لم يعد هبوط أسعار النفط العالمية مؤخرًا، يطال الدول المنتجة والمستوردة فحسب، بل ألقى ظلاله على دول أخرى ذات مصالح مشتركة معها، ليدخل “حزب الله” اللبناني في دوامة مالية جديدة، بفعل اعتماده الكبير على “إيران” المتضررة أصلاً من وراء ذلك. 

ولا يخفى على أحد أن إيران تدعم “حزب الله” في صراعه ضد ما يسمى بـ”الجماعات الإرهابية” في سوريا، وتصرف لها ميزانيات شهرية، لنجاح خططه وعملياته المستمرة حتى الآن، إلى جانب دعمها أيضًا لنظام الأسد، كونه يشكل حماية لمصالحها في المنطقة، كما ترى.

اقرأ أيضًا: بعد مشاركته القتال في سوريا ” حزب الله” يعيش أزمة مالية تعصف بمؤسساته داخليًا وخارجيًا

 

ويشار إلى أن دخول الحزب للقتال في سوريا إلى جانب النظام السوري، كبده خسائر مالية فادحة، عجز حينها عن توفير مستلزماته المالية للمؤسسات والجمعيات والعائلات الموالية له، الأمر الذي دفعه للبحث عن مصادر تمويلية جديدة.

هذا العجز، جعل قادة الحزب يدركون جيدًا أنه لا يمكن الاعتماد طويلاً على الدعم الإيراني وعلى الأقل بنفس المستوى الذي كان في الماضي، خاصة وأن قيمة المساعدات السنوية الإيرانية المقدمة إلى الحزب وصلت إلى ما بين 200 إلى 300 مليون دولار، خلال الأعوام الماضية.

ليس تهديدًا

الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد ونظيره السوري بشار الأسد وزعيم حزب الله حسن نصر الله “أرشيف”

“حزب الله” الذي استنزف قواه العسكرية والمالية معًا، في دعمه النظام السوري بفعل الصراع الدائر حاليًا بين أطراف عدة، أخذ يعتمد سياسة “تقشف” مالية جديدة لأنصاره، سواء كانوا في الداخل اللبناني، أو حتى في الخارج.

هذه الإجراءات انعكست سلبًا على موظفي الحزب والمنتسبين إليه، من خلال خفض حجم رواتب عناصره، وتقليص ميزانيات دعم حلفائه السياسيين في لبنان، فضلاً عن تأثر المؤسسات الخيرية والاجتماعية وحتى الصحية التابعة للحزب.

وبالتالي، هناك من يرى أن “العنصر المالي” لدى الحزب لا يشكل تهديدًا مباشرًا لمكانته الشعبية والسياسية في لبنان، معللين ذلك بأن دعم إيران المالي له يشرف عليه مباشرة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي، ولا يحتكم للميزانية العامة المرتبطة بمداخيل النفط، ويقدر حجم مخزون أمواله الثابتة بعدة مليارات، وربما بضع مئات المليارات من الدولارات.

وفي تقرير نشره موقع “الميادين” مؤخرًا، والمقرب من سياسة “حزب الله”، لفت إلى أن المساعدات الإيرانية السنوية للحزب تتراوح بين 60 – 200 مليون دولار، إلى جانب أن السياسة الاستراتيجية الإيرانية تتجه نحو التوصل لاتفاق دولي حول الملف النووي، لا سيما وأن العقوبات الدولية المفروضة تستند إلى التقدم في هذا الملف “ولا تخص دعم إيران لسوريا الذي يتوقع أن يستمر بالتصاعد”.

تنافس على الصراع

الرئيس الإيراني حسن روحاني

وترى الخبيرة في شؤون حزب الله ومديرة مؤسسة “الشرق الأوسط” رندا سليم، أن “إنقاذ النظام في سوريا، ومحاربة تنظيم “داعش” في العراق، أجبر إيران على تحويل المزيد من الموارد بعيدًا عن حزب الله في الوقت الذي تتقلص فيه الموارد الأساسية داخل أراضيها”، وهذا ما يعود إلى انخفاض عائدات النفط والعقوبات الدولية.

ويقدر الدعم المالي الذي تقدمه إيران للحزب، حسب سليم 60 -200 مليون دولار في العام، لكن حزب الله لم يعد يعتمد على إيران؛ حيث بنى شبكة قانونية وغير قانونية من التجارة خارج لبنان.

وتربط أيضًا انخفاض أسعار النفط بنسبة 50% باتهامات إيران للسعودية بمحاولة التأثير على ميزانيتها التي تعتمد على عائدات النفط. وتشير للحرب بالوكالة بينهما على الساحة السورية. فالدعم الإيراني للأسد أدى لاستمرار الأسد في السلطة.

وتسببت حادثة انهيار أسعار النفط العالمية بنسبة 50 % إلى ما دون 60 دولارًا للبرميل – منذ حزيران “يونيو” العام الماضي- في مشاكل لإيران، التي تعتمد ميزانيتها الحالية على قاعدة سعر 100 دولار أو أكثر لبرميل النفط.

وبينما يرى تجار النفط أن مسألة عدم التوافق بين حجم المعروض والطلب العالمي هي ما تقود الانكماش، يشكك المراقبون هنا بأن المملكة العربية السعودية، أكبر منتج للنفط في العالم، تتلاعب عمدًا بالأسعار لشل حركة إنتاج عدوها اللدود إيران.

ولعل ما يشير إلى ذلك هو تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني قبل بضعة أيام، وقوله: “إن الدول التي تقف وراء انخفاض أسعار النفط العالمية ستندم على قرارها”، محذرًا من أن السعودية والكويت ستعانيان مثل إيران بفعل هبوط السعر.

ويتجلى التنافس بين إيران، والمملكة العربية السعودية، حول الصراع الدائر في سوريا، حيث كفل دعم طهران للرئيس السوري بشار الأسد، استمرار بقائه؛ مما تسبب في حالة من الإحباط للمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى التي تسعى إلى الإطاحة به.

تدهور الأوضاع

إحدى الجنازات لأنصار حزب الله خلال مشاركته في الصراع بسوريا “أرشيف”

وثمة من يرى أن إيران ستفضل التوصل إلى اتفاق مع المجتمع الدولي حول طموحاتها النووية أكثر من التوصل إلى تسوية في سوريا، في ضوء أن العقوبات الاقتصادية ترتبط بالأولى أكثر من الأخيرة.

أما المعضلة الحالية للحزب، تكمن في مصدر تمويله الإيراني؛ حيث تأتي الأموال – التي تقدر بعدة مليارات دولارات- من موارد القطاع الخاص التي توضع تحت تصرف المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وقد حصدت هذه المؤسسات ثروات طائلة عبر التبرعات الدينية والاستثمارات في العقارات والتجارة، حسب موقع “الغد”.

والجدير ذكره، أن العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على إيران بسبب برنامجها النووي أدت إلى انخفاض الواردات النفطية الأوروبية من إيران من 52.4 مليون طن في عام 1995 إلى 6.5 ملايين طن في عام 2012.

ولا شك أن هبوط أسعار النفط سيفضي على المدى الطويل إلى تدهور الوضع الاقتصادي في إيران وإلى تقويض دورها في المنطقة، وتردي المركز المالي للدول العربية النفطية، ودول مجلس التعاون الخليجي دون أن يشكل خطورة كبيرة على حالتها المالية المتسمة بأهمية استثماراتها الخارجية وضخامة احتياطاتها الرسمية، كما يرى الكاتب صباح نعوش، من موقع “الجزيرة نت”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد