هو هشام المؤيد بالله بن الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر الأموي. ولي عهد دولة الخلافة الأموية الأندلسية، الذي انتظره أبوه الكهل بفارغ الصبر، ليرثَه، ويرث قرنين ونيّف من حكم آل عبد الرحمن الداخل، مؤسس الدولة. أما والدته فهي جارية الحكم الأثيرة صُبح البشكنشية، والتي ذاع صيتُها بالطموح إلى جانب ما اشتهرت به من حسن ودلال.

لم يدُر بخلد الحكم المستنصر، والذي كانت أيامه في حكم الأندلس تُسمى «أيام العروس» لكثرة خيرها وعِظَمِ رخائها، أن سيرة طفله الوديع ستكون ملخصًا لكل مآسي الزمان والمكان، وملحمةً للحزن والرثاء، على مستواه الشخصي، ثم على مستوى الأندلس جمعاء.

جذور المأساة

مات الحكم المستنصر عام 366هـ، وترك ولي عهده هشام الصبّي الصغير في حضانة أمه الجارية. تحدث الرواة كثيرًا عن علاقة حب – نبيل أو آثم – بين الجارية الشابة، أثيرة الحكم الشيخ، والأمير محمد بن أبي عامر، الشاب الوسيم القوي، الذي عيّنه الحكم مديرًا لأملاكها، وأملاك الأمير الصغير، ثم وثق في كفاءته، فأسند له الوزارة تلو الوزارة، حتى أصبح في يده أكثر من نصف خطط الدولة الحيوية.

كاد المغيرة أخو الحكم ينتزع العرش بمؤامرة من فتيان القصر الصقالبة، والذين كانوا الحرس الخاص للخلافة، ومدبري القصر، فقتله ابن أبي عامر، بعد تدبيرٍ الأمر مع الحاجب المصحفي (بمثابة رئيس الوزراء آنذاك). كان قائد الجيش غالب الناصري يكره المصحفي، ويرى نفسه الأحق بالحجابة وبزعامة الموالي، وعلى الجانب الآخر، لم يكن المصحفي مرتاحًا تمامًا لابن أبي عامر المستأثر بالحظوة في قصر الخلافة.

استغلّ الإسبان الاضطراب، فهاجموا أطراف الدولة ثم أعماقها. كان المصحفي جبانًا يخشى القتال، وتعمد الناصري الاكتفاء بالتحصن بجيشه في قلعته، ليحرج المصحفي أمام الشعب الذي أحنقهُ جبن المصحفي أكثر من جرائم الإسبان. حينئذٍ نهض ابن أبي عامر بجيش العاصمة، ورد الإسبان على أعقابهم، فحمله الناس على الأعناق. زادت الفجوة بين قطبي العاصمة، وأراد كل منهما كسب ود غالب بمصاهرته. فاز ابن أبي عامر بالرهان عندما جاء مرسوم الخليفة يزكيه لدى غالب.

من «ضيق» القصور إلى «سعة» العبادة.. ملوك هجروا الكرسيّ من أجل سجادة صلاة!

مالت الكفة لابن أبي عامر، والذي خرج في غزوة أخرى وعاد منتصرًا، وأحسن استغلال النصر، فعزل ابن المصحفي الذي كرهه الشعب من ولاية العاصمة. ضعفت منزلة المصحفي كثيرًا، فقدمت ضده العرائض لدى القضاة، واتهم بالفساد، فعُزل بمرسوم من الخليفة  -معلومٌ من وراءه- وعُيِّن ابن أبي عامر حاجبًا وتلقب بالمنصور.

تسيّد المنصور، وقضى على شوكة الفتيان الصقالبة -يشبهون المماليك في مصر، وكان لهم نفوذ كبير في قرطبة – واصطفى لنفسه منهم المخلصين له. ثم أنشأ قصرًا جديدًا للحكم هو الزاهرة، وأبعد للخليفة وأمه شيئًا فشيئًا عن الحكم وعزلهما بقصرهما.

اغتاظ منه حماه غالب حتى وصل الأمر لإعلان الحرب، وكانت الطامة أن استعان غالب بالأسبان ضد المنصور! فاستغلها الأخير وجيّش الناس، فنجح في القضاء على غالب، وأوشك أن ينفرد تمامًا بالحكم. لم ترضخْ صبح، وحاولت من قصرها مراسلة أعيان المغرب والأندلس تؤلب على المنصور الذي انتزع حكم ابنها، وكاد الأمر يضطرب خاصة مع تململ الشعب الذي تعاطف مع الملك الأموي الصغير.

جاء الفصل الأخير عندما صادر المنصور أموال صبح التي كانت تخرجها من القصر في أواني زيت الصدقة لترسلها للثائرين. فحدد لها راتبًا مناسبًا، واستصفى ما بقي للخزانة. ثم ألزم هشام المؤيد أن يخرج لأعيان قرطبة في يوم مشهود؛ ليعلن تنازله عن سلطانه للمنصور؛ لكي يتفرغ للعبادة، وهكذا بدأ مُلك المنصور، ولكن لم تنتهِ قصة هشام المؤيد، ولا مآسيه.

«الفتنة الأندلسية».. من الذروة إلى الهاوية

على مدار ربع قرن كانت خيوط الأندلس كلها في قبضة المنصور الذي استمرّ في حجب هشام المؤيد في قصره، نازعًا كل صلاحيات الحكم منه، بل مصادرًا حتى أبسط حرياته في الحركة والظهور، فكان لا يخرج من قصره إلا مرتديًا النقاب، وبإذن خاص مباشر من المنصور الذي كان يخشى من ظهور هشام لعامة أهل قرطبة، الذين يشيع بينهم التعاطف مع قصته.

أمَّنت إنجازات المنصور العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، رضا غالبية أهل الأندلس بحكمه، وتغاضيهم عن استبداده بصلاحيات الحكم دون الخليفة الأموي في سابقة لم تحدث منذ تأسيس عبد الرحمن الداخل للدولة قبل قرنيْن ونصف. عندما توفي المنصور عام 392هـ، لم يجد ابنه عبد الملك صعوبةً في أن يرث مقام أبيه وصلاحياته، لاسيَّما وأنه كان غير بعيدٍ عنه في الصفات والقدرات. لكن بوفاة عبد الملك بن المنصور المفاجئة عام 399هـ، وتولي أخوه عبد الرحمن الملقب بشانجول – لأنه كان يشبه جده الملك الإسباني سانشو، والذي تزوَّجت ابنته من المنصور – بدأ العد التنازلي لانقلاب جذري في تاريخ الأندلس.

كان عبد الرحمن شابًا متهورًا، يفتقر كثيرًا إلى كفاية أبيه وأخيه، ولا يمتلك من عُدَّة الحكم سوى الطمع فيه، حتى أن الكثير من المؤرخين يرجحون أنه قتل أخاه عبد الملك بالسم ليرث مكانه. لم تمر أسابيع قليلة على تولي عبد الرحمن الحجابة، حتى أحدث سابقةً لم يجرؤ عليها المنصور نفسه، إذ ألزم هشام المؤيد بالله أن يعلن أنه بإرادته الكاملة قد جعل عبد الرحمن وليًا لعهده. أغضب طمع عبد الرحمن الغالبية العظمى من الأندلسيين، سواءً في ذلك النُّخب أو العامة، خاصة مع سوء تدبيره، وانهماكه في اللهو والشراب.

لم تمر ثلاثة أشهر من حكم عبد الرحمن شانجول، إلا وقد أصبحت قرطبة حاضرة الخلافة تعتمل ببراكين متأججة تحت السطح، لا تحتاج سوى لشقٍ صغير حتى تنبجس منه، لتبتلع الأخضر واليابس، وتصهر التاريخ والجغرافيا.

صورة لأطلال مدينة الزهراء الملكية التي أسسَّها الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر

حاول عبد الرحمن الهروب للأمام، والتشبه بأبيه وأخيه، فأعلن عن الخروج لغزو الممالك الإسبانية الشمالية. لم يكد جيش عبد الرحمن يعبر الحدود، حتى ثار أحد أمراء البيت الأموي واسمه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر بقرطبة، والذي لقَّب نفسه بالمهدي، وانضم له قطاعات عريضة من أهل قرطبة. كان محمد المهدي يحمل بغضًا شديدًا للعامريين منذ قتل عبد الملك بن المنصور أباه هشام بن عبد الجبار بعد كشف مؤامرة انقلابية حاول القيام بها ضد عبد الملك.

في ساعات قليلة استولى الثاثرون على الأماكن الحيوية بقرطبة وجوارها، وقتلوا والي المدينة، ثم اقتحموا مدينة الزاهرة، والتي كانت بمثابة العاصمة الإدارية للدولة العامرية، والتي أسَّسها المنصور، ولم يتركوها إلا قاعًا صفصفًا، ليس فيها حجر على حجر، وهي التي حُكمت منها الجزيرة كلها زهاء 35 عامًا. تقبَّض المهدي على هشام المؤيد، ووبَّخه على استسلامه للعامريين، ثم أمر بالتحفّظ عليه في أحد بيوت قرطبة المجهولة بعيدًا عن الأنظار، فيما يشبه اإقامة جبرية بنكهة الاعتقال.

وهكذا بدأ عصر فتنة الأندلس الكبرى، وتسارع معه العد التنازلي لوصول قطار الأندلس إلى محطة الفناء المحتوم،  بعد قرنين ونصف كان الأعم الغالب فيها انتظام لآلئ الأندلس في عقدها الفريد، وواسطته عاصمة الأندلس الإسلامية قرطبة العامرة. انفجرتْ كل تناقضات الأندلس العرقية والقبائلية والسياسية والمناطقية، والتي كانت تكبتُها الحكومة الأموية القوية تحت السطح، وهكذا كانت الأندلس تودع القرن الرابع الهجري في قمة منحناها الحضاري، لتجد نفسها بعد ربع القرن الخامس، وقد تمزّقَ الزمان والمكان فيها إلى الأشلاء التي تعرف بعصر ملوك الطوائف.

مراكز القوى المتصارعة على عرش قرطبة

قبل أن نعود إلى محنة هشام المؤيد، والتي اتخذناها مرآة للمحنة الأندلسية العامة، لابد من  إلى الإشارة إلى الأحزاب الرئيسة التي طفت على سطح الصراع الأندلسي بعد سقوط الدولة العامرية:

أولًا: الأمويون، وكانوا مرتكزين على حقهم التاريخي في الحكم، وميراث جدهم الداخل، ومنجزات الناصر والحكم، لكنهم كانوا يفتقدون الشخصية القوية التي تصلح لقيادة المرحلة الحرجة الفاصلة، ولذلك لم يكونوا على قلب رجل واحد، فأكل بعضهم بعضًا، فما نفعوا أنفسهم ولا الأندلس بالطبع.

ثانيًا: البربر المغاربة، وكانوا مقاتلين شديدي البأس، وكانوا عماد الدولة العامرية، منذ استقوى بهم المنصور بن أبي عامر في تأسيسه لدولته، ولذا كانوا محل نقمة عامة أهل قرطبة، وكذلك المهدي ومن معه، الذين كانوا ينظرون إليهم كفلول العهد البائد.

ثالثًا: الفتيان الصقالبة العامريون، والذين استصفاهم المنصور لنفسه بعد مذبحته للتخلص من نفوذ الصقالبة الذين كانوا عماد دولة الناصر والحكم. وكانوا أيضًا موضع نقمة العهد الجديد، لكنهم كانوا يمتازون بخبرات سياسية وعسكرية بارزة، مكنتهم من لعب دور بارز لعقود بعد سقوط العامريين.

رابعًا: أعيان قبائل العرب، والذين كانوا بعيدين عن النفوذ والحكم منذ أيام الداخل الذي اعتمد على الموالي والصقالبة بعد أن ضاق ذرعًا بعصبية العرب، وإحيائهم للصراعات العربية الجاهلية القديمة. كانت تلك البيوت العربية ترى أنها غمطَت حقها في الأندلس، وتريد أن تستغل حالة السيولة التي صاحبت الفتنة، لكي تؤمن نصيبًا بارزًا من الكعكة.

خامسًا: الممالك المسيحية الإسبانية، والتي رأت في الفتنة فرصة سانحة لالتقاط الأنفاس بعد عشرات السنين من الضربات الموجعة التي تلقتها خاصة في زمن المنصور، والتي وضعتها في خانة الدفاع دائمًا. كذلك مكنتها الفتنة وأحداثها من  اللعب على التناقضات الأندلسية لإذكاء الصراع، والخروج منه بأكبر مكاسب ممكنة، والانتقال إلى خانة المبادرة بالطبع.

جامع قرطبة الكبير من الداخل، والذي تمَّ تحويله إلى كاتدرائية بعد استيلاء الإسبان على قرطبة في القرن السابع الهجري-ويكيبيديا

المهدي يخشى شعبية المؤيد

نعود الآن إلى قرطبة تحت حكم الثائر الأموي محمد المهدي. كان المهدي يخشى من هشام المؤيد، وما يحمله بعض عامة أهل قرطبة من تعاطفٍ تجاه محنته الطويلة، وخوّفه بطانته من أن بعض خصوم المهدي قد يستغل المؤيد، وحقه الأصلي ببيعة والده الحكم له كوليٍ  للعهد، ويقوم بالانقضاض على المهدي، وانتزاع الحكم لنفسه باسم المؤيد.

استغل المهدي وفاة أحد اليهود، وكان يشبه المؤيد شكلًا، فأعلن وفاة المؤيد، وألزم القضاة والأعيان بإعلان ذلك للعامة مشفوعًا بأيمانهم المغلظة على ذلك. بينما استمرّ في إخفاء المؤيد. وكان هذا في شهر شعبان من عام 399هـ أطول أعوام الأندلس.

بعد غيبة المؤيد الأولى تطورت الأوضاع سريعًا، إذ انقلب المهدي على ولي عهده سليمان الأموي، وسجنه، رغم أنه كان بمثابة ذراعه الأيمن. ثار أبو سليمان هذا، واسمه هشام بن سليمان بن الناصر، على المهدي، مستغلًا تسلطه، وإسرافه في الأموال، وانهماكه في اللهو والشراب، والتف حول تلك الثورة المضادة، البربر وبعض الفتيان العامريين الذين اضطهدهم المهدي.

تمكن المهدي وأنصاره من هزيمة الخارجين عليهم هزيمة منكرة، وقتل العديد من رؤوسهم ومنهم هشام نفسه، وأعطى المهدي الضوء الأخضر لجنده، ولغوغاء قرطبة باستهداف البربر دون تمييز، فشهدت شوارع قرطبة وبيوتها مجازر واعتداءات يندى لها الجبين بحق البربر رجالًا ونساءً وأطفالا، حتى فرّ غالبيتهم من قرطبة.

الصقالبة والمماليك والانكشارية.. «عبيد السلطان» الذين أقاموا دولًا وأسقطوها

اضطرمت نفوس بربر الأندلس بالانتقام، فالتفوا حول أموي آخر لينتقموا من المهدي تحت رايته، هو سليمان المستعين بالله، وانضم إليهم فلول الثورة الفاشلة ضد المهدي. انضم للتحالف الجديد قوات مسيحية كبيرة من جيش دولة قشتالة الإسبانية، مقابل وعد من المستعين بالتنازل لهم عن العديد من القلاع الحدودية، اتجهت قوات التحالف صوب قرطبة، وأوقعوا هزيمة ساحقة بجيش المهدي بقيادة الفتى واضح، وهو من قلة من الفتيان العامريين الذين غيروا جلدهم، وانضموا للمهدي ضد أسيادهم العامريين. حاول المهدي اللجوء للحيلة، فأخرج هشام المؤيد للنور، وأعلن أنه الخليفة الشرعي، وأنه – المهدي – ذراعه الأيمن وسيفه لا أكثر، وأنه أخفاه خوفًا عليه من الغائلة. لكن فشلت المحاولة في خلخلة التحالف المضاد للمهدي.

فر المهدي من قرطبة، ودخلها المستعين والتحالف في ربيع الأول عام 400هـ ، وحدثت أعمال انتقامية ضد أهل قرطبة خاصة من طرف البربر. وأمر المستعين بالتحفظ على هشام المؤيد في أحد أجنحة قصر الزهراء.

في ذلك الحين راسل المهدي ملكَ كاتالونيا، فأمده بقوة كبيرة مقابل تنازل المهدي عن بعض المدن والقلاع الإسلامية القريبة من كاتالونيا، ومدينة سالم وهي من أهم ثغور الأندلس، وبعض الشروط المالية المجحفة الأخرى. نجح تحالف المهدي في هزيمة جيش المستعين واستعادة قرطبة. حاول تحالف المهدي ملاحقة البربر الفارين جنوبًا، فواجههم في معركة كبرى، إلا أنه نال هزيمة كبيرة، فعاد إلى قرطبة، وقد انفضّ عنه قوات كاتالونيا وعادت إلى بلادها، فأخذ يحصن قرطبة خوفًا من هجوم البربر، الذين التقوا مجددًا حول المستعين.

أواخر عام 400هـ، حدث ما لم يتوقعه أحد. تململ بعض قادة المهدي من رعونته واستبداده، وانصرافه للهو والشراب، فقام أبرزهم وهو الفتى واضح العامري بإبراز هشام المؤيد بالله ومبايعته، وقتل المهدي أمام ناظريْه. وهكذا عاد هشام للحكم جبرًا، كما خُلِع جبرًا، مثلما ظهر قبل ذلك قسرا، بعد أن أُخفيَ قسرا.

نصرٌ لم يدُم

رفض البربر والمستعين مبايعة هشام المؤيد، وأخذوا يحشدون ما استطاعوا من عدد وعدة للمواجهة. توجهت جيوش البربر مطلع عام 401هـ إلى ضواحي قرطبة، وأعملوا فيها السلب والنهب والتخريب انتقامًا من تنكيل غوغاء قرطبة بهم أيام المهدي، وفرضوا الحصار على العاصمة.

حاول هشام المؤيد وحاجبه الفتى واضح ضبط الأوضاع في قرطبة، والاستعداد لمواجهة البربر والمستعين، لكن كانت الأمور تسوء يومًا بعد يوم بفعل الحصار، واشتدت المناوشات بين الطرفين على أطراف المدينة. كذلك قام هشام بتسليم جميع الحصون الحدودية التي انتزعتها فتوحات المنصور، إلى ملك قشتالة، مقابل ضمان عدم تحالفه مع المستعين كما حدث العام الفائت.

بمرور الأسابيع، تسارع التدهور داخل قرطبة، حتى وصل الحال بالحاجب واضح كثير التقلبات، إلى محاولة الهرب بأمواله، فكشفه قائد اسمه ابن وداعة وقتله، ووجد بحوزته أموالًا هائلة، بينما كان الغلاء يعصف بأهل قرطبة جراء الحصار. حاول هشام المؤيد مفاوضة البربر والمستعين على حلول وسط، لكنهم تعنتوا، وأبوْا إلا الاستسلام الكامل. واستمر الحصار والقتال المتقطع حوالي عامين.

قنطرة على نهر التاجُه بطليطلة بنيت في عهد هشام المؤيد بالله

أواخر عام 403هـ حاول أهل قرطبة وجندها القيام بمحاولة يائسة لفك الحصار؛ فخرجوا بكامل قوتهم لمواجهة البربر، لكنهم نالوا هزيمة ساحقة، خرج بعدها بعض أعيان قرطبة لطلب الأمان من المستعين مقابل تسليم المدينة، فوافق مقابل غرامة مالية كبيرة، قاموا بدفعها.

لم يمنع أمان المستعين البربرَ من الانتقام من أهل قرطبة سلبًا ونهبًا و تقتيلا. أما المستعين فقد أمسك بهشام المؤيد، وهذه هي المرة الثانية التي يقع فيها المؤيد في قبضة المستعين، لكن هذه المرة اختفى هشام، لا يعرف أحد على وجه التحديد ماذا فعل المستعين بهشام.. الرواية الراجحة أنه قتله، ويؤيدها أن المستعين عندما سقط عام 407هـ بعد تمرّد البربر عليه، فإنهم قتلوه، ومن ضمن عريضة الاتهام أنه قتل الخليفة السابق له هشام المؤيد بالله.

لكن هناك روايات أخرى تتحدث أنه أخفاه لعله يحتاج لإظهاره كما فعل المهدي. عمومًا لم يُعثَر للمؤيد على أثر حيًّا أو ميّتا، ولعل هذا ما جعل لقصته بقية، وجعل اسمه يتردد بين جنبات الأندلس لسنوات، بل لعقودٍ تالية.

المؤيد «نسخة إشبيلية»

كانت إشبيلية جنوب الأندلس هي حاضرة أكبر دويلات الطوائف الأندلسية، وأكثرها طموحًا، وكان يحكمها بنو عباد، وهم من البيوت العربية الأصيلة. كان القاضي بن عباد، الرجل القوي في  أشبيلية يخوض حربًا ضروسًا مع بني حمود، البربر  ذوي الأصول الهاشمية التي تعود إلى الأدارسة الذين أسسوا دولة بالمغرب أواخر القرن الثاني الهجري.

كان الحموديون من أشرس قبائل البربر، وكان لهم دور بارز في أحداث الفتنة الأندلسية، فمنهم علي بن حمود الذي استولى على قرطبة عام 407هـ وقتل المستعين، وأعلن نفسه خليفةً للأندلس. لكن لم تستقر الأمور للحموديين، ودخلوا في دوامات لا تنتهي من الصراع مع باقي المكونات الأندلسية، لكن ظل لخلافتهم سيطرة بارزة في جنوب الأندلس، وهذا سر خصومتهم مع بني عباد في إشبيلية الذين كانوا ينافسونهم بشراسة على السيادة في تلك المنطقة، وكان الحموديون بجانب بأسهم يستندون في طلبهم للخلافة إلى نسبهم الهاشمي؛ مما جعل بني عباد في حاجة ماسة إلى سيناريو محكم مضاد، يكسون به مطامحهم وأطماعهم برداءٍ من الشرعية.

رجل ظلمه التاريخ.. «آخر ملوك الأندلس» لم يكن خائنًا كما يتصور الكثيرون

عام 426هـ – بعد إخفاء المستعين للمؤيد بأكثر من 23 عامًا –  فاجأ بنو عباد الأندلس كلها عندما أعلنوا أنهم عثروا على هشام المؤيد بالله، وأنه لم يُقتَل، وإنما كان يختبيء خوفًا من البطش به. دعا العباديون الأندلس إلى الدخول في طاعة المؤيد بالله، وبالطبع في طاعة حاجبه القاضي بن عباد. قبل بعض ملوك الطوائف تلك الدعوة وإن بشكل شكلي، بينما شكَّك الأكثرون فيها، واتهموا بني عباد باصطناع  شبيه للمؤيد، لاستخدامه كورقة رابحة في صراعاتهم.

بعد قليل سينجح بنو عباد في الفتك بأكبر خصومهم يحيى بن علي بن حمود بعد كمين عسكري محكم؛ مما مكَّن لهم أكثر في جنوب الأندلس، وحجَّم كثيرًا من خطر الحموديين على مملكة إشبيلية. ولذا فلم يكن مستغربًا بعد فترة ليس بالبعيدة أن أُعلِنَت وفاة هشام المؤيد «نسخة إشبيلية»، وهذه المرة كانت «الثالثة ثابتة» فلم يظهر لهشام المؤيد بعد ذلك في التاريخ أثر.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!