نقلًا عن الخليج الجديد

قبل الاتفاق النووي كانت استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران هي الاحتواء. ولا يوجد من يخبرنا الآن ما الذي سوف يحل محل هذه الاستراتيجية. نسمع فقط وابلاً من الحجج والآراء المبسطة السهلة السطحية تدافع عن الصفقة، وتهاجم منتقديها، بل وتتهمهم بأنهم يشجعون الحرب، ويكررون السخرية من مؤيدي الصفقة بطرح للسؤال «الرائج»: ما هو البديل؟

حسنا، لقد حان الوقت لنسأل: ما هو البديل لسياسة الاحتواء المتبعة مع إيران؟ الجواب المتوقع في المناقشة المسيسة الحالية: نضع إيران في قائمة المراقبة. هناك العديد من المشاكل مع هذه الإجابة. أولا: توجد إيران في منطقة على صفيح ساخن ومتقلبة بصورة بالغة. وإيران ليست الجابون أو ليبيريا. ويتطلب هذا الإيقاع استجابات سريعة وأكثر وضوحا. الثانية: كونها في «قائمة مراقبة» ليست استراتيجية. فكل ما في الأمر أنه تلميع لشيء غير موجود أصلا. الثالث: وبالنسبة لجميع كلمات اللوم والانتقاد الرخيصة الموجهة نحو منتقدي الاتفاق النووي، فإنه لا جهود رسمية لشرح وضع العلاقات الجديدة مع إيران في إطار استراتيجية إقليمية واضحة.

وفي منطقة الشرق الأوسط، لا يمكنك أن تدعي أنك تقف على خط «الحياد» الرفيع. وليس هناك شيء من هذا القبيل. لا يمكنك أن تدعي أنك تقف ساكتا ”تراقب“ أولئك الذين هم في قائمة المراقبة الخاصة بك عندما تكون مصالحك الخاصة تحالفاتك المباشرة محل تهديد. درجة الاستقطاب ومستويات التهديد هي تلك التي لا يمكنك تجنب أن يكون لك معها موقفواضح.

وهناك دعوة قادمة من الكويت في هذه اللحظة الحرجة تذكرنا جميعا أن نقاش ما بعد الاتفاق النووي يجب أن يكون خطيرا ومهما. وتحثنا الدعوة على تجنب التحزب والبلاغة الرخيصة والسطحية، ومحاولة اختصار النقاش من خلال إظهار النقاد كدعاة حرب ويرددون السؤال السطحي والمضلل عن «البدائل».

أي واحد في قواه العقلية سيقاوم أي نوع من التحركات نحو حرب أخرى في الشرق الأوسط. فهل النقاد، أو نحن على الأقل، نفضل الحرب؟ بالطبع لا. إن أي حرب جديدة ستكون أكثر كارثية من سابقتيها. كما أننا نعتقد أنه أمر جيد لحرمان إيران من الأسلحة النووية، إن الشخص الذي يرغب في رؤية إيران نووية هو شخص مجنون. وطالما أن إيران لا تمتلك سلاحا نوويا فإن الشرق الأوسط أكثر أمانا.

ولكن لا ينبغي أن تكون هذه هي نهاية أي نقاش هادف، حيث يجب أن تكون هناك نقطة انطلاق. وقد حان الآن الوقت للإجابة: ما هو البديل لسياسة الاحتواء السابقة؟

يجب أن تكون الإجابة الكويتية كبيرة جدا في تأطير هذا النقاش.

خلية الكويت

ولكن في البداية، جاءت مجموعة كلمات بشأن السياق الذي جاءت فيه استجابة الكويت. لقد كان هناك مؤتمر مقترح بين دول الخليج السبع. لقد بدأ المؤتمر، بوصفه فكرة قطرية، وكان من المقرر تقريبا في الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر/أيلول، وكان على موعد من استضافة جميع أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى إيران. ولكن ما جاء بمثابة مفاجأة كاملة، ولا سيما في سياق هجوم ساحر إيراني في الخليج في حقبة ما بعد الصفقة النووية، هو أن الكويت كشفت عصابة إرهابية توسعية تابعة لحزب الله وإيران يوم 12 أغسطس/آب.

وأعلن مسؤولون أمنيون في الكويت في البداية إلقاء القبض على ثلاثة أشخاص. وتحولت الخلية في وقت لاحق لتتسع دائرتها بشكل كبير. وتم العثور على مخبأ كبير للأسلحة مخبأ في غرفة في باطن الأرض. وتم العثور على كمية من المتفجرات، كما ذكرت وزارة الداخلية في الكويت، وهو الأمر الذي أصاب بالذهول. وتم الاستيلاء على ما مجموعه 144 كجم من المتفجرات عالية الدرجة، و19 ألف كيلوجراما من الذخائر والقنابل اليدوية والبنادق وآر بي جي أيضا في غرفة تخزين.

وأعلنت الصحف الكويتية المشتبه بهم أسماء شيعة لبنانيين وكويتيين تابعين لحزب الله والحرس الثوري الإيراني. وتم إرسال قائمة الأسماء إلى السلطات اللبنانية للتحقيق واستكشاف فرص تسليم مشتبه بهم آخرين يقيمون في جنوب لبنان. واعترف المشتبه بهم بأنهم اختاروا مخابئ ضخمة للأسلحة في بقع محددة تحت الماء قبالة ساحل الخليج في الكويت بعد الحصول على مواقع «جي بي إس» من أصحابها.

وبشكل تدريجي، فإن الحجم الحقيقي للخلية خرج إلى النور ليصعق المراقبين والمتابعين للإرهاب وقضاياه، حتى المخضرم منهم. وكانت الوقائع الناشئة عن التحقيق على نطاق واسع لقوات الأمن الكويتية مروعة. وثبت أن عملية تهريب السلاح الى الكويت تعمل منذ أكثر من خمس سنوات بعيدا عن الأنظار ولم يكشفها أحد. وكان ضابط الاتصال بين الخلية والحرس الثوري الإيراني «عبده رضا باقر دشتي» سياسيا كويتيا معروفا وهو مقرب بشدة من البرلماني الإيراني. وبلغ العدد الإجمالي للعملاء في الخلية ما يزيد على مائة، غالبيتهم من اللبنانيين والسوريين والكويتيين. وخططت الخلية لحملة اغتيالات استهدفت السفراء الأجانب والعرب والمسؤولين الكويتيين والسياسيين ورجال الدين وأعضاء في الأسرة الحاكمة.

ويبدو كذلك أن الخلية كانت منظمة تنظيما جيدا وعلى مستوى تمويل عالي. وكانت مصادر تمويل «حزب الله» والحرس الثوري الإيراني والأنشطة الاقتصادية المحلية (ولا سيما ما يعود إلى مجال الصرافة والعملة). وتم تحديد الأهداف، وبحثها وتصويرها، كما تم تأسيس وتحديد مجموعة من المتعاطفين والمتعاونين، وبعضهم في مناصب عليا وحساسة.

وبعد إلقاء القبض على المجموعة، أرسل «حزب الله» مجموعة من مقاتليه إلى السفارة الكويتية في بيروت حيث أحاطت بالسفارة بطريقة لم تكن سرية بالقدر الكافي كما لو كانوا يرسلون رسالة إلى الكويتيين.

ولكن لماذا؟ هذا هو آخر شيء تريد إيران أن تراه في أفق اللحظة الحساسة الحالية. زار «جواد ظريف» الكويت ثلاثة أسابيع فقط قبل أن يتم الإعلان عن اكتشاف عصابة إرهابية. وبينما كان هناك، أعلن «ظريف» في مؤتمر صحافي أن «حسن الجوار والتعاون المتبادل بين الجمهورية الإسلامية والعمل معا لهزيمة الإرهاب أساس لاستراتيجية إيران في الخليج لن تحيد عنها».

ومن المحتمل بالطبع أن الحرس الثوري الإيراني يتحرك وفقا لإيقاع مختلف عن إيقاع «ظريف». وبعد كل شيء؛ فإن قائد فيلق القدس، الفرع الإقليمي للحرس الثوري الإيراني، «قاسم سليماني»، لا يكاد يخفي كراهيته لوزير الخارجية المعقد. ولكن هذا لا يحدث فرقا كبيرا. لقد كان الإيرانيون هم الذين جعلوا وزير خارجيتهم أضحوكة في المنطقة.

وعلى المستوى الدولي، فإن إلقاء القبض على عصابة إرهابية يأتي بمثابة إحراج كبير لإيران فقط في أعقاب توقيع اتفاق نووي. وتثير العصابة الشكوك حول صحة التزام طهران بمكافحة الإرهاب أو لتحسين علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي. والآن … من يستطع أن يضمن أن طهران لن تستخدم الإرهاب على الصعيد الدولي كما اعتادت؟

وكان رد دولة الكويت على اعتقال الوكلاء متوازنا كردها على هجوم ضد مسجد شيعي في يونيو/حزيران الماضي. وفي الواقع، اعتقلت السلطات الكويتية عصابة أخرى، لكن هذه المرة تنتمي إلى «الدولة الإسلامية»، فقط بعد أيام قليلة من إعلان الخبر الأول عن المجموعة التي تعود لإيران وحزب الله. وحافظت السلطات على خط التأكيد أن جميع الكويتيين عازمون على الحفاظ على الوحدة الوطنية. وحذرت السلطات الكويتية بشكل صحيح من أن أي شقوق أو صدوع طائفية داخل الكويت لن يستفيد منها سوى أولئك الذين يريدون الإساءة للبلد. لقد بدا من الواضح جدا أكثر من أي وقت مضى أن أمن دول مجلس التعاون الخليجي تجابهه تحديات لم تكن معهودة من قبل.

آلية انتقامية

وبالعودة الى العصابة الإيرانية وحزب الله، فكما هو معروف في الشرق الأوسط أن إيران قد أنشأت آلية انتقامية قبل توقيع الاتفاق النووي. وتم تعيين هذه الآلية تحسبا لعمل عسكري ضد المواقع النووية الإيرانية إذا تعطلت المفاوضات ولزم أن تتضمن عمليات حيث توجد قواعد عسكرية أمريكية في منطقة الخليج. واعتبرت دول مجلس التعاون الخليجي حلفاء للولايات المتحدة أهدافا لإيران في حالة العمل العسكري.

ما يجب أن يحدث بعد التوقيع على الاتفاق النووي، على افتراض أن إيران لديها إرادة جيدة، هو أن يكون قرار من جانب إيران لتفكيك خلايا إرهابية نائمة في دول مجلس التعاون الخليجي. ولكن من الواضح أن طهران لن تفعل ذلك. وفي الواقع؛ فقد قامت بالعكس تماما. فقبل ثلاثة أسابيع فقط كشفت عن عصابة إرهابية كويتية، فقد أوقفت البحرين قاربا يحمل 44 كيلوجراما من متفجرات «سي 4» وكمية من مدافع رشاشة وذخيرة قادمة من إيران.

ونكرر أن الاتفاق النووي في حد ذاته ليس هو القضية. القضية الحقيقية هي الإطار الاستراتيجي في الشرق الأوسط عندما تم التوقيع على الاتفاق. ويتم تهديد الأمن الإقليمي من خلال التوسع الإيراني المستمر. السعي لتحقيق الأمن في المنطقة لا يمكن اختزاله في معدات عسكرية أو مناورات مشتركة. هناك أحد الجيران الذين يمارسون البلطجة ضد كل الآخرين من حوله، ويهدد أمن ومصالح الولايات المتحدة الحيوية في المنطقة. أنظمة باتريوت والقبب الحديدية لا يمكن أن توقف تكتيكات الحرب غير المتماثلة. وما يمكن أن يوقف هذه التكتيكات هو الضغط الدولي على إيران لتغيير سلوكها. ولكن ما حدث هو مجرد مبادرة الإدارة الامريكية والمجتمع الدولي برفع كافة الضغوط عن طهران بعد توقيع اتفاق نووي مع الإيرانيين. وعلاوة على ذلك، فإنها تعتبر إيران حليفا في العراق يتقاسم قواعد عسكرية مع قواتها ويقوم بتنسيق العمليات العسكرية مع قادته.

وتقوم الإدارة عن عمد بتضليل متعمد للجمهور في عرضها للاتفاق النووي. أي سلاح نووي كان على وشك أن يضر بأمن المنطقة، وسوف يكون الكل أفضل حالا من دون ذلك. ولكن ينبغي أن يكون هذا مجرد نصف حجة. بالنسبة للسلاح النووي، فإنه من حيث المعنى والتعريف هو سلاح. هناك أسباب لماذا يسعى الناس إلى مثل هذه الأسلحة. إذا تم الحفاظ على هذه الأسباب، وإذا كان هؤلاء الذين يسعون لامتلاك ترسانتهم الكاملة بجانب الاستراتيجيات والنوايا ومجموعة من الأهداف، فإنهم كانوا ليفقدوا فقط أداة واحدة، وعلى الرغم من كونها مدمرة، إلا إنها تحافظ على جميع سياساتهم العدوانية. إذا كانت فرنسا، على سبيل المثال، تضيف ذراع نوويا أكثر تطورا إلى ترسانتها النووية أو إذا كانت اليابان لتصنع قنبلة، فمن المعروف أن السياسات الفرنسية واليابانية واضحة. ولذلك؛ فإن السلاح في حد ذاته ليس مسألة مبدأ. والسؤال الرئيسي هو السياق المفسر لمحاولة الحصول عليه.

لقد حان الوقت لتتخلى الادارة عن الطرق التي تستهدف أولئك الذين يقتربون من اتفاق نووي خطير. ينبغي أن يفسر فقط في المدى نوع الاستراتيجية التي ستحل محل سياسة الاحتواء السابقة، وكيف أنها تنوي منع إيران من إيذاء مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط أو إذا ما إذا كان هناك أي استراتيجية لتبدأ؟ أم أن الإدارة قررت التعامل مع طهران بأنها لاعب «طبيعي» مثل الجابون وليبيريا، إن لم يكن حليفا، بينما هو ليس كذلك.

وتكشف الكويت بوضوح طبيعة نوايا إيران. وربما حان الوقت أن الكونجرس الأمريكي يطلب من أجهزة الاستخبارات تقييم التهديد الإيراني لدول مجلس التعاون الخليجي في المنطقة فترة ما بعد الصفقة النووية.

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز – ميدل إيست بريفينج
عرض التعليقات
تحميل المزيد