في مارس عام2012، سعى “حزب الله” اللبناني إلى إيجاد مصادر تمويل داخلية وخارجية، لبسط سيطرته الكاملة على المؤسسات الاقتصادية في لبنان، لتحقيق الازدهار والاستقرار معًا في شتى المحافظات التي سيطر عليها بقوة بعد الحرب الإسرائيلية عليه في حزيران يونيو 2007، وبالفعل نجح في ذلك.

ووفقا لصحيفة ” يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية آنذاك، فإن الحزب سيطر على البنوك التجارية في العاصمة اللبنانية بيروت، وعزز من نفوذه على البنك المركزي، وسلطات الضرائب في لبنان من خلال تعيين رجاله في مناصب هامة في هذه المؤسسات.
ولفتت الصحيفة إلى سعي واشنطن خلال السنوات الماضية إلى تجفيف المنابع الاقتصادية لـ “حزب الله” للمساس بقدراته وبشكل كبير، فضلًا عن سعى “إسرائيل” إلى ضم الحزب إلى قائمة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي، ويمارس ضغوطًا من أجل ذلك.

لكن، في الوقت الراهن تغيرت المعادلة كثيرًا، فدخول الحزب للقتال في سوريا إلى جانب النظام السوري، كبده خسائر مالية فادحة، عجز الحزب حينها وحتى الآن عن توفير مستلزماته المالية للمؤسسات والجمعيات والعائلات الموالية له، الأمر الذي دفعه للبحث عن مصادر تمويلية جديدة.

بسبب العقوبات الدولية

وبناءً عليه، فقد أدرك قادة الحزب أنه لا يمكن الاعتماد طويلًا على الدعم الإيراني وعلى الأقل بنفس المستوى الذي كان في الماضي، خاصة وأن قيمة المساعدات السنوية الإيرانية المقدمة إلى الحزب وصلت إلى ما بين 200 إلى 300 مليون دولار، خلال الأعوام الماضية، إلا أن العقوبات الدولية على إيران أدت إلى تباطؤ في عملية نقل الأموال في السنوات الأخيرة.

وفي السياق نفسه، أكدت مصادر لبنانية أواخر الشهر الماضي أن بوادر أزمة مالية تظهر من خلال أداء حزب الله على الأرض اللبنانية، الذي يتأثر بعدة عوامل تصيب موارده المالية.

وأوضحت المصادر أن أبرز تلك العوامل يتعلق بتزايد تكلفة تدخله العسكري في الأزمة السورية، والتقشف الرسمي الإيراني بعد وصول الرئيس حسن روحاني إلى السلطة، بالإضافة إلى الملاحقة الحثيثة التي تقوم بها الولايات المتحدة والدول الأوروبية لمصادر تمويله الخارجية في أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة وأفريقيا، بالإضافة إلى أوروبا.

وقالت المصادر اللبنانية: “إن تعاونًا أوروبيًا – أمريكيًا عالي المستوى يستهدف نشاطات الحزب الخارجية، بهدف تجفيف منابع الدعم الذي يحصل عليه ويعوض من خلاله تناقص الدعم الإيراني نتيجة العقوبات الدولية”.

تناقص كبير

ونقل أيضًا موقع “يقال دوت نت” اللبناني، الذي يعمل من باريس، أن الحزب بدأ يعاني من شح في الأموال، مما دفعه إلى استنهاض شبكات كانت نائمة، وتضم أشخاصًا فاجأوا أجهزة المخابرات، لافتا إلى أن الأجهزة الأمنية في أوروبا أطلقت عمليةً منسقة تهدف إلى منع تهريب الأموال من خلال معابرها الجوية إلى حزب الله في لبنان، وجاءت هذه العملية بعدما اكتشفت أجهزة الأمن في أوروبا نشاطًا غير مسبوق لشبكات مالية، تبيّن أنها مرتبطة بـ “حزب الله”.
وفي الإطار نفسه، كشف موقع أمريكي أنّ الكونجرس الأمريكي بصدَد الإعداد لقانون يفرض عقوبات جديدة على الحزب، عبر قرارٍ يحظر تمويله، وبحسب ملخّص مسوّدة المشروع، فإذا مرر القانون “ستتعرّض قنوات تمويل الحزب لعقوبات جديدة وقاسية، كذلك سيحدّ من قدرته على دعم أنشطة إرهابية حول العالم”.
وتؤكد المصادر اللبنانية أن حلفاء الحزب بدأوا يلمسون تناقصًا كبيرًا في كمية الأموال المخصصة لهم، خصوصًا في الجانب الإعلامي، ما أدى في بعض الحالات إلى اقتطاع أجزاء كبيرة من المخصصات المالية لمن يعمل معهم.

وبدأت بعض هذه الأموال تصل عبر أوراق مالية قديمة، بدلًا من الأوراق الجديدة التي كانت تميز الدولارات التي تصلهم، ما يؤشر إلى أن هذه الأموال بدأت تجمع من لبنان ولا تصل من طهران.

الاستثمار الأقوى

ويعتبر “حزب الله” من أهم الاستثمارات الإيرانية في لبنان، حيث يقدر خبراء ما صُرف عليه من أموال منذ تأسيسه بمليارات الدولارات، علماً أن موازنته التشغيلية بلغت نحو نصف مليون دولار سنويًا، لا تحتسب من ضمنها عمليات التسليح والذخائر التي تصله من إيران عبر سوريا.

وما زاد الأزمة تفاقمًا، هو أن الحزب يقدم تعويضًا يصل إلى 50 ألف دولار لكل عائلة يقتل ابنها في الأحداث الجارية في سوريا، لتشكل أيضًا المؤسسات التابعة لها ثاني ضحية من ضحايا أزمته المالية، فضلًا عن تأثر مؤسسات لأحزاب حليفة يمولها في الوطن العربي، مثل مؤسسات إعلامية تابعة لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني.

وأبلغت “الوطن السعودية” مصادر غربية تقيم في العاصمة اللبنانية بيروت، أن الحزب بدأ يسيّر عملياته الحالية بـ”ربع موازنته المالية”؛ مرجعة الأسباب إلى الزج بمقاتليه في الصراع السوري، خاصة “قوات النخبة”، وتناقص الدعم الإيراني المقدم له خلال الفترة الأخيرة؛ لانشغالها بالملف النووي، إلى جانب التوقف الكلي للدعم الذي كان يتلقاه من نظام بشار الأسد لتركيزه على الحرب الداخلية، واكبها إعراض التجار اللبنانيين المتضررين من عمليات التفجير، التي ضربت مصالحهم بالضاحية الجنوبية مؤخرًا وهي معقل الحزب، واضطرارهم إلى البحث عن مواقع آمنة لاستثماراتهم.
أما النقص في التمويل الإيراني للحزب، فقالت: “إن طهران اضطرت لتقليل الدعم المقدم لحزب الله في لبنان، لانشغالها في تسوية ملفها النووي مع القوى العالمية، هذا بالإضافة إلى وضع التخلي ورفع اليد عن الحزب ضمن أحد الشروط من قبل مجموعة “5 + 1″، لتسوية الملف النووي الإيراني”.”
ويذكر أن الحزب قلص من عملياته، للتركيز “مالياً” على من يصفهم بـ”قوات النخبة”، و”أذرعه الإعلامية”، مما قاده لأن يستغني عن كثير من العمليات التي كان يقوم بها في السابق، ككثافة النقاط الأمنية من مرور وأمن، وعملياته في الداخل اللبناني كالرصد والمتابعة، لصرفه كثيرًا من عناصره، جراء عدم توفر الإمداد، ويسبق ذلك، وضع عدد منهم في الصراع السوري الحالي.

مصادر الحزب المالية

وبالنسبة لمصادر التمويل التي تأتي للحزب، ففي أنجولا الإفريقية البعيدة، تسيطر مؤسسات مرتبطة بحزب الله على سوق العقارات بالتعاون مع النظام المالي الروسي، فتأتي التحويلات إلى لبنان لتعزيز خزينة “حزب الله” كما تحول عبر أوروبا في أحايين كثيرة، إلى جانب المساعدات المستمرة من إيران، ولكن من ميزانية المرشد الأعلى والحرس الثوري وليس من الحكومة مباشرة.

ومن مصادر التمويل أيضا، جمع مساعدات نقدية وعينية من داخل لبنان عبر “هيئة دعم المقاومة الإسلامية”، وكذلك جمعية “الإمداد”، اللتين تقومان بجمع إعانات ومساعدات نقدية وعينية، في مختلف المناطق اللبنانية.
إضافة إلى ذلك، يأتي للحزب مساعدات من التجار اللبنانيين في المهجر، وهم منتشرون في أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وأوروبا وأفريقيا وآسيا وأستراليا، وتشكل مساعدات هؤلاء المهاجرين مصدرًا أساسيًا من مصادر تمويل “حزب الله”، فيما يُعَد مصدر آخر هو “الحقوق الشرعية” التي تجمع من شيعة لبنان بناءً على إجازة من مراجع التقليد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد