ميرفت عوف

7

ميرفت عوف

7

3,122

زادت حاجة ميلشيا «حزب الله» لملء الفراغ الذي يتركه مقاتلوها بعد مقتلهم في جبهات القتال في سوريا، فبعد ست سنوات من عمر الانتفاضة السورية أو عمر مشاركة الحزب في القتال بسوريا، كان الاستنزاف كبيرًا لمقاتلي الحزب.

الحزب الذي أصر دائمًا على أنه ملتزمٌ بتكليف شرعي «بألا يذهب أي مقاتل لم يبلغ 18 عامًا إلى سوريا»، بات غير قادرٍ على إخفاء حقيقة تجنيده للأطفال دون الـ18 من العمر للقتال في سوريا، فلم تعد المواقع الموالية له تبالي بما يثيره نشر نعايا لقاصرين يقاتلون في صفوفه، وأصبحت تتفاخر بنشر عقود مبرمة مع آباء وافقوا على أن يقاتل أطفالهم في صفوف الحزب.

«أبو حمدان».. آخر «صغار لبنان» القتلى بسوريا

ملامحُ بريئة، وابتسامةٌ جميلة، تركها الطفل مهدي أبو حمدان، ذو الـ16 من العمر، في صورة سيلفي تناقلتها وسائل الإعلام بعد مقتله في سوريا إثر تجنيده من قبل ميلشيا «حزب الله» للقتال هناك، قتل «أبو حمدان» قبل أيام مع طفلٍ آخر في ذات عمره يدعى «محمد حسين علي الهق» من بلدة الكواخ البقاعية (الهرمل).

تشييع الطفل مهدي أبو حمدان (المصدر: موقع العهد الإخباري).

لم يترك الحزب لهذا الفتى فرصة لعيش فرحة النجاح بشهادة المدرسة الأخيرة التي خرجت نتائجها بعد مقتله، لقد حمل «أبو حمدان» سلاحًا وذهب ليخوض معركة في مكانٍ بعيد، ربما لم تطأه قدمه من قبل، قدم حياته ليكتب نعيه بلسان أنصار حزب الله، أنه «بمزيد من الفخر والاعتزاز تزف المقاومة الإسلامية إلى حضرة صاحب الزمان (عج) وشعبها المعطاء فارسًا من فرسان زينب (ع) الشهيد المجاهد مهدي حسان أبو حمدان من بلدة تعلبايا البقاعية».

حيث لا يرى الحزب في مقتل هؤلاء الأطفال إلا قيامًا «بواجبهم الجهادي المقدس في التصدي لمرتزقة الكفر والوهابية» كما تذكر المواقع الإعلامية الموالية للحزب، إذ نشرت أيضًا إحدى الشبكات الموالية للحزب قائلة: «بالله عليك علمنا كيف عبرت؟ وأنت قمر ابن ١٦ عامًا فزدتنا فخرًا.. علمنا بعضًا من دروس الشهادة لعلنا نتعلق بحرف منها فتأخذنا إليك».

صكُّ بيعٍ للطفل

«نسمح ونجيز لولدنا محمد مهدي أن يقدم روحه ونفسه في محراب الله تعالى، ولا مانع لدينا بأي وجهٍ من الوجوه، وراضون بكل النتائج حتى الشهادة»، ذلك ما جاء في عقدٍ أبرمه ذوو الطفل القتيل سابق الذكر «محمد مهدي أبو حمدان».

عقد مبرم مع ذوي أبو حمدان (المصدر: موقع كلنا شركاء).

وهي الصيغة المعتادة التي يبرمها الحزب مع من يريد على أن يقاتل في صفوفه، ليعد ذلك صكّ بيعٍ للطفل الذي غالبًا ما يكون فقيرًا حتى يعود في نعشه إلى أهله من سوريا، وتعدُّ هذه العقود بمثابة أدلة تؤكد على سياسة زج «حزب الله» بمقاتلين أطفال إلى ساحات القتال، وعدم التزام الحزب بما ألزم نفسه به أن لديه «تكليفًا شرعيًا بألا يذهب أي مقاتل لم يبلغ 18 عامًا إلى سوريا».

ويؤرخ المتابعون – حسب موقع «ناو» اللبناني الذي يبثُّ باللغة الإنجليزية – إلى يوم قتل فيه الطفل «محمد علي حسين عواضة»، ذو الـ16 من العمر في منطقة الحدود اللبنانية السورية «القلمون» يوليو (تموز) 2014، كتاريخ تأكد فيه أن الحزب يزح بالأطفال للقتال في سوريا، مخالفًا اتفاقية الأمم المتحدة التي تؤكد على منع زج من هم تحت سن 18 عامًا إلى ساحات القتال، كما اشتهر بعد ذلك مقتل الطفل ذي الـ15 عامًا «مشهور شمس الدين»، الذي قتل أيضًا في معركة القلمون، بينما قال الحزب إنه قتل في حادث محزن جنوبي لبنان، لترصد العديد من الصور لمن هم دون الـ18 بالأسماء وتواريخ القتل وصور التشييع وصور اللباس العسكري مدججين بالأسلحة، وقد شهدت معركة القلمون لجوء الحزب لاستدعاء طلاب الثانوية للقتال بعد خسائره البشرية هناك.

حزب الله ينعي طفلًا قتيلًا (المصدر: موقع كلنا شركاء).

يذكر أن القانون الدولي يحظر تجنيد من هم دون سن الـ18، لا سيما من قِبل المليشيات غير التابعة للدولة، مثل حزب الله، وجاء في المادة الرابعة من البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل حول اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة، المتعمدة في عام 2000، أنه «لا يجب على الجماعات المسلحة المستقلة عن القوات المسلحة في الدولة، تحت أي ظرف من الظروف، أن تقوم بتجنيد أو استخدام الأطفال دون سنّ الـ18 في الأعمال العدائية».

كما تنصُّ المادة أيضًا على أنّه «يجب على جميع الأطراف اتخاذ التدابير الممكنة كافة لمنع هذا التجنيد والاستغلال، بما في ذلك اعتماد الإجراءات القانونية اللازمة لحظر وتجريم هذه الممارسات».

«كشافة المهدي».. مدرسة تلقين للأطفال

يستخدم «حزب الله» الأطفال للقتال في سوريا، بعد أن يتم تدربهم تحت مسمَّى (الكشافة)، إذ يتم اختيار الطفل عندما يكون في عمر ثماني إلى عشر سنوات لهذه الكشافة، ثم تتكثّف جهود الحزب معه عندما يصبح بين 15 – 17 من العمر.

نسوة من حزب الله خلال تشييع قتلاه.

في مؤسسة «كشافة المهدي» التي أنشئت في العام 1985 تتم عمليات تعبئة طائفية في أفواج، وذلك بعد أن يكون الحزب قد استكمل عملية «غسيل الدماغ» التي يتعرَّضُ لها الطفل، وتشعب من التلقين الطائفي للدين وفق النظرة الفارسية أو كما يسميه المفكر الإيراني علي شريعتي بـ«التشيّع الصفوي»، كما يقول الباحث في منظمة البحوث الاستراتيجية الدولية (أوساك) «علي حسين باكير»، موضحًا: «بعدها يصبح العضو في خدمة الواجب الجهادي المقدس، أي في خدمة أوامر الولي الفقيه حيث يتحول الإنسان إلى مجرد آلة يتلقى التعليمات لينفذها، أو كما كان زعيم الحشاشين يفعل بأتباعه عندما يأمرهم بأن يلقوا بأنفسهم من مرتفع شاهق فيفعلون دون تردد».

ويشير «باكير» إلى أنّه: «لدى حزب الله العديد من المؤسسات التعليمية والاجتماعية والاقتصادية والدينية عدا عن تلك السياسية والعسكرية، وهذه كلّها مؤسسات يتم فيها استقطاب وتجنيد وتدريب العناصر التابعة له فيها منذ الصغر، شأنه في ذلك شأن كافة الأحزاب التوتاليتارية التي سبقته»، مضيفًا: «مكمن خطورة هذه المؤسسات في أنها تعمل أولًا وأخيرًا على تغيير توجهات وانتماءات البيئة الشعبية التي تعمل في إطارها لتصبح تابعة للولي الفقيه الإيراني».

العقوبات الأمريكية تدفع الحزب نحو تجنيد الأطفال

تمضى الولايات المتحدة بمزيدٍ من العقوبات على «حزب الله» ومؤسساتها ورجالها، حتى أصبحت تلك العقوبات تشمل الآن حسب مسودة قانون 2017، حلفاء الحزب السياسيين، مثل حركة أمل التي يتزعّمها رئيس مجلس النواب «نبيه بري»، بل تشمل التعديلات الأخيرة توسيع نطاق العقوبات لتشمل أي وكالة أو أداة تابعة لدولة أجنبية تقدم مساعدة أو رعاية أو دعمًا ماليًا للحزب.

دعاية لحزب الله وحلفائه.

ما تتخذه الولايات المتحدة ضد الحزب يزيد الخناق عليه، فأزمته المالية بدأت واضحة، إذ يشهد تراجعًا على المستوى الإداري والمالي والعسكري، الأمر الذي يفقده العديد من عناصره، وحتى مموليه، فقد تراجع رجال أعمال شيعة من الذين دأبوا على تمويله، خوفًا من العقوبات الأمريكية، في حال مواصلة الدعم للحزب.

ويظهر تقرير أعده موقع «لبنان الجديد» أنَّ منطقة البقاع التي تعدُّ الخزّان البشريّ للحزب، لم يعد رجالها يستجيبون عند فتح باب الانتساب للتجنيد، فلم تغرِ الحوافز المقدمة من الحزب إلا 150 شخصًا من أصل 600 عنصر جديد طالب بهم الحزب، ويعزي أسباب تمرد وامتناع المؤيدين وأفراد التعبئة عن الانضمام إلى تشكيلات الحزب القتالية حسب تقرير الموقع اللبناني إلى: «بروز حالة شعبية رافضة لتورط الحزب في أحداث المنطقة بشكلٍ عام، وفي سوريا بشكلٍ خاص»، وقد ربط مراقبون أزمة الحزب في التجنيد بمحاولته الاستعاضة عن المقاتلين البالغين بقاصرين لسدّ النقص لديه.

يقول الباحث في منظّمة البحوث الاستراتيجية الدولية (أوساك) «علي حسين باكير»: «من الطبيعي أن يعاني الحزب من استنزافٍ رهيب في الداخل السوري فهو في النهاية يمثّل أقلّية طائفية، ويحتل أرضًا ليست أرضه وفي بيئة تنفر منه ومن مرجعيته وفوق هذا لا يمتلك الدافع الأخلاقي لحربه المعلنة على الشعب السوري» مضيفًا : «إن الحزب يعمد منذ فترة إلى تسريع عمليات تدريب وتأهيل الأطفال ويقوم بالزج بهم في مواقع أقل أهمية خلف المحترفين. لكن ومنذ العام الماضي، بدأ الحزب يضخ دفعات من المقاتلين الأطفال الذين لا تزيد أعمارهم عن 16 عامًا للقتال في سوريا في مواقع تعرّضهم إلى القتل المباشر».