التقرير يتحدث عن عزل هشام جنينة، والأسباب السياسية والقانونية

تزامن قرار عزل المستشار هشام جنينة، من منصبه رئيسًا للجهاز المركزي للمحاسبات في مصر، مع جدل سياسي يرافقه جدل قانوني، على خلفية المذكرة الصادرة من الجهاز عن التكلفة الفعلية للفساد، بقيمة 600 مليار جنيه مصري، خلال السنوات الأربع الماضية.

السطور التالية مُحاولة «ساسة بوست» لفك تشابك خيوط هذا الجدل، المُرافق لعزل جنينة من منصبه، والسياقات القانونية والسياسية المتعلقة بالقرار الرئاسي.

قانون عزل هشام جنينة «غير دستوري ومُبيّت بليل»

في نهاية 2015، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قرارًا جمهوريًا بالقانون رقم 89 لعام 2015، مستغلًا غياب السلطة التشريعية، ليصدر هذا القرار مُكوّنًا من مادة واحدة، تمنح رأس السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية) كل الصلاحيات في عزل رؤساء أو أعضاء الأجهزة الرقابية والهيئات المُستقلة.

القرار الذي تزامن مع الجدل الدائر حول الدراسة التي أصدرها الجهاز المركزي للمحاسبات، عن التكلفة الفعلية للفساد في مصر، خلال السنوات الأربع الأخيرة، وحملات هجوم عاصفة على رئيسه هشام جنينة – كشف عن النية المُبيتة للدولة، في الإطاحة به عبر قرار غير دستوري!

أما عدم دستوريته، فتنبع من تعارضه مع المادة 215 من الدستوري الحالي، والتي تنص على تمتع الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية، بالشخصية الاعتبارية، وبالاستقلال الفني والمالي والإداري. وتشمل تلك الهيئات وفقًا للمادة نفسها: «الجهاز المركزي للمحاسبات، وهيئة الرقابة الإدارية، والهيئة العامة للرقابة المالية، والبنك المركزي».

السيسي منح نفسه السلطات الكاملة للإطاحة بجنينة

كذلك، فإنّ المادة 216، تنص على ضمان استقلال الأجهزة الرقابية في القانون الخاص بها، وحماية أعضائها بما يكفل لهم الحياد والاستقلال وضرورة موافقة مجلس النواب على تعيين رؤساء الجهات الرقابية والأجهزة المستقلة من قبل رئيس الجمهورية، وهي المبادئ التي لا توجد في القوانين الخاصة بتلك الجهات والأجهزة.

وعلى كل حال، فإن منح رئيس السلطة التنفيذية كل هذه الصلاحيات، وبخاصة أنها مُوجهة لمُؤسسات يُفترض لها الاستقلالية، يتعارض مع المبادئ الدستورية المُلزمة للاستقلال والحيادية لتلك المُؤسسات.

عزل هشام جنينة مُقابل 600 مليار جنيه!

في أواخر عام 2014، استندت هيئة الرقابة الإدارية، في إعدادها للإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، إلى أرقام التهرب الضريبي والجمركي، والتي قدرتها أيضًا برقم ضخم، وهو 62 مليار جنيه في عام 2013، وفقًا للإستراتيجية، وهو الرقم الذي يصل إلى 248 مليار جنيه في الفترة بين 2012 و2015.

هذه الإستراتيجية التي أقرها رئيس مجلس الوزراء، وأعدتها مجموعة من الأجهزة الرقابية بقيادة الرقابة الإدارية؛ تقترب في أرقام تقديراتها من الرقم الذي أعلنه جنينة، علمًا بأن الأولى تشمل فقط إجمالي التهرب الضريبي والجمركي في أربع سنوات، بينما كان رقم 600 مليار جنيه، التي قدرها «المركزي للمحاسبات»، هي إجمالي تكلفة الفساد الفعلي.

كذلك يدعم صحة الرقم الذي ذكره جنينة في الدراسة الصادرة عن «المركزي للمحاسبات»، بعنوان «تحليل تكاليف الفساد على بعض القطاعات في مصر»، الكثير من أحكام بطلان عقود تخصيص الأراضي بالأمر المباشر، في السنوات الماضية، إلى نفس طريقة الحساب، وهي مقارنة ثمن تخصيص الأرض بالأمر المباشر بقيمتها السوقية، واعتبار الفارق بينهما إهدارًا للمال العام، حتى لو لم يخالف ذلك القانون. وفي كل حالة من تلك الحالات، كانت تقدر قيمة المال العام المهدر بالمليارات أو مئات الملايين على الأقل، وكان هناك عشرات قضايا تخصيص الأراضي بالأمر المباشر، المنظورة أمام المحاكم، وحُكِم في العديد منها باستخدام هذا الأسلوب الحسابي.

ففي قضية رجل الأعمال المعروف صلاح دياب مع الحكومة، كانت نيابة الأموال العامة قد قررت حفظ التحقيق في قضية مشروع نيو جيزة، بشراكة محمود الجمال بعد سداد 238 مليون جنيه، وهي قضية ضمن مئات القضايا المنظورة أمام المحاكم وهيئات التحقيق للنظر في تسويتها.

بينما في قضية رجل الأعمال الهارب، حسين سالم، انتهت التسوية المالية بينه وبين الحكومة بأن يدفع خمسة مليارات و700 مليون جنيه موزّعة بين الأصول والأموال السائلة.

رجل الأعمال المصري، حسين سالم

وهذه القيمة المالية، شملت عددًا من الأصول والممتلكات له في مصر، وعلى رأسها منتجع وفندق «جولي فيل» الشهير بشرم الشيخ بالكامل، والذي تبلغ مساحته نحو 24 ألف متر، إضافة إلى دفع نحو 180 مليون جنيه سائلة، و120 فدان أرض بشرم الشيخ، لافتة إلى أن قيمة هذه الأرض السوقية تتعدى ثلاثة مليارات جنيه في حال أقرت الحكومة بيعها فيما بعد.

خليفة هشام جنينة

في 31 ديسمبر (كانون الأوّل) من العام الماضي، صدر قرار جمهوري برقم 451 لسنة 2015 بتعيين هشام بدوي نائبًا لجنينة، فيما اعتبره الكثيرون تمهيدًا لخلافة جنينة، بخاصة أن اللجنة المُشكلة للتأكد من الأرقام المذكورة في تقرير هشام جنينة عن الفساد كانت قد شملت عضوية هشام بدوي مع رئيس هيئة الرقابة الإدارية، وعضوية ممثلين عن وزارات التخطيط والمالية والداخلية والعدل.

«بدوي» الذي صار قائمًا بأعمال رئيس الجهاز، كان قد التحق بنيابة أمن الدولة العليا فور قبوله في النيابة العامة، وتدرّج في المناصب القضائية بالنيابة حتى شغل منصب المحامي العام لنيابات أمن الدولة العليا، وبقي على رأسه من 2005 وحتى 2012، حتى صعود جماعة الإخوان إلى سدة الحكم، وتم استبعاده من قيادة نيابة أمن الدولة وعاد بدوي إلى منصة القضاء، وتولى منصب رئيس محكمة استئناف القاهرة.

وباشر بدوي التحقيق في العديد من القضايا التي لها علاقة بالجامعات الدينية، وجماعة الإخوان المسلمين قبل الثورة، مثل قضية خلية حزب الله عام 2009، وخلية مدنية نصر 2012.

كما أشرف على العديد من القضايا التي شغلت الرأي العام على مدار سنوات مثل الجماعات الإرهابية، وقضية عبدة الشيطان، وقضايا التجسس بعد الثورة، وقضية ضابط الموساد الإسرائيلى إليان، وقضية «البلاك بلوك»، وعدد من قضايا النشطاء السياسيين، كما حقق في العديد من القضايا التي كانت قيادات الإخوان طرفًا بها، مثل قضية شركة سلسبيل المتهم فيها عدد من قيادات الإخوان وعلى رأسهم محمد خيرت الشاطر، وحسن مالك جمعة أمين، ومحمود عزت فى عام 1992، والظواهري.

محامي جنينة لـ«ساسة بوست»: سنطعن على القرار

من جانبه، قال علي طه، محامي رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار هشام جنينة، لـ«ساسة بوست»، إن موكله بصدد الاستجابة للقرار الرئاسي، الصادر مساء اليوم الاثنين، بشأن إعفائه من منصبه، موضحًا أن مسألة الطعن على القرار مسألة مستبعدة ولا تدخل ضمن حسابات موكله الفترة المقبلة.

وأضاف طه، أن عدم الطعن على القرار لا يعني قانونية الإجراء المُتبع ضد موكله، بخاصة أن هناك عوارًا قانونيًّا يحيط به، موضحًا أنه لا يوجد أي استدعاء من جانب نيابة أمن الدولة العليا لموكله للتحقيق معه بشأن تهم تتعلق بفساد مالي، أو حتى للإدلاء بأقواله في التحقيقات التي تجريها في قضية تصريحات فساد الـ600 مليار جنيه التي صدرت منه كما زعمت بعض المواقع الإخبارية الساعات الماضية.

وتابع طه أن موكله باقٍ في مصر، ولن ينتقل للخارج موكدًا كذلك أنه بصدد متابعة الخطوة المقبلة له بعد تجاوز الأزمة الحالية غير المتوقعة بالنسبة له أو لموكله.

المصادر

تحميل المزيد