عند مقارنته بالدول العربية الأخرى، يوصف لبنان دومُا بأنه بلد الحريات، تبث على قنواته الفضائية البرامج اللاذعة سياسيًا، وتنشر صحفه تقارير بهامش حرية كبير، بينما ينتقد اللبنانيون ساستهم بأريحية أكثر من غيرهم.

اليوم يعيش السوريين في لبنان وضعًا خطيرًا ناجمًا عن ظروف سياسية عدة؛ حيث شهدت مخيمات عرسال حملات قام بها الجيش اللبناني، وأسفرت عن مقتل ما يقرب من عشرة سوريين، بعضهم توفى تحت التعذيب في السجون اللبنانية، وما أن خرجت الأصوات اللبنانية المعارضة التي تستنكر الزج بكل اللاجئين في تهمة «الإرهاب»، وما خلف ذلك من انتهاكات، حتى كان الرد الرسمي هو الاعتقال والملاحقة وتكميم الأفواه.

التعبئة ضد «الإرهاب» أول طريق قمع الحريات

«دهس طفلة، ومداهمات، وتنكيل باللاجئين، وقتل عشوائي، واعتقالات بالمئات، وإجبار الناس على العودة إلى سوريا بالقوة. مزبلة ميشال عون وقوات مسلحة تلتحق بفاشية حزب الله وأحقاد بقايا المارونية السياسية»، كان هذا جزء مما كتبه الصحافي اللبناني «فداء عيتاني» على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك استنكارًا للسياسة اللبنانية تجاه اللاجئين السوريين في عرسال، والتي أدت لمقتل أكثر من 20 سوريًا، واعتقال المئات منهم.

الصحافي اللبناني «فداء عيتاني» (الفيسبوك)

استدعي «عيتاني» المؤيد للثورة السورية إلى مكتب مكافحة «الجرائم المعلوماتية» قبل أن ينضم لحملة التضامن مع السوريين التي أطلقها عدد من اللبنانيين، وقد اعتبر توقيف «عيتاني» قرارًا سياسيًا، إذ شهد لبنان حالة من القمع من قبل المؤسسة العسكرية على خلفية عمليات الدهم في مخيمات عرسال، والتضامن مع الضحايا السوريين، وشاعت شعارات من نوع «الضرب بيد من حديد» و«البوط العسكري» كإنذار للتعبئة ضد الإرهاب، لتحول في نظر الكثيرين إلى مبررات للقمع الداخلي والقضاء على بقايا الحريات العامة.

المنشور الذي اعتقل بسبب «عيتاني»

يقول الصحافي، عبد الرحمن عرابي: «تردّت حالة الحريّات العامة في لبنان بشكلٍ كبير خلال السنوات الماضية، فازداد عدد الاستدعاءات والتوقيفات لناشطين وصحافيين عبّروا عن آرائهم من خلال وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، وهو واقع يكاد يتحول إلى أمر عادي في بلد لطالما تفاخر بكونه نافذة الحرية بين البلدان العربية، وساهمت الأحزاب الأكثر تمثيلًا شعبيًا في تحويل جماهيرها إلى أداة لرجم أصحاب الآراء المُخالفة»، ويتابع القول في تقرير نشر في موقع «العربي الجديد» تحت عنوان: «السيف في الزنزانة… مصير متجاوزي الخطوط الحمر»: «على ما يبدو فإن وضعية السيف (النوم على الجنب في الزنزانة بسبب ضيق المساحة وكثرة الموقوفين)، ستكون مصير من يحاول التعبير عن رأيه في لبنان، وهي الوضعية التي استخدمها الصحافي فداء عيتاني للنوم في الزنزانة، التي سأله الموقوفون فيها عن مصير الصحافة في لبنان، إذا أصبح الصحافيون زملاء زنزانة».

«الستاتوس مش جريمة»

شاهد الناشط اللبناني الشيعي «باسل الأمين»، حلقة من برنامج لبناني لـ«الكاميرا الخفية» على قناة (otv) تم فيها إهانة عامل سوري، فاستشاط غضبًا، وكتب على صفحته على فيسبوك: «صرماية اللاجئ والعامل والمواطن السوري بتسوى جمهوريتكم وأرزكم ولبنانكم ويمينكم واستقلالكم وحكومتكم وتاريخكم وثورتكم ورؤساكم.. شو فهمنا؟»

الناشط الإعلامي «باسل الأمين» (الفيسبوك)

أدرك «الأمين» خطورة ما كتب، فاضطر إلى حذف منشوره السابق بعد ساعة من نشره، لكن ذلك لم يشفع له عند مكتب مكافحة الجريمة الإلكترونية، الذي عجل لتوقيفه على خلفية المنشور المحذوف، باعتبار أن ما كتبه «تحقيرًا للأرز والوطن»، حينها تضامن مئات الناشطين اللبنانيين مع باسل لأمين، عبر هاشتاغ «الستاتوس مش جريمة»، تعقب الصحافية «سلوى فاضل» على هذه القضية بالقول : «ثمة إهانات كثيرة تعرّض لها رمز الوطن مؤخرًا، قبل هذه الحادثة، ولم نسمع بأي استدعاء أو سؤال لهؤلاء من قبَل المهانينن أنفسهم، حين عرضت شركة (AISHTI ) العالميّة في مناسبة عيد الاستقلال في 22 يناير (كانون الثاني) ما يُعتبر احتقارا وإهانة للعلم والشعب اللبناني، إذ تم نشر علم لبنان مستبدلًا بالإرزة الخضراء اسكربينة نسائية، واستبدلت باللونين الأحمرين اللذين يرمزان إلى دم الشهداء بوطًا نسائيًا أحمرّ«.

وتتابع سلوى في مقالها المعنون بـ«الكيل بمكيالين بين قضية باسل الأمين وشركة AISHTI» على موقع «جنوبية»: «لم يتم استدعاء أي شخص من هذه الشركة لمحاسبته؟ ولم تتحرك وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي هيجت وأثارت البلد بأمه وأبيه بسبب ستاتوس باسل الأمين إنه بلد العجائب بامتياز».

يذكر أن مدير المؤسسة اللبنانية للديمقراطية وحقوق الإنسان »نبيل الحلبي»، اعتقل في العام الماضي على خلفية منشورات على فيسبوك، اتهم فيها مسؤولين بوزارة الداخلية اللبنانية بالتواطؤ مع أشخاص لهم صلة بالإتجار الجنسي بنساء سوريات، حيث اقتحم منزل الحلبي وتم اعتقاله بعد دعوى قدح وذم تقدم بها وزير الداخلية «نهاد المشنوق» ضد الحلبي.

 «حزب الله» وراء ارتفاع منسوب القمع في لبنان

يرجع المحامي وعضو هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير في سوريا «ميشال شماس» تراجع الحريات في لبنان إلى سيطرة النظام السوري على لبنان ومصادرة قراره السياسي، فحين حاول اللبنانيون استعادة قرارهم بعد انسحاب الجيش السوري، وبرز عدد من الشخصيات الوطنية اللبنانية الداعمة للحريات ولاستقلال لبنان تم استهدافهم واغتيالهم وفي مقدمتهم الشهيدين سمير قصير وجورج حاوي.

رئيس الوزراء اللبناني الراحل، رفيق الحريري

ويؤكد «شماس» لـ«ساسة بوست» أنه مع تعاظم القوة العسكرية لـ«حزب الله» وتفوقها على قوة الدولة اللبنانية، وسيطرته وتحكمه بالمفاصل الأساسية للسياسة في لبنان، كان من الطبيعي أن تتراجع الحرّيات في لبنان، موضحًا: «لا شك أن حزب الله يقف وراء تراجع الحريات وارتفاع منسوب القمع في لبنان، وله مصلحة في ذلك فهو حزب شمولي في النهاية لا يؤمن بالحريات ولا بحقوق الإنسان»، ويشدد «شماس» على أن الحزب هو من يقف خلف الأحداث الأخيرة التي شهدتها مخيمات اللاجئين في لبنان ويحاول التعتيم عليها من خلال تخويف النشطاء وجرجرتهم إلى المحاكم لمنع تنامي حالة التضامن بين اللبنانيين مع قضية اللاجئين، ويضيف: «بالرغم من ذلك فما زال هناك لبنانيون يرفضون تلك الممارسات العنيفة التي تطال اللاجئين، بالرغم من تصاعد القمع والتخويف».

إرث القمع من حافظ الأسد إلى إيران و«حزب الله»

تجند الأحزاب الموالية للسلطة في لبنان جيوش إلكترونية كاملة، مهمتهما مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي، ومن ثم ترهيب الناشطين أو استدعاؤهم رسميًا من (مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية) التابع لقوى الأمن الداخلي اللبناني.

احتجاجات ضد اعتقالات قام بها الجيش اللبناني

يعود بنا الصحافي السوري، فراس ديبة إلى الحرب الأهلية اللبنانية، وقت بدأ لبنان يدخل في نفق مظلم تدريجيًا، اتجاه هذا النفق عكس الحريات؛ حيث أصبح الاختلال السياسي والتصفية على الهوية جزء من ثقافة الحرب الأهلية، ويقول: «ما زاد تكريس القمع هو احتلال حافظ الأسد للبنان، فمع دخول جيش الأسد الأب للبنان وتوقيع اتفاقية الطائف التي وضعت لبنان تحت الوصاية الأسدية المباشرة، أدى ذلك إلى خنق الحريات رويدًا رويدًا وبكافة الطرق المعهودة لنظام الأسد كان يتم التعامل مع أصحاب الرأي الأحرار في لبنان».

ثم بعد خروج سوريا من لبنان بشكل كامل، سرعان ما استخدمت إيران والأسد و«حزب الله» أدواتهم لقمع الحريات، موضحًا لـ«ساسة بوست» أنه: «في ظل تصاعد مشروع التوسع الإيراني في المنطقة بشكل عام قويت شوكة «حزب الله» أكثر وأصبح يكشف عن وجهه الحقيقي حتى داخل أجهزة لبنان، وبالتالي أصبحت تغريدة لكاتب صحافي حر مثل فداء عيتاني تستدعي التوقيف وخروج أمر قضائي في حقه من أجل التغريدة».

المصادر

تحميل المزيد