كان مخلصًا تمامًا لعمله في الجيش المصري، توقعوا له مستقبلًا واعدًا فهو المطيع للأوامر، الذي لم يتحدث أبدًا عن السياسة، هو شخص ليس متدينًا، لذا في عام 1996، تم اختياره للانضمام لوحدة القوات الخاصة المعروفة باسم الصاعقة، إنه هشام العشماوي أحد ضباط الجيش المصري الذي أصبح مؤخرًا أمير تنظيم «المرابطين» المنشق عن تنظيم «ولاية سيناء»، وأحد أبرز المطلوبين للمحاكمة في مصر لتورطه في عمليات إرهابية بارزة.

قبيل فصل عشماوي تغيرت الأمور، أثيرت الشكوك حوله، أخذ يدعو رفاقه لعصيان الأوامر العسكرية، ويتحدث عن ظلم ترتكبه المؤسسة العسكرية في مصر، لذلك – وفقًا لمصادر في جهاز الأمن الوطني المصري – نُقِل عشماوي إلى وظيفة إدارية، ثم واجه محاكمة عسكرية وتم تسريحه في عام 2007 بعد مناقشته مسائل دينية مع ضباط آخرين، وبعد ترك للجيش ألقي القبض عليه وهو يوزع منشورات جهادية على المجندين، لكن كان ذلك باعتباره شخصًا مدنيًّا، يكتسب لقمة عيشه من خلال العمل في الاستيراد والتصدير.

اليوم أصبح عشماوي نقطة مفصلية بين أكبر تنظيمين يصارعان الجيش المصري في سيناء، وهما تنظيم الدولة «داعش» وتنظيم القاعدة، فبعد أن تمكن من تشكيل خلية داخل جماعة أنصار بيت المقدس مخصصة لتدريس فنون القتال، رفض مبايعة «داعش» أسوة بباقي قادة «بيت المقدس»، ليظهر قبل الأيام مشكلًا لتنظيم جديد اسمه «المرابطون» موالٍ لتنظيم القاعدة، تفاصيل أخرى يكشفها تقرير «ساسة بوست» عن أمير تنظيم «المرابطين» وعدو الدولة المصرية الذي غير قواعد اللعب على الساحة القتالية في سيناء.

كيف بدأت علاقة عشماوي بالتنظيمات المسلحة وكيف تطورت إلى ما هي عليه الآن؟

https://www.youtube.com/watch?v=yEdoQNFxFYI

هشام عشماوي

بدأ نشاط الجماعات المسلحة في سيناء عام 2004، حيث نفَّذ تنظيم «التوحيد والجهاد» ثلاث عمليات متتالية استهدفت المنتجعات السياحية على خليج العقبة بجنوب سيناء، وبقي هذا التنظيم في جولات كر وفر مع الجيش المصري حتى عام 2005، عندما قتل مؤسس التنظيم خالد مساعد في مواجهات مع قوات الشرطة بالقرب من مدينة الشيخ زويد، عقب ذلك اعتقل الكثير من أنصار التنظيم وهرب من بقي منهم إلى قطاع غزة عبر الأنفاق.

بدأت عودة الهاربين من غزة في خريف 2009 بالتزامن مع انتعاشة الأنفاق غير المسبوقة، فعادوا مخضرمين ومحمَّلين بخبرات قتالية وأمنية متقدمة اكتسبوها أثناء حرب غزة (2008- 2009)، ومن هنا بدأ تكوين النواة الأولى لتنظيم «مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس» ذي الأصل الغزَّاوي، بالتوازي مع نشأة الخلايا الأولى لجماعة «أنصار بيت المقدس» ذات الأغلبية السيناوية من بقايا تنظيم «التوحيد والجهاد».

في عام 2010، بدأ «أنصار بيت المقدس» أولى عملياتهم باستهداف خط أنابيب الغاز الطبيعي المصدر إلى الأردن وإسرائيل، ثم تكررت عمليات استهداف خط الغاز أكثر من 13 مرة، حتى أعلن المجلس العسكري في فترة سلطته الانتقالية في 2012 عن التزامه بحكم محكمة القضاء الإداري ووقف تصدير الغاز إلى إسرائيل؛ بسبب فساد صفقة بيعه. بعدها، أصدروا أول تسجيلاتهم المرئية، «وإن عُدتُم عُدْنا»، في صيف 2012، معلنين عن هويتهم وتوجههم الفكري القاعديّ ومسؤوليتهم عن عمليات تفجير أنبوب الغاز.

 

 

 

ويمكننا القول إن الشهور الخمسة الأخيرة أثبتت أن «ولاية سيناء» لم تتأثر بمقتل قائدها ومؤسسها، توفيق محمد فريج، في مارس (آذار) 2014، بل اكتسبت قدرات إضافية مستفيدة من صعود تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام». ويعود هنا الفضل في تلك العمليات النوعية إلى هشام عشماوي، فعشماوي هو من قاد الهجوم على قوات الجيش بالقرب من واحة الفرافرة في يوليو (تموز) الماضي 2014، حيث قضى تمامًا على قوة الوحدة العسكرية المرابطة هناك، في واحدة من أبعد المواضع عن سيناء، بالقرب من الحدود الليبية في الصحراء الغربية؛ وذلك بعد عدة عمليات استهدفت مقر المخابرات العسكرية في الإسماعيلية أكتوبر(تشرين الأول) 2013)، ومديرية أمن الدقهلية بمدينة المنصورة، ديسمبر (كانون الأول) 2013، ومديرية أمن العاصمة بقلب القاهرة يناير (كانون الثاني) 2014. بعد أكثر من سنة من بدء الحرب، شنّ «الأنصار» – قبيل إعلانهم البيعة لتنظيم «الدولة الإسلامية»- أكبر هجوم لهم على قوات الجيش في نقطة تفتيش «كرم القواديس» في الأسبوع الأخير من أكتوبر (تشرين الأول) 2014، فقتلوا أكثر من ثلاثين جنديًّا وأصابوا عشرين آخرين.

ورغم وجود خلاف منذ بداية مبايعة «داعش» حول رفض غالبية قيادات بيت المقدس إعطاء البيعة لداعش واستقالة مجموعة كبيرة من التنظيم، ظل من المرجح أن عشماوي يعمل ضمن انتمائه لتنظيم أنصار بيت المقدس التابع لداعش، إلى أن بث التسجيل الصوتي الأخير ليؤكد انفصال عشماوي عن تنظيم أنصار بيت المقدس، وتشكيل تنظيم جديد يسمى «المرابطين»، يتبع القاعدة، حيث بدأ الفيديو بظهور زعيم تنظيم

القاعدة، أيمن الظواهري، يدعو فيه الأمة المسلمة والحركة المجاهدة، «أن تخوض معركة البيان كما تخوض معركة السنان».

كيف انبثق تنظيم «المرابطين» الذي يتولى إمارته هشام عشماوي؟

مع تبادل الاتهامات بين قيادات تنظيم القاعدة وقيادات تنظيم الدولة، وسابقة الاقتتال فيما بينهما في سوريا، بقيت سيناء بعيدة عن الصراع بين التنظيمين لفترة ما، حيث تواجد فيها فقط تنظيم «بيت المقدس» القريب من تنظيم القاعدة.

وانتهى ذلك بمبايعة «بيت المقدس» لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في نوفمبر الماضي، قوبل ذلك بالرفض من قبل تنظيم القاعدة الذي سارع إلى إرسال مجموعة منه إلى سيناء، في محاولة لإقناع «بيت المقدس» بالتراجع عن بيعة «أبي بكر البغدادي»، إلا أن قيادة التنظيم رفضت التراجع، مع بقاء بعض ملامح الخلاف بين قادة التنظيم حول مبايعة داعش من عدمها.

لكن تنظيم القاعدة رد على ذلك بقطع الدعم المالي والعسكري عن (بيت المقدس)، وانتهز تنظيم القاعدة موقف هشام عشماوي، وانشقاقه عن بيت المقدس لرفضه مبايعة «داعش»، وتواصل معه لتحريضه على الانفصال عن (بيت المقدس)، وتدشين مجموعة جديدة، وهو ما استجاب له مؤخرًا، فأسس جماعة «المرابطين»، وحسب المصادر الصحافية فإن «القاعدة» هو المسئول الآن عن تمويل «عشماوي»، مجموعته، وتوفير السلاح اللازم لعملياتهم المقبلة، كما وفّرت القاعدة لعشماوي معسكرات لتدريب جماعته في ليبيا، وتجهيزها عسكريًّا.

وتشير المصادر إلى أن معسكرات «المرابطين» موجودة في مدينة درنة الليبية، تمهيدًا لدخول مصر من البوابة الغربية، ورغم أن مجموعة عشماوي ليست كبيرة، إلا أنها تلقت تدريبات قتالية عالية، نتيجة عملها مع التنظيمات الليبية، ومدربة على تنفيذ عمليات انتحارية، ويعد التنظيم امتدادًا لتنظيم المرابطين الذي ينشط في شمال مالي والصحراء الكبرى، وهو الذي أكد أيضًا تبعيته لتنظيم القاعدة بعد أن عزل أميره السابق المبايع لتنظيم الدولة «عدنان أبو الوليد»، وهو ما يؤكد أن ثمة نشاطًا قاعديًّا يتجه نحو المغرب العربي ومصر لمواجهة تمدد تنظيم الدولة في هذه المناطق.

وتؤكد المصادر أن «عشماوي»، بدأ في خطوات تشكيل جماعة «المرابطين»، بعد عملية «كمين الفرافرة»، في يونيو 2014، وتحديدًا بعد أن ظهرت نوايا «بيت المقدس» لمبايعة أبي بكر البغدادي، وقرر «عشماوي» ومجموعته ترك سيناء، لتنظيم بيت المقدس، وتنفيذ عمليات في مناطق الصعيد والقاهرة.

كيف سيشكل تنظيم «المرابطين» حلقة جديدة في الصراع بين القاعدة وداعش والجيش المصري؟

 

جدد موقف تنظيم الدولة «داعش» من تشكيل تنظيم «المرابطين»، الموقف العام لهذا التنظيم ضد تنظيم القاعدة وعشماوي، فقد توعد داعش باغتيال «عشماوي»، لخروجه عن رأي «الجماعة»، وقال أحد عناصر «داعش» ويدعى أبا زيد الليبي: «(عشماوي) في حكم المرتد، لأنه فرّق الجماعة، وخرج عن رأي المؤمنين داخل (بيت المقدس)»، مضيفًا عبر أحد المواقع الجهادية: «جماعة (الظواهري) بالكامل مرتدة، لأنها لم تبايع (البغدادي)، وبالتالي يجب وقف التعامل معهم أو دعمهم».

ويرى المطلعون أن خروج عشماوي وتشكيله لتنظيم جديد، يعد خسارة لتنظيم أنصار بيت المقدس، فخبرة عشماوي سوف تؤثر على التنظيم من الجانب العملياتي البحت، وستطرح تساؤلات حول إذا ما كان نشاط ولاية سيناء سوف ينحصر في شبه جزيرة سيناء بعد أن انشق العقل المدبر للعمل داخل الوادي «هشام عشماوي» الذي ربما يتولى بتنظيمه الجديد مواجهة النظام في عقر داره بالعاصمة القاهرة.

كيف اخترقت التنظيمات المتطرفة صفوف الجيش المصري وما الذي سهل تجنيد الضباط المصريين؟

ربما يفاجأ البعض من حقيقة اختراق التنظيمات المتطرفة في سيناء للجيش المصري وتجنيدها لضباط منه في صفوفها، فإذا ما عرجنا على نجاح تلك التنظيمات باختراق الجيش المصري خلال حقبة السبعينات والثمانينات، نجد ضابط المدفعية خالد الإسلامبولي، وضابط المخابرات الحربية عبود الزمر، والضابط في سلاح الدفاع الجوي عبد الحميد عبد السلام هم من خططوا ونفذوا عملية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، بل إنه بعد سنوات تمكن تنظيم القاعدة من تجنيد الضابط السابق في الجيش المصري سيف العدل ليصل إلى القيادة في التنظيم.

وإذا تطرقنا إلى السنوات القليلة الأخيرة، نجد اختراقات جديدة لعدة كوادر عسكرية سابقة بالجيش المصري ميز وجودهم عمليات التنظيمات المسلحة وأضفى على عملياتهم تطورًا نوعيًّا وثقلًا من الناحية العملياتية، ويرجع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية خليل العناني أسباب تلك الاختراقات إلى وجود حالة من التذمر والرفض لممارسات الجيش المصري، دفعت ضباطًا وجنودًا إلى التعاطف مع معتقلي التنظيمات وأهاليهم، وتشير المصادر إلى هناك أكثر من 200 شخص، بما في ذلك عدد قليل من ضباط الجيش والشرطة السابقين، يُحاكمون بتهمة الانضمام لجماعة أنصار بيت المقدس سابقًا.

458023108

وفي مقدمة التنظيمات التي تمكنت من اختراق الجيش المصري تنظيم «ولاية سيناء»، حيث يرجع المراقبون نجاح تنظيم «ولاية سيناء» في عملية اختراق الجيش المصري إلى يوم محاولة اغتيال وزير الداخلية في أكتوبر 2013، والتي تورط فيها الضابط المنشق وليد بدر، حيث ظهر بدر وهو خريج الأكاديمية العسكرية، بزيه العسكري وأعلن عن شن الحرب على الجيش المصري.

وتعززت رؤية اختراق «ولاية سيناء» للجيش المصري بتورط الرائد السابق هشام عشماوي، والضابط في الجيش المصري عماد عبد الحليم، وهما اللذان اتهما بتخطيط وتنفيذ عملية الهجوم على معسكر «كرم القواديس» والتي أسفرت عن مقتل 31 جنديًّا مصريًّا وجرح عشرات، وعدت عملية «كرم القواديس» مؤشرًا خطيرًا، ليس فقط على صعيد التحولات السريعة التي تجري داخل الجماعات الراديكالية في مصر، وإنما أيضًا على صعيد القدرات القتالية والاستعداد اللوجيستي لهذه التنظيمات.

كما سجلت حادثة مهاجمة دورية بحرية في دمياط في شهر نوفمبر 2014، كعملية يقف وراءها أفراد من قوات البحرية المصرية، يقودهم الضابط البحري المنشق أحمد عامر، حيث تم في هذه العملية اختطاف أحد «اللنشات» وقتل من على متنه، ثم اشتبكوا مع قوات البحرية المصرية التي قامت بتدمير اللنش ومراكب صيد كانت في المكان، واعتقلت من عليها، وتطابقت هذه التقارير مع ما بثته مواقع جهادية قريبة من تنظيم «ولاية سيناء» حول الرواية نفسها، وهو ما يشير إلى مدى نوعية العملية وتعقدها.

ويؤكد المراقبون صعوبة القيام بهذه العمليات النوعية، من دون وجود مساعدة، أو دعم، لهذا التنظيم من داخل الجيش نفسه، حيث تتحدث تقارير عدة عن وجود «عناصر مندسة» لتنظيم ولاية سيناء داخل وحداتٍ في الجيش المصري، تساعدهم في معرفة تحركات هذه الوحدات، ومواعيد انتشارها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد