن المشكلة أن هذه الخطة العلاجية، تسبب بعض ردود الفعل السلبية، التي قد تهدد حياة المرضى لاحقًا.

علاج جديد رخيص الثمن

وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن علاجًا جديدًا للالتهاب الكبدي سي سيطرح قريبًا في الأسواق، وسيكون سعره أقل من 300 دولار أمريكي، وهو سعر أقل بكثير مما يعتاد دفعه في العلاج الحالي للمرض، والذي يتجاوز سعره آلاف الدولارات. العقار الجديد أعلن عن اختباره بنجاح في مصر، ومن المتوقع أن يعرض في الأسواق خلال عامين.

وتعاونت مبادرة «الأدوية من أجل الأمراض المهملة»، وهي منظمة غير ربحية، مع شركة «فاركو» للأدوية المصرية من أجل الوصول إلى علاج مجمع للمرض يتكون من نوعين من الأقراص لعقاري رافيداسفير وسوفوسبوفير، يتم طرحه للدول الفقيرة التي لا يستطيع المرضى فيها تحمل التكلفة العالية لشركات تصنيع علاج الالتهاب الكبدي سي الأمريكية جيليد وآبفي وميرك.

الدواء الجديد اختُبِر بالفعل على 300 مريض مصري بنسبة شفاء بلغت 100%، كما اختبر في دول أخرى مثل ماليزيا وتايلاند واللتين تتميزان بمحتوى جيني مختلف عن الشعب المصري. الدواء الجديد من المتوقع أن يعرض في السوق المصري خلال الـ12 شهرًا المقبلة، ثم يتم طرحه في الأسواق العالمية خلال عامين.

أساطير حول المرض

هناك عدد من الأساطير التي يتداولها الناس عن هذا المرض، والتي ليس لها أي أساس من الصحة:

1- لا يمكن علاج الالتهاب الكبدي سي

المصابون بالتهاب الكبد سي لا يمكن فقط معالجتهم، بل إنهم من الممكن أن يصلوا إلى مرحلة الشفاء التام من المرض. وهو ما يعني أن فيروس سي لا يظهر في دم المرضى بعد انتهاء العلاج بعدة أشهر. لكن نوضح هنا أنه من الممكن أن تحدث حالات انتكاسة على الرغم من الشفاء واختفاء الفيروس، ومن الممكن أيضًا أن تصاب ببعض أمراض الكبد حتى بعد الشفاء من الالتهاب الكبدي.

2- لا يوجد طريقة لتقليل إمكانية الإصابة

على العكس تمامًا، فإن فيروس سي من أسهل الأمراض التي يمكن تجنب الإصابة بها، باتباع طرق بسيطة للغاية، كأن لا تتشارك مع آخرين في استخدام الحقن، ولا تشارك أدواتك الشخصية مع الآخرين، مثل قلامات الأظافر وفرش الأسنان وغيرها. ومن أهم وسائل الإصابة بالمرض التي يمكن تجنبها، رسم الوشم، إذ إنه في الغالب ما تكون أجهزة رسم الوشم غير معقمة.

3- الأعشاب يمكن أن تعالج المرض

هذه واحدة من أبرز المعتقدات الخاطئة لدى الناس، بخاصة في الدول الفقيرة، والمناطق الشعبية. الأعشاب بصورتها المعتادة، لا يمكن أبدًا أن تشفيك من أي مرض، يمكنها فقط أن تضبط بعض الأعراض أو الحالات غير الطبيعية لأجهزة الجسم، أو تُستخدم كوسائل دعم لتنشيط الكبد.

4- التهاب الكبد المزمن يعني الاستسلام

هذا الأمر غير صحيح، واتباع نصيحة الأطباء في هذا الأمر ضروري للغاية. الطبيب قد يقترح خيارات مختلفة للتعامل مع المرض. فإذا لم يكن لديك أعراض واضحة، فإنه قد يوصي بالمراقبة والانتظار، فقط قبل اتخاذ أي إجراءات. وإذا ما رأى الطبيب أنه يجب الخضوع للعلاج فعليك أن تثق به مهما كان العلاج متعبًا ومرهقًا، ولا تقل إنك لن تشفى، فعلى أقل تقدير هناك شخص يشفى تمامًا من بين كل شخصين مصابين بالمرض.


اقرأ أيضا: «دكتور ساسة»: ضغط الدم المرتفع.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد