تُعرِّف مليشيا «حزب الله العراقي» نفسها بأنَّها «تشكيل جهادي إسلامي مقاوم»، يرى في ولاية الفقيه الطريق الأمثل لتحقيق حاكمية الإسلام في «زمن الغيبة» أي غيبة المهدي بحسب اعتقاد المذهب الشيعي، وتؤمن هذه المليشيا بأنَّ «الإنجاز العظيم في تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران» مرحلة أساسية في التمهيد لـ«دولة العدل الإلهي» وصورة من صور حاكمية الإسلام وولاية الفقيه.

لكن من هي هذه المليشيا وكيف نشأت ومن هم جنودها وقادتها وممولوها؟ 

ماذا تعرف عن القوة الصاروخية التي أصبح «حزب الله» يملكها في لبنان؟

 

«حزب الله العراقي».. ذراع إيرانية جديدة في بلاد الرافدين

قبل تأسيس مليشيا «حزب الله العراقي» عام 2007 كانت الفصائل المسلحة المدعومة من إيران تنشط في بغداد والمحافظات الجنوبية، فبالإضافة إلى مليشيا «بدر» الجناح العسكري لـ«المجلس الأعلى الإسلامي»، وكذلك «جيش المهدي» التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، كانت هناك مليشيات ناشئة للتو هي: «لواء أبو الفضل العباس» و«كتائب كربلاء» و«كتائب زيد بن علي» و«كتائب علي الأكبر» و«كتائب السجاد» تمارس أعمالًا مسلحة في العراق بدعم إيراني وبإشراف من «حزب الله اللبناني» وتحديدًا من أحد أبرز القادة العسكريين للحزب وهو عماد مغنية الذي قُتل في غارة إسرائيلية بسوريا عام 2015. 

عام 2007 توحدت الفصائل الخمسة تحت راية واحدة واتخذت لنفسها اسم «كتائب حزب الله» وبدأ نشاطها أولًا في محافظات العراق الجنوبية مثل العمارة والناصرية والسماوة ثم امتد نشاطها إلى بقية محافظات العراق وتعداه إلى سوريا، حيث تعتقد هذه الكتائب أنّها ملزمة في الدفاع عن ولاية الفقيه في كل مكان وليس في العراق وحسب.

Embed from Getty Images

لوحة إعلانية بمناسبة مرور 40 يومًا على قتل عماد مغنية، بغداد، 2008

لا تُعرف هوية الأمين العام لكتائب «حزب الله العراق» لكنَّه شخص يكنى «أبو كاظم» وتُقلد المليشيا المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، كما أن الهيكل الإداري أو العسكري لهذه المليشيا يُعد لغزًا بخلاف بقية المليشيات الشيعية في العراق، ومن أجل هذا فقد ادعت أحزاب ومجاميع مسلحة ارتباطها بكتائب «حزب الله العراق» مثل «كتائب حزب الله -الجند المكين في الناصرية-» وكذلك «كتائب حزب الله- الثائرون»، و«كتائب حزب الله الغالبون»، و«كتائب حزب الله المتين»، و«كتائب حزب الله المختار»، و«كتائب حزب الله النبأ العظيم»، و«كتائب حزب الله الفتح المبين»، و«كتائب روح الله»، و«كتائب الأشتر». 

كذلك فقد ادعى رجل الدين الشيعي المثير للجدل واثق البطاط أنّه الأمين العام لـ«كتائب حزب الله العراق» لكنّ وفي بيان أصدرته المليشيا عام 2012 نفت ذلك ووصفت البطاط بأنه «مختل عقليًا». 

الأهداف المعلنة لمليشيا كتائب «حزب الله» بحسب تعريف المليشيا لنفسها هي: «إفشال المشروع الأمريكي في المنطقة، بإلحاق الهزيمة بالاحتلال وطرده من العراق منكسرًا ذليلًا. واستعادة سيادة العراق وتمكين جميع أبنائه من حقوقهم».

وللمليشيا ثوابت أيضًا هي: «مجاهدة الاحتلال حتى طرد آخر أمريكي من العراق. وتحريم دم العراقيين من المدنيين وأبناء الأجهزة الأمنية والتماس الأعذار لهم عن كل موقف سلبي والحكومة العراقية القائمة هي حكومة تحت الاحتلال وهي أفضل من الاحتلال لأبناء الشعب مما يستوجب عدم التعّرض للحكومة وأجهزتها»، بحسب ما تصف به نفسها.

انتهاكات بالجملة.. وإيران ترد: «القرار في لبنان لا طهران»

أسست كتائب «حزب الله» عام 2011 «جمعية كشافة الإمام الحسين» والهدف من ذلك تدريب الأطفال وتجنيدهم للقتال في صفوف المليشيا، وقد أبرمت الجمعية اتفاقًا مع «جمعية كشافة الإمام المهدي» اللبنانية، يقضي بإرسال الأطفال العراقيين إلى معسكرات تدريب في مدينة الخميني الكشفية بلبنان، ومن ثم إرسالهم أيضًا إلى معسكرات تدريب في إيران.

وتروّج كتائب «حزب الله» لأهدافها وعقيدتها من خلال نوافذ إعلامية مرئية ومقروءة ومسموعة، فهي تمتلك قناة فضائية باسم «الاتجاه» وكذلك إذاعتي «الاتجاه» و«الكوثر» بالإضافة إلى صحيفة «المراقب العراقي» اليومية.

وللمليشيا مؤسسات أخرى تعليمية ونسوية تهدف كما تقول إلى «نشر ثقافة الإسلام المحمدي الأصيل» وهي: «هيئة المساجد والحسينيات» و«مركز الهدف للدراسات» و«مؤسسة الزينبيات»، و«مؤسسة النخب الأكاديمية»، و«مؤسسة السُبل الواضحة».

تنشط كتائب «حزب الله» في الكثير من المحافظات العراقية وأهمها، في الجنوب: البصرة والنجف والعمارة والناصرية والسماوة وبابل. كذلك لها وجود فعّال في العاصمة العراقية بغداد، وتنشط كذلك في محافظات ديالى وصلاح الدين وبعض المناطق في محافظة الأنبار مثل منطقة بزيبز والرحالية وناحية النخيب الحدودية مع السعودية.

منطقة جرف الصخر التابعة لمحافظة بابل والواقعة بينها وبين بغداد تُعدُّ من أكثر مناطق النفوذ والسيطرة لدى المليشيا، المتهمة بارتكاب جرائم قتل وتغييب قسري بحق السكان (السُنّة) وتجريق مناطقهم وبساتينهم ومنعهم من العودة إليها منذ عام 2014 وحتى الآن.

وجرف الصخر الخاضعة بالكلية لسيطرة مليشيا «حزب الله» والخارجة تمامًا عن سيطرة الدولة ونفوذ الحكومة العراقية تحولت إلى مركز عمليات عسكرية وسجون سرية يقبع فيها آلاف المدنيين المختطفين على يد تلك المليشيا من محافظتي الأنبار وصلاح الدين، حيث يبلغ عدد المختطفين من الأنبار وحدها 5 آلاف مدني، ونحو 4  آلاف آخرين من محافظة صلاح الدين.

وفي عام 2017 وبعد ثلاث سنوات على استعادة جرف الصخر من تنظيم «داعش» واستحواذ «مليشيا حزب الله» عليها، عقد نائب رئيس الجمهورية حينها إياد علاوي مؤتمرًا صحفيًا ذكر فيه أنَّ ملف إعادة النازحين إلى جرف الصخر يخضع لقرار سياسي من لبنان، وكشف عن محادثات شخصية دارت بينه وبين نائب قائد «الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس وكذلك زعيم مليشيا «بدر» هادي العامري وذكر إياد علاوي إنَّ أحدهما أكد له أنه ذهب إلى طهران من أجل حل مشكلة جرف الصخر لكنَّ الحكومة الإيرانية أبلغته أن القرار ليس في طهران وإنما في لبنان، في إشارة إلى «حزب الله اللبناني». 

في أواخر شهر يوليو (تموز) عام 2019 صدر كتاب من صحة بابل موجه إلى بلديتها تطلب فيه الصحة دفن 31 جثة مجهولة الهوية بعد تجاوزها المدة القانونية لحفظها في ثلاجات الموتى (أربع سنوات) وردًا -بكتاب آخر- استجابت بلدية بابل لكتاب مديرية الصحة على أن تُعطى الجثث لجمعية تدعى مؤسسة «فاطمة الزهراء الخيرية» حيث تتولى هذه المؤسسة دفن الجثث في محافظة كربلاء.

الموضوع أثار ردود فعل غاضبة خاصة من نواب «المدن السنية» الذين رأوا أنَّ الجثث معلومة الهوية وهي لمختطفين من المناطق السُنيّة المستعادة من تنظيم داعش، وأنّ هذه الجثث عُثر عليها قرب جرف الصخر الخاضعة لسيطرة كتائب «حزب الله»، وحكومة بابل المحلية تريد التستر على الأمر، خاصة وأنها لم تمنح الفرصة للجهات المتخصصة في التحقق من هوية الجثث قبل دفنها. 

وليست هذه المرة الأولى التي يُعثر فيها على جثث مجهولة الهوية قرب جرف الصخر، فقد سبقتها أيضا حادثة مشابهة حيث عثرت السلطات على 51 جثة في نفس المنطقة تضم رجالًا ونساءً وأطفالًا بعضهم مقطع إلى أجزاء وقد وضعوا جميعًا في أكياس بلاستيكية وصناديق فاكهة.

ويمد نظام الأسد بالمقاتلين أيضًا

مثل الكثير من المليشيات العراقية، فكتائب «حزب الله العراقية» متورطة في القتال إلى جانب النظام السوري في سوريا، بالإضافة إلى الدعم اللوجستي من مليشيا «حزب الله اللبناني» التي تقاتل في سوريا أيضًا.

منطقة أبو الشامات في ريف دمشق، وكذلك مطاري الضمير والسين العسكريين في ريف دمشق وامتداد طريق بغداد – التنف والغوطة الشرقية بالإضافة إلى منطقة «السيدة زينب»، كانت وما تزال خاضعة لكتائب «حزب الله» العراقية، بمشاركة مليشيات أخرى كـ«مليشيا بدر» و«عصائب أهل الحق» و«جيش المهدي».

وقد بدأت كتائب «حزب الله» القتال في سوريا عام 2013، حيث تتهم بارتكاب جرائم حرب ضد السكان المحليين في حي جوبر وكذلك حصار الغوطة الشرقية خلال قصفها بالأسلحة الكيماوية من قبل النظام عام 2013.

تطلق كتائب «حزب الله» العراقية على قتلاها في سوريا لقب «شهداء العقيدة والكرامة» وفي موقعها على «الإنترنت» تنشر المليشيا صور قادتها الذي قتلوا في سوريا أمثال أبو مسلم المطيري وهو قائد ميداني في سوريا يُلقَّب بـ«مغنية العراق» وشارك في القتال في محيط دمشق والغوطة الشرقية، وأعلنت الكتائب عن مقتله بتاريخ 3 سبتمبر (أيلول) 2013 في الغوطة الشرقية وشيع في بغداد مع اثنين من مقاتلي الكتائب. 

وعام 2014 أصدرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» دراسة أحصت خلالها أعداد المليشيات الشيعية المقاتلة في سوريا، وخلصت إلى أنَّ 35 ألف مقاتل على الأقل يقاتلون في سوريا، وأنَّ أغلبهم من العراق ولبنان وإيران وأفغانستان.

Embed from Getty Images

جنازة في مدينة النجف لأحد عناصر مليشيا حزب الله العراقية الذي قُتل في سوريا عام 2014

عام 2009 أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية كتائب «حزب الله العراقي» على لائحة الإرهاب ومعها أدرجت النائب في البرلمان العراقي حينها جمال جعفر الملقب (أبو مهدي المهندس) الذي يشغل حاليًّا منصب نائب قائد «الحشد الشعبي»، وقالت وزارة الخزانة الأمريكية أن مليشيا «حزب الله العراقية» والمهندس يشكلان خطرًا أمنيًا في العراق، حيث نفذت أعمال عنف ضد قوات الأمن العراقية، كما هاجمت بالقنابل والصواريخ القوات الأمريكية بين عامي 2007 و2008، وأضافت الوزارة أن كتائب «حزب الله» تحصل على التمويل والتدريب من «فيلق القدس الإيراني».

بالإضافة إلى التمويل الإيراني فإنَّ كتائب «حزب الله» تعتمد على أنشطتها الاقتصادية في جمع المال من مؤسساتها التي تأخذ طابعًا ثقافيًا ودينيًا، وهي أيضًا تمتلك شركات تحويل مالي في مدينة كربلاء، وشركات سياحة دينية تجلب الزوار من داخل وخارج العراق إلى الأضرحة الشيعية المقدسة في النجف وكربلاء وسامراء وبغداد.

Embed from Getty Images

مؤخرًا وبعد التوتر الحاصل بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت واشنطن باستهداف أذرع الحرس الثوري في العراق وسوريا، ففي 19 يوليو (تموز) 2019 قصفت طائرة مسيرة قاعدة لكتائب «حزب الله» في قضاء آمرلي شمال شرق محافظة صلاح الدين، وأسفر القصف عن قتل ثلاثة أشخاص، اثنان منهم إيرانيان.

القصف لم يكن يتيمًا ضد كتائب حزب الله، ففي التاسع من سبتمبر 2019 استهدفت طائرات مسيرة مواقع تابعة لمليشيات عراقية في البوكمال السورية الواقعة على الحدود مع العراق، ليتبين فيما بعد أنَّ القصف استهدف كتائب «حزب الله»، وكتائب «النجباء» وقد أوقع ستة قتلى و17 مصابًا.

«وجهان لعملة واحدة».. هل استجارت الموصل من رمضاء «داعش» بنار «الحشد الشعبي»؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد