في روايته «العالم» المستوحاة من سيرته الذاتية؛ حكى الكاتب الإسباني خوان خوسيه مياس، عن حالة خوف غير مبررة كانت تنتابه طوال فترة مراهقته وبداية شبابه كلما وقعت عينه على جزء معين من جسد أي امرأة، هذا الجزء الذي قد يكون مفضلًا لدى الكثير من الرجال، ويمنح الحياة واللبن للأطفال، لكنه تحوَّل إلى شيء مرعب بالنسبة له.

لم يفهم خوان خوسيه مياس سبب هذا الخوف الغامض إلا بعد عشرات من جلسات العلاج مع طبيبته النفسية؛ إذ أدرك أن هناك ذكرى مكبوتة في ذهنه عن حادثة وقعت معه هو وأمه في سن الحادية عشرة من عمره؛ ولم يكن خوان يتذكر هذه الواقعة المدفونة عميقًا في الذاكرة؛ ويطلق علم النفس على تلك الذكرى مصطلح «الصدمة الخفية»، هذ التقرير يشرح لك ما «الصدمة الخفية» وكيف تعلم إذا كنت تعاني منها دون علم منك، وماذا تفعل حين ذاك.

الصدمة الخفية.. كيف يراوغنا المخ؟

في مواقف عديدة ترى البعض يشعرون بالخوف من حيوان أليف يداعبه الجميع دون أن يعرف أحد السبب، وفي مواقف أخرى تثير بعض الروائح أو الأماكن الضيق في نفس البعض دون أن يستطيع أحد تفسير ذلك أيضًا، علم النفس الحديث يشير إلى أن تلك المشاعر غير المبررة قد يكون وراءها ما يعرف بالصدمة الخفية التي خلقتها ذكرى مكبوتة في ذهنك.

فقد يكون خوفك من الكلاب مهما كانت ظريفة وودودة، يعود إلى حادثة وقعت لك في سن صغيرة هاجمك فيها كلب شرس، وكانت الحادثة قاسية عليك في طفولتك للدرجة التي اختار بها عقلك اللاواعي أن يكبتها ويخفيها عن عقلك الواعي، ولكن هذا الإخفاء لا يمحو الآثار المترتبة على تلك الصدمة الخفية.

صحة

منذ 7 شهور
ألمٌ بلا سبب جسدي واختلاق الشعور بالمرض.. ماذا تعرف عن الاضطرابات النفسجسمية؟

ولسنوات طويلة ظلت تلك الحالة النفسية محل جدال، خاصة فيما يتعلق بالحالات التي تُرفع فيها قضايا على أفراد بناءً على وقائع متعلقة بـ«الصدمة الخفية» التي استعاد صاحبها ذكرياتها المكبوتة، ويظل القانون حتى الآن يستعين بعلماء النفس في مثل هذه القضايا، في محاولة للكشف عن حقيقة الاتهام، وهل ما يطلقه الفرد من اتهامات عن أفراد تحرشوا به وهو صغير مثلًا ذكرى مكبوتة حقًّا، أم ذكرى خادعة؟

واحتمال الخداع وارد في هذا الحالات؛ إذ إن تلك الذكريات قد لا تطفو على سطح الوعي إلا بعد مرور فترة طويلة قد تزيد على 20 عامًا، فليس كل البشر يكتشفون الصدمة الخفية مبكرًا في حياتهم وبعضهم لا يكتشفها بالمرة، مثلما حدث مع الكاتب الإسباني خوان خوسيه أثناء علاجه النفسي، وربما لو لم يمر خوان بتجربة العلاج النفسي لما فهم أسباب هذا الخوف المبرر من صدور النساء.

الحالة المثيرة لـ«نيكول كليمبر»: هل تعرضت أنا للأذى؟

«أحيانًا أتذكر أنني تعرضت للتحرش الجنسي على يد أمي، وأحيانًا أخرى أكون غير متأكدة»؛ هكذا صرحت نيكول كليمبر -سيدة أمريكية شابة تعمل الآن مساعدة نفسية للأطفال- لجريدة «الجارديان»، وتعد نيكول واحدة من الحالات المثيرة لاهتمام علماء النفس الحديث في فهم «الصدمة الخفية» النابعة من الذكريات المكبوتة.

فالسيدة التي تبلغ من العمر الآن نحو 40 عامًا، عندما كانت في السادسة من عمرها أخبرت أباها بأن أمها قد لمستها في مناطق بجسدها أشعرتها بالألم وشرحت للأب بالتفصيل ما حدث، ما دفع الأب لإبعاد الأم عن الطفلة بالقانون والحصول على حضانتها كاملة، ومن يومها لم تر الطفلة أمها.

صورة لنيكول مصدر الصورة موقع «الجارديان»

كانت تصريحات نيكول وهي طفلة قد استخدمها الطبيب النفسي الأمريكي ديفيد كوروين، بعد الحصول على موافقة الأب، على أنها نموذج علمي أثناء تدريس الطلاب الآثار النفسية للتحرش الجنسي للأطفال، وعندما كانت نيكول تبلغ من العمر 17 عامًا اتصل بها الطبيب ليتأكد أنها ما زالت تسمح باستخدام تلك المقاطع المصورة التي سجلت فيها ما تعرضت له، في تجاربه النفسية.

وتفاجأ الطبيب بأن نيكول لا تتذكر تلك الوقائع، ولا تتذكر من الأساس لماذا منعها والدها عن والدتها، بل طلبت نيكول أن تشاهد تلك المقاطع المصورة حتى تفهم ما حدث لها وهي صغيرة، وهنا وقع الطبيب في مأزق أخلاقي، هل يكشف لنيكول عن صدمتها الخفية، أم يتركها محمية بالنسيان؟

لكن في النهاية انتصر فضوله العلمي واتفق مع نيكول على أنه سيمنحها فرصة مشاهدة تلك المقاطع، وأنه سيصورها أثناء مشاهدتها لنفسها وهي تحكي في سن الرابعة عما فعلته به أمها، ليسجل بالصوت والصورة لحظة انكشاف الصدمة الخفية لنيكول.

وفي ورقة بحثية نشرها كوروين عام 1997 أكد أن حالة نيكول: «تعد حالة غير عادية، وتوثيقها في المرحلتين يعد أمرًا فريدًا من نوعه»؛ الأمر الذي منح الطب النفسي الحديث فرصة مهمة لدراسة الذكريات المكبوتة وفهمها والصدمة الخفية الناتجة منها، وكانت تلك التجربة أيضًا سببًا في رغبة نيكول بأن تصبح طبيبة نفسية للأطفال.

«التعلم المشروط بالحالة».. كيف تحدث الصدمة الخفية؟

يخبرنا علم النفس بأن الصدمة الخفية الناتجة من الذكرى المكبوتة تنشأ عن طريق عملية عقلية تسمى بـ«التعلم المشروط بالحالة المزاجية– state-dependent learning»، وهي ظاهرة نفسية يخلق فيها المخ ذكريات أو يحجبها عندما يكون الشخص تحت وقع الصدمة أو الإجهاد النفسي، وإذا اختار العقل أن يحجبها دون أن يحرفها لصالحه بحيث تكون غير مؤلمة له، سيكون من الصعب على العقل الواعي الوصول إليها.

وفي دراسة أجريت عام 2014 على الفئران اكتشف الأطباء في جامعة نورث وسترن للمرة الأولى ما يحدث في أعصاب المخ المسئولة عن كبت الذكريات المؤلمة وإخفائها من خلال عملية «التعلم المشروط بالحالة المزاجية»، وهذا عن طريق تعريض الفئران لصدمات قوية، قرر بعضهم أن ينساها ويقع في الخطأ نفسه مرة أخرى دون تذكر الصدمة، وأثناء ذلك راقب الأطباء مخ الفئران وآلية عمله العصبية في اللحظة التي اختار فيها أن يكبت الذكرى المؤلمة ويكوِّن بداخله الصدمة الخفية.

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن النتائج التي وصلوا إليها قد تساعد الطب الحديث في الوصول إلى علاجات دوائية جديدة للمرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية يصعب تتبع سببها لكونها صدمة خفية يقف وراءها ذكرى مكبوتة.

فإذا استطاع الطبيب النفسي تخمين أن الاضطراب الذي يعاني منه مريضه نابع من الصدمة الخفية، فليس عليه اللجوء لتذكيره بتلك الذكرى، فقد صرحت نيكول بعد أن عادت لها تلك الذكريات فقالت: «في السابعة عشرة من عمري تذكرت ما فعلته بي أمي وأنا طفلة.. ومن وقتها وأنا أعاني من أزمة حقيقية في إدارة علاقاتي العاطفية والجنسية».

كيف تعلم إذا كنت تعاني من الصدمة الخفية؟

كيف يمكنك إثبات حدوث شيء أنت لا تتذكره من الأساس؟ للإجابة عن هذا السؤال يجب أن تعلم أن الصدمة الخفية الناتجة من ذكرى مكبوتة تترك أثرها في نفسك سواء كنت تتذكرها أم لا، وهذا الأثر يمكن رصده في بعض المشاعر والسلوكيات التي تواجهها في حياتك ولا تستطيع تفسيرها أو التحكم بها، وقد جُمعت تلك العلامات بناءً على ملاحظة الأطباء النفسيين للنمط السلوكي الذي يجمع بين المصابين بالصدمة الخفية والذين استعادوا تلك الذكرى سواء عبر العلاج النفسي أو بمفردهم.

فإذا كنت تلاحظ على نفسك أو على شخص قريب منك هذه العلامات فأنت مصاب بالصدمة الخفية، وأهم هذه العلامات: وجود أماكن أو مواقف بعينها تشعرك بالإزعاج أو بالخوف الشديد دون فهم ذلك، ودون أن تستطيع توضيح سبب انزعاجك للآخرين.

أيضًا من أبرز هذه العلامات أن المصاب بالصدمة الخفية يُطوِّر موقفًا عدائيًّا تجاه فئة معينة من الناس أو جنس بعينه، مثل الرجل الذي يكره النساء في المطلق دون سبب محدد، أو المرأة التي تكره الرجال دون سبب تستطيع ذكره؛ إذ يكون من الصعب على هذا الشخص أن يتحكم في عواطفه، أو البقاء في وظيفة واحدة لمدة طويلة لأنه يكون انفعاليًّا ولا يتقبل النقد، أو لا يكون لديه القدرة على التعلم والتأقلم، ودائمًا ما يصفه من حوله بأنه يتصرف مثل الأطفال أو بأنه مندفع، وفي العلاقات العاطفية قد لا يكون مستقرًّا نفسيًّا ويشعر دائمًا بالقلق والخوف من الهجر.

فتلك العلامات تخبرك بأنه «ربما» يكون في عقلك اللاواعي صدمة خفية لا تعرف عنها شيئًا أو لا تتذكرها، ولن تتأكد من هذا الأمر إلا باللجوء إلى العلاج النفسي مع طبيب متخصص.

المصادر

تحميل المزيد