أثارت الصفقة التي أجراها “حزب الله” اللبناني و”الجيش الحر” السوري، حفيظة الحكومة اللبنانية، وأهالي الجنود العسكريين المختطفين لدى مجموعات مقاتلة في سوريا مثل “داعش” منذ آب /أغسطس الماضي، في ظل تعثر المفاوضات بين الحكومة اللبنانية وبين المسلحين السوريين بشأن إتمام الصفقة لأسباب عدة، يأتي على رأسها معارضة حزب الله.

وكان “حزب الله” قد أنجز بعد مفاوضات استمرت لبضع أسابيع، صفقة تبادل قضت بإطلاق أحد عناصره الذي كان قد أسر خلال مواجهات مع الجيش الحر في المنطقة الحدودية مع سوريا مقابل اثنين من عناصره، في أول تطور من نوعه يجري الإعلان عنه رسميا، منذ اندلاع أحداث الثورة السورية عام 2011.

وحسب جريدة الأخبار اللبنانية، فإن عملية التبادل التي أجراها “حزب الله”  لتحرير الأسير عماد عياد، مقابل إطلاق سراح أسيرين من عناصر الجيش الحر كانا لدى الحزب، فيما كان عياد محتجزا لدى إحدى فصائل الجيش الحر، لافتة إلى أن الحزب لا يزال يحتجز أعدادا كبيرة من عناصر الجيش السوري الحر.

وتأتي هذه المبادلة، في ظل استمرار التفاوض “المتعثر” بين الدولة اللبنانية وبين “النصرة” و”داعش”، بشأن تحرير العسكريين اللبنانيين المخطوفين، حيث تخضع المفاوضات إلى تجاذب وتأرجح في ظل استمرار اعتصام أهالي العسكريين قبالة السراي الحكومية للضغط على الحكومة.

أزمة العسكريين المختطفين

تعود قضية العسكريين اللبنانيين المختطفين إلى آب/أغسطس الماضي، حيث كانت بلدة عرسال الحدودية اللبنانية قد شهدت قبل أشهر مواجهات قاسية بين الجيش اللبناني وجماعات سورية مسلحة قامت بالسيطرة على أحياء من البلدة لفترة، واحتجزت عددًا من العسكريين مطالبة بإجراء صفقة تبادل مع موقوفين في السجون اللبنانية.

وحسب موقع “سكاي نيوز العربي”، فإن المواجهات قد اندلعت إثر توقيف الجيش اللبناني، للسوري عماد جمعة بتهمة الانتماء إلى جبهة النصرة، خلال نقله إلى مشفى بعدما أصيب بجروح في معارك جبال القلمون.

وفيما يتعلق بمفاوضات الإفراج عن المختطفين، تبذل الحكومة اللبنانية مساعيها الجادة حول إنهاء الملف، لاسيما وأنها قبلت في أوائل الشهر الجاري بمبدأ مقايضة استعادة جنوده المختطفين الذين تحتجزهم جبهة النصرة والتنظيم المتطرف في جبال القلمون المحاذية لبلدة عرسال، مقابل الإفراج عن عدد من النساء المحتجزات في سجون بشار الأسد وفقاً للصفقة التي عرضتها جبهة النصرة.

لذلك، فإن إتمام عملية المقايضة يستلزم أولاً أن يوافق نظام الأسد على القبول بإطلاق سراح السجينات لأنه هو من يتحكم بمصيرهم، حيث أن لبنان وافقت بناء على شرط، وهو الإفراج عن 5 سجناء من السجون اللبنانية و50 سجينة من السجون السورية يطالب بهم التنظيم مقابل كل عسكري لبناني مخطوف.

تناقضات حزب الله

الأسير المحرر من حزب الله عماد عيد

ويرى مراقبون أن الصفقة  التي أتمها حزب الله ربما تزيل الكثير من العقبات بين الحكومة اللبنانية من ناحية وتنظيمي “جبهة النصرة” و”داعش” من ناحية أخرى لأجل إطلاق سراح العسكريين لدى المسلحين مقابل إفراج الحكومة اللبنانية عن عدد من مسلحي التنظيميْن في السجون اللبنانية وعدد من النساء المحتجزات في سجون بشار الأسد.

من ناحية أخرى، فتحت الصفقة باب الانتقاد في وجه الحكومة اللبنانية، واتهامها بالمماطلة في ملف المخطوفين العسكريين، وسط إصرار ذويهم على بدء العصيان المدني ضد من يعرقل سبل الإفراج عنهم، ابتداء من اليوم.

وهاجمت إحدى أمهات عسكري مخطوف “حزب الله”، قائلة:” تعرقلون عملية المبادلة مع خاطفي أبنائنا، وأنتم تعملون في الخفاء وتجرون مفاوضات مباشرة مع الخاطفين لتحرير أسراكم، فعن أي هيبة تتحدثون؟”.

وأضافت الأم:” أن أهالي العسكريين يعتقدون أنّ “حزب الله” لا يريد لأبنائهم أن يخرجوا إلى الحرية، بل يريدهم أن يُقتلوا حيث هم ليقول للجميع إنه لا وجود للدولة في لبنان”.

وفيما اعتبر فريق الرابع عشر من آذار الخصم لـ”حزب الله” أن الصفقة تبين وجهًا إضافيًّا للانتقاص من سلطة الدولة التي يختارها الحزب ليتغطى بها حين يعجز عن تحقيق هدف، ويتخطاها وينفرد حين يتمكن.

 

لماذا حرص حزب الله على إتمام صفقة مع الجيش الحر؟

أنصار حزب الله خلال جنازة بعض من جنوده المقتولين في سوريا

وفقاً للمحللين والمهتمين فإن “حزب الله” الذي يشارك بقوة في الأحداث الجارية في سوريا، أراد أن يشعر جمهوره بالانتصار بعد إتمامه عملية تبادل أفضت إلى عودة عماد عياد إلى عائلته.

ووفقاً للمؤشرات فقد كان واضحاً أن “حزب الله” الذي نفذ عمليات تبادل عدة منذ بداية الثورة مقابل استعادة بعض عناصره أو حتى جثثهم، تعمد تضخيم الحدث إعلامياً، ليثبت أنه ليس ضد مبدأ المقايضة، مظهراً أن ما قبل خطاب الأمين العام للحزب حسن نصر الله الذي نفى فيه رفض مبدأ المقايضة يختلف عما بعده وفقا لجريدة النهار اللبنانية.

وجاءت عملية التبادل في وقت كان الحزب يتلقى ضربات مؤلمة في المحافظات والقرى السورية، فيأتي الإفراج عن أحد عناصره، ليشد عصبهم بعدما كانوا يستقبلون يومياً التوابيت، في حين حملت الصفقة استقبال أحد العناصر على قيد الحياة.

ويشار إلى أن حزب الله يقاتل منذ فترة طويلة إلى جانب نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، وقد فقد المئات من مقاتليه في المعارك، وخاصة بالمناطق الحدودية المجاورة للبنان، وتحديدا منطقة القلمون، وتعرضت مواقعه لهجمات داخل الأراضي اللبنانية، وسط جدل واسع في لبنان حول شرعية تحركاته.

لماذا يعرقل حزب الله صفقة العسكريين المختطفين؟

اللافت في قضية الجنود المختطفين، أن حزب الله وافق على مبدأ المقايضة مع “الجيش الحر” للإفراج عن أسيره، في حين يرفضها عند المطالبة بالإفراج عن العسكريين، الأمر الذي يفسره المراقبون بأن الحزب يسعى إلى توريط الجيش أكثر في معركة القلمون من بوابة عرسال، عبر دفع الجيش إلى حرقها وشطبها من المعادلة الجيو – سياسية لمنطقة البقاع الشمالي، كما يقول الكاتب اللبناني على حمادة.

ويرى حمادة أن هدف “حزب الله” الأكثر إلحاحاً هو خوض معركة القلمون وحسمها عبر إدخال طرف ثالث هو الجيش اللبناني، كل ذلك تحت شعار محاربة “الإرهاب” وتكبير موضوع “داعش” من أجل إعطاء توريطه في الدماء السورية في سوريا بعداً شرعياً.

وتابع: “هنا يدخل موضوع الجنود المختطفين لدى “داعش” و”جبهة النصرة” في الحسابات، فوفقاً لرؤية حزب الله، فإن التصلب في التفاوض سيدفع إلى قتل الجنود في ظل مناخات من الاعتداءات المنهجية التي تمارس على اللاجئين السوريين، ويسرع الأمر توريط الجيش في معركة طاحنة في عرسال.

ويرى متابعون في الشأن اللبناني، أن الحزب الذي طالما تشدَّق بمزاعم الحفاظ على هيبة الدولة، كذريعة لرفض مقايضة العسكريين المختطَفين لدى تنظيمَيْ جبهة النصرة و”الدولة”، لجأ لذات الأسلوب الذي يزعم معارضته لمجرد الإفراج عن “جثة” لأحد أنصاره مؤخرا.

وكانت “جبهة النصرة” قد هددت بقتل العسكريين اللبنانيين الأسرى لديها، من الطائفة الشيعية، في حال مشاركة “حزب الله” بمعارك تحضر النصرة لشنها في منطقة القلمون السورية المحاذية للبنان والتي تضم مواقع لحزب الله.

وقالت جبهة النصرة :”إن مشاركة حزب الله في القتال إلى جانب النظام السوري ستؤدي إلى إعدام الجنود الأسرى لديها من الطائفة الشيعية”، حسب موقع “الجزيرة نت”.

وأضافت النصرة: “أن حزب الله يريد أن يجعل من الجنود السنة في الجيش وقوداً لمعركته وأن هدفه من افتعال معركة عرسال هو ضرب الحاضنة السنيّة للمجاهدين”.

المصادر

تحميل المزيد