يعمد الفنان إلى إضافة لمسته المميزة الخاصة به في لوحاته، لكنّ بعض اللوحات تُخفي أكثر مما تُظهره. نستكشف في السطور التالية ما تُخفيه بعض أشهر اللوحات لكبار الفنانين العالميين، وما كشفته تقنيات التصوير الحديثة بالأشعة السينية والأشعة تحت الحمراء، عن الأسرار الكامنة وراء أعظم الأعمال الفنية في التاريخ؛ في محاولة لفك طلاسم حيَّرت العلماء.

انعكاس المرآة وتوقيع «فان إيك» في بورتريه أرنولفيني

يُصور «بورتريه أرنولفيني The Arnolfini Portrait» للرسام الهولندي «يان فان إيك Jan van Eyck» تاجرًا إيطاليًّا يُدعى «جيوفاني أرنولفيني» وزوجته، اللذين عاشا في مدينة بروج البلجيكية. وتتميز اللوحة المعروضة حاليًا في معرض الصور الوطني في لندن بإنجلترا، بتفاصيلها الحية التي تصور الزوجين والمناطق المحيطة بهما، بالإضافة إلى الهندسة الدقيقة لتكوينها، والتي تتضمن انعكاسًا معقدًا للمشهد في مرآة دائرية معلقة خلفهما على جدار الغرفة.

وقد أثارت تفاصيل اللوحة العديد من النظريات حول الأسرار الخفية التي ترمز إليها، بدايةً من الطريقة التي تتشابك بها يدا الزوجين، إلى الكلب الصغير أمامهما، وزوج الأحذية المركون بإهمال إلى جانبيهما، بالإضافة إلى الشمعة الوحيدة المضيئة في الثريا.

لوحة الموناليزا

بورتريه أرنولفيني. المصدر: ويكيبديا

كذلك يظهر توقيع الفنان على جدار الغرفة في اللوحة، بعبارة «يان فان إيك كان هنا، عام 1434». وتكشف المرآة المحدبة المعلقة على الحائط انعكاسًا دقيقًا للغرفة، يظهر فيه مشهد الغرفة بالإضافة إلى شخصين إضافيين يقفان بجانب مدخل الغرفة، أحدهما يُعتقد أنه الفنان نفسه.

ويعتقد الخبراء أنه من المحتمل أن يكون فان إيك قد استخدم مرآة محدبة حقيقية لرسم المشهد من الخلف؛ إذ تبدو المنحنيات في الصورة دقيقة بدرجة مذهلة من الناحية البصرية.

وقد تشكَّل حول اللوحة نظرية مثيرة للجدل في الثلاثينيات من القرن الماضي، تنص على أن المشهد في اللوحة يُمثل زواج الزوجين، وأن فان إيك وضع انعكاس الصورة في المرآة وتوقيعه، ليكونا بمثابة سجل قانوني للزواج. وتُضيف النظرية أن الشخصين الإضافيين الظاهرين في انعكاس الصورة هما الشاهدان المطلوبان لإتمام الزواج، لكن هذه النظرية لا تجد الآن سوى القليل من التأييد لدى معظم المؤرخين الفنيين.

امرأة أخرى في لوحة الموناليزا

يُحيط بلوحة «الموناليزا The Mona Lisa» للعبقري الإيطالي «ليوناردو دافنشي Leonardo da Vinci» كثير من الغموض، وتُثار حولها العديد من التساؤلات. ومن الجوانب التي لا تزال غير واضحة عنها، الهوية الحقيقية للسيدة التي في اللوحة، ومن الذي كلف دافنشي برسمها، وكم استغرق من الوقت للعمل عليها، وكيف وصلت اللوحة إلى ملكية المجموعة الملكية الفرنسية؟

البعض يُرجح أن اللوحة رُسمت في فلورنسا حوالي عام 1503، وأنها ترجع لسيدة تُدعى «ليزا جيرارديني»، كانت زوجة تاجر قماش في فلورنسا. مع ذلك، يبدو أن ليوناردو أخذ اللوحة إلى فرنسا بدلًا من تسليمها للشخص الذي كلفه بها. وانتقلت اللوحة بعد وفاته إلى ملكية الملك «فرانسوا الأول» ضمن مجموعته الفنية، فيما يزعم البعض أن اللوحة لذكر لا أنثى، وأنه كان عشيقًا سريًّا لدافنشي!

ومن الألغاز التي حيرت العلماء بشأن هذه اللوحة أيضًا تعابير الوجه. ففي دراسة أجراها باحثون قاموا بعرض صورة اللوحة على برنامج «التعرف على المشاعر emotion recognition»؛ جاءت احتمالات أن تُعبر الابتسامة عن السعادة بنسبة 83٪، في مقابل 9٪ عن الاشمئزاز، و6٪ عن الخوف، و2٪ عن الغضب، وأقل من 1٪ محايد. ويقال إن تعابير وجهها التي يبدو عليها الشعور بالتسلية؛ نتيجة الموسيقيين والمهرجين الذين استخدمهم «دافنشي» لإبعادها عن الشعور بالملل؛ بينما يقوم بالرسم.

علاوة على ذلك، أعلن العالم الفرنسي «باسكال كوت Pascal Cotte» اكتشافه صورة خفية لامرأة مختلفة، تكمن تحت اللوحة الأكثر شهرة في العالم. إذ تمكّن «كوت» من دراسة الموناليزا في متحف اللوفر في باريس عام 2004، تحت أضواء مكثفة ذات ترددات مختلفة، ثم قضى أكثر من 10 سنوات في تحليل البيانات الناتجة من هذه التجارب.

وقال «كوت» إن أبحاثه كشفت الصورة الأصلية على قماش لوحة الموناليزا، لكنها تُصور امرأة مختلفة تنظر إلى الجانب بدلًا من الفنان مباشرة، وبرغم ذلك لم يقتنع كل الخبراء الفنيين بالنتائج التي وصل إليها «كوت».

«العشاء الأخير».. المسيح بشريٌّ فانٍ

احتلت لوحة «ليوناردو دافنشي» الشهيرة «العشاء الأخير The Last Supper»، التي تُصور السيد المسيح في العشاء الأخير مع تلاميذه، مكانة كبيرة في قلب العديد من النظريات الشعبية خلال السنوات الأخيرة، والتي من أبرزها رواية «شيفرة دافنشي The Da Vinci Code» الصادرة عام 2003 للمؤلف «دان براون» والتي تلاها الفيلم المأخوذ عنها ويحمل الاسم ذاته، وقام ببطولته النجم الأمريكي «توم هانكس» في عام 2006.

وبالنسبة للمؤرخين الفنيين، فإن لوحة العشاء الأخير تكتسب أهميتها من تكوينها التعبيري، الذي كان شيئًا من الابتكار في ذلك الوقت؛ إذ عمد الفنانون الذين سبقوا دافنشي في تصويرهم مشهد العشاء الأخير، إلى رسم جميع الحاضرين تُحيط بهم هالات مضيئة، في إشارة منهم إلى كونهم من القديسين، باستثناء يهوذا الإسخريوطي الخائن.

ووفقًا للعالم الإيطالي «ماريو تاديو» الذي شارك في دراسة أعمال دافنشي، فإن دافنشي رفض استخدام الهالات في لوحته؛ ليصور المسيح وتلاميذه على أنهم أناس عاديون، ويُرجع بعض الخبراء الفنيين السبب في ذلك إلى أن جوهر لوحة دافينشي يكمن في حقيقة أن المسيح كان إنسانًا فانيًا ككل البشر.

لوحة الموناليزا

لوحة العشاء الأخير. المصدر:wikimedia.org

ومن النظريات التي نشأت حول اللوحة الشهيرة، ما ورد في رواية «شيفرة دافنشي» عن كون الشخص الجالس بجانب المسيح من جهة اليمين ليس تلميذه «يوحنا»؛ بل «مريم المجدلية»، إلا أن مؤرخي الفن ينفون وجود دليل على نظرية «براون» تلك، وغيرها من نظريات المؤامرة التي نُسجت حول لوحة العشاء الأخير.

ومن أكثر النظريات التي أُثيرت حول معاني اللوحة ومدلولاتها، النظرية التي تبنتها الباحثة الفاتيكانية «سابرينا سفورزا»، والتي قالت فيها إنها فكت الشيفرة الرياضية والفلكية التي ترمز إليها النافذة التي تُشبه نصف القمر فوق رأس المسيح.

وتقول الباحثة إن معنى الشيفرة يُنذر بوقوع فيضانات عالمية، تبدأ في 21 مارس (آذار) عام 4006، وتنتهي في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه؛ وينتج منها دمار العالم؛ لكنه سيكون بمثابة بداية جديدة للبشرية.

الرجل الغامض في لوحة «بيكاسو» الزرقاء

تُعد لوحة «الغرفة الزرقاء The Blue Room» واحدة من أقدم روائع «بابلو بيكاسو Pablo Picasso»، التي رسمها عندما كان في التاسعة عشر من عمره خلال إقامته في باريس. تُعد كذلك واحدة من الأعمال الأولى لـ«المرحلة الزرقاء Blue Period» الشهيرة في أعماله، والتي امتدت بين عامي 1900 و1904، وأنتج خلالها لوحات أحادية اللون تهيمن عليها ظلال متفاوتة من اللون الأزرق.
تخضع لوحة «الغرفة الزرقاء» منذ عام 2008 لفحوصات من خبراء في متحف مجموعة فيليبس، والمتحف الوطني للفن، وجامعة كورنيل، ومتحف وينترثور. وفي عام 2014، أُعلِن عن اكتشاف صورة خفية تحت سطح رسمة «الغرفة الزرقاء»، والتي تُظهر صورة رجل بلحية يرتدي سترة، وربطة عنق، وثلاثة خواتم في أصابعه، ويسند رأسه على يده.

لوحة الموناليزا

لوحة الغرفة الزرقاء. المصدر:whatstrending.com

لم يتوصل أحد بعد إلى هوية الرجل الغامض، لكن لا يُعتقد أنه بيكاسو. ويُرجح أحد الاحتمالات أن يكون هذا الرجل تاجر الفن «أمبرويز فولارد Ambroise Vollard»، الذي استضاف أول عرض لـبيكاسو في باريس عام 1901، لكن هويته الحقيقة ما زالت لغزًا محيرًا يبحث الخبراء عن إجابة له.

يذكر أن هذه ليست المرة الأولى، التي يُكتشف فيها لوحة خفية تحت أعمال بيكاسو، الذي يُعد أهم فناني القرن العشرين؛ إذ كشف تحليل فني للوحة «الحياة La vie» في متحف كليفلاند للفنون أن بيكاسو كان قد غير تكوين اللوحة؛ بينما وجد رجل بشارب تحت لوحة «امرأة تكوي Woman Ironing» في متحف غوغنهايم بمانهاتن.

الانقسامات الدينية والسياسية بين لندن وروما في لوحة السفراء

تصور لوحة «السفراء The Ambassadors» للفنان الألماني الشهير «هانز هولبين Hans Holbein» رجلين مثقفين يقفان بجانب كتبهما وأدواتهما، وتحيط بهما العديد من التفاصيل الغريبة التي أثارت جدلًا واسعًا. تحتفل اللوحة بذكرى شابين صاحبي نفوذ وثقافة، أحدهما كان السفير الفرنسي لإنجلترا في عام 1533، والآخر صديقه الذي كان سفيرًا لجمهورية فينيسيا.

تحتوي اللوحة على عدة أدوات علمية مفصلة بعناية، منها كرة سماوية وساعة شمسية، وغيرها من الأدوات التي تستخدم لفهم السماء وقياس الزمن، إلى جانب كرة أرضية تُعد واحدة من أقدم التمثيلات المعروفة للعالم، تظهر عليها الخطوط العريضة لأوروبا وإفريقيا والعالم الجديد.

هذا بالإضافة إلى الرسم المدهش لجمجمة بشرية تقع في قاعدة الصورة، تبدو مشوهة عند النظر إليها من الأمام، في حين يختفي التشوه عند النظر إلى اللوحة من نقطة جهة اليمين.

لوحة الموناليزا

لوحة السفراء. المصدر: wikimedia.org

يعتبر الخبراء هذه اللوحة أحجية من عصر النهضة؛ إذ إنها مليئة بالرموز والدلالات التي أثارت نظريات وآراء مختلفة تُحاول تفسير ما ترمز إليه الأغراض المختلفة في اللوحة. على سبيل المثال، يُفسر البعض دلالات التفاصيل الموجودة في اللوحة على أنها إشارات إلى الانقسامات الدينية والسياسية بين لندن، وروما في ذلك الوقت.

تُعد الساعة الشمسية لغزًا محيرًا كذلك؛ إذ تختلف الأوقات الظاهرة على جوانبها المتعددة، كما يُشير خط العرض فيها إلى إفريقيا وليس لندن، فضلًا عن الجمجمة المشوهة والكرة السماوية، والعود ذي الوتر المكسور، التي تشكل كلها رموزًا ذات دلالات غامضة.

تشريح الدماغ البشري في سقف كنيسة سيستين

كنيسة «سيستين» كنيسة كبيرة في الفاتيكان، تشتهر بلوحاتها الجدارية المميزة التي تعود إلى عصر النهضة. ومن بين أكثر اللوحات شهرة جدارية يوم القيامة والسقف، اللتان رسمهما الإيطالي «مايكل أنجلو Michelangelo» أشهر فناني عصر النهضة.

يضم السقف مجموعة لوحات عبقرية، تصور مشهد احتفالية «الرب» بخلق «آدم» أبي البشر، ويظهر في أحد تفاصيل اللوحة التي قُدّمت بعناية، سحابة تُحيط بشخصية الرب ومجموعة من الملائكة، والتي تُشبه شكل الدماغ البشري.

لوحة الموناليزا

لوحة خلق آدم، سقف كنيسة سيستين. المصدر: patheos.com

في عام 2010، قام اثنان من علماء التشريح العصبي في كلية الطب بجامعة «جونز هوبكنز»، بدراسة تفاصيل السحابة المرسومة في لوحة مايكل أنجلو الشهيرة، واتضح وجود عديد من أوجه الشبه بين شكل السحابة وتشريح الدماغ البشري، بما في ذلك مناطق تشريحية دقيقة تُمثل المخيخ والعصب البصري والغدة النخامية والشريان الفقري.

من غير المعروف يقينًا ما ترمز إليه تلك السحابة بهيئتها المميزة، غير أن البعض يشير إلى أن مايكل أنجلو كان قد درس علم التشريح البشري؛ بل وقام بتشريح جثث بشرية لمعرفة التفاصيل التي من شأنها أن تُضفي الواقعية على لوحاته؛ لذلك فقد كان على دراية جيدة بشكل الدماغ وصفاته التشريحية الرئيسية، الأمر الذي انعكس على أعماله.

على الجانب الآخر، يعتقد بعض الخبراء أن مايكل أنجلو تعمد رسم السحابة على شكل الدماغ؛ لإظهار أن الرب لم يمنح آدم الحياة فقط؛ بل وهبه أيضًا العقل والذكاء معها. توجد كذلك نظرية أكثر شعبية تُشير إلى أن مايكل أنجلو رسم الدماغ نوعًا من الاحتجاج الضمني منه على رفض الكنيسة للعلوم في ذلك الوقت.

المصادر

s