كيف تشكّل الكون بعد الانفجار العظيم؟ وكيف حصلت كل هذه الأجسام العملاقة من نجوم وكواكب، على كتلتها؟ كيف تكونت المجرات والسحب الغازية العملاقة؟ يجيب عن جميع هذه الأسئلة، ما يُعرف باسم مجال هيجز، وبوزون هيجز.

 

بوزون هيجز

وهو جسيم أولي أساسي، يعتقد العلماء أنه المسؤول عن اكتساب المادة لكتلتها. وقد رُصِدت أولى الإشارات لوجود هذه الجسيمات عمليًا في مصادم الهدرونات الكبير بمختبر سيرن في سويسرا عام 2011، وقام المركز بالإعلان عن الاكتشاف رسميًا في الرابع من يوليو (تموز) 2012 بنسبة تأكد بلغت 99.999%.
وعن كيفية اكتشاف العلماء لهذا الجسيم، فقد جرت تجربة علمية مثيرة في مصادم الهدرونات، حيث صُوّب شعاعان من البروتونات نحو بعضهما البعض، كل منهما يسير بسرعة فائقة تقترب من سرعة الضوء. وقد أدى هذا إلى تصادم البروتونات ببعضها البعض (البروتونات يمكن الإشارة إليها بنواة ذرة الهيدروجين التي تحتوي على بروتون واحد فقط)، لتنشأ ظروف مشابهة لظروف الانفجار العظيم لكن على مستوى أصغر. الهدف من هذه التجربة الفريدة في المختبر ذي الأربعة مليارات دولار، كان إعادة تمثيل ظروف اللحظة الزمنية التالية للانفجار العظيم والتي تقدر بجزء من عشرة مرفوعة للأس رقم 35 من الثانية التالية مباشرةً لحدوث الانفجار العظيم.
هذه اللحظة متناهية الصغر التي تلت الانفجار العظيم هي اللحظة التي يعتقد العلماء أن بوزونات هيجز قد تكونت خلالها، ليتم تأكيد وجود هذه الجسيمات بالفعل وهو ما تسبب في تغيير الفيزياء للأبد. وجسيم هيجز ليس له شحنة وعزمه المغزلي يساوي صفرًا، وتتراوح كتلته ما بين 124 إلى 126 جيجا إلكترون فولت مقسومة على مربع سرعة الضوء، طبقًا لمعادلة أينشتاين عن تكافؤ المادة والطاقة.

وطبقًا لما توصل له العلماء من دراسة نتائج التجربة، فجسيم بوزون هيجز هو جسيم أولي افتراضي ثقيل نسبيًا، أثقل من البروتون بمقدار من 115 إلى 155 مرة. هذا الجسيم مسؤول عن طريق ما ينتجه من مجال يسمى مجال هيجز عن حصول الجسيمات الأولية على كتلتها.
وكان العالم الفيزيائي الإسكتلندي بيتر هيجز، قد تنبأ بوجود هذا الجسيم في إطار ما يعرف بالنموذج الفيزيائي القياسي الذي يفترض أن القوى الأساسية في الكون قد انفصلت عن الانفجار العظيم، وكانت الجاذبية هي أول ما انفصل ثم تبعتها القوى الثلاث الأخرى، الكهرومغناطيسية والنووية الصغرى والنووية الكبرى.

 

مجال هيجز

وهو مجال من الطاقة غير المرئية الذي يعتقد بأنه موجود في كل مكان في الكون. هذا المجال يترافق دائمًا مع بوزونات هيجز، هذه البوزونات تستخدم هذا المجال من أجل التفاعل المستمر مع الجزيئات الأخرى. ونتيجة لمرور هذه الجزيئات خلال هذا المجال فإنها تكتسب كتلة إضافية وتنخفض سرعتها في المقابل.

الكتلة المكتسبة لا يتم توليدها من خلال المجال نفسه، لأن هذا الأمر سيتعارض مع قوانين بقاء المادة، ولكن الكتلة تنقل للجزيئات عبر مجال هيجز الذي يحتوي على الكتل النسبية في صورة طاقة مرتبطة به. ومجال هيغز بشكل عام لا يختلف كثيرًا عن المجالات المغناطيسية الأخرى التي تتخلل الكون.

الفيزياء تقول إن البوزونات (سنسميها البوزونات القياسية) ستقوم بامتصاص كتلة معينة قادمة لها من نوع آخر من البوزونات تسمى «بوزونات نامبو-جولدستون»، هذه الأخيرة تكون ناتجة عن عملية تسمى «كسر التناظر التلقائي» والتي يجري فيها كسر التناظر لمستوى فراغي ما، لتتكون جسيمات الذرة من بروتونات ونيوترونات وإلكترونات.

قد تكون الجملة الأخيرة التي قلناها صعبة الفهم على كثيرين، لكن الهدف منها هو التوضيح أن هناك عملية اكتساب للكتلة تتم من خلال جسيمات متناهية الصغر، وأن هذه العملية لا تتم إلا من خلال عبور هذه الجسيمات من خلال مجال هيجز. ودون وجود مجال هيجز لكانت البوزونات كلها عديمة الكتلة وغير قادرة على منح كتل جديدة لبقية الجسيمات أو توليد جسيمات جديدة.

المعضلة الأكبر في علم الفيزياء هي تلك التي يواجهها العلماء نتيجة محاولة التوفيق بين نظريتي ميكانيكا الكم ونسبية أينشتاين العامة. فحتى نهاية فترة العشرينات من القرن الماضي، كانت النظرية النسبية العامة لأينشتاين قد انتشرت انتشارًا واسعًا بعد أن قدمت تفسيرًا مقبولًا لدى العلماء في فهم ما يحدث على مستوى الكون الكبير أو الفضاء الخارجي، بعدما تمكنت من وصف كيفية تحكم قوة الجاذبية في حركة الأجرام السماوية.

ت

شكل بياني لمجال هيجز

 

وفي بداية الثلاثينات بدأت ميكانيكا الكم العمل على الكون الصغير، أو على المستوى الذري لتفك أسرار الذرة ومكوناتها. تمكنت هذه النظرية بشكل ممتاز من تقديم وصف دقيق لعمل كل القوى الطبيعية في العالم متناهي الصغر، أو العالم المجهري عدا قوة الجاذبية. وفي الوقت الذي قدمت فيه النظرية النسبية تفسيرًا لكيفية عمل الجاذبية بالنسبة للأجرام السماوية، لم تتمكن ميكانيكا الكم من تقديم فهم ملائم لكيفية عمل الجاذبية على مستوى الذرات والجزيئات الأصغر من الذرة. ولعشرات السنين باءت كل محاولات وصف الجاذبية بنفس طريقة القوى الأخرى بلغة الكم بالفشل.

من هنا فإن كلا النظريتين تتكاملان كلّ على حدة، لكن الجمع بينهما يؤدي إلى نتائج توصف بالكارثية في فهم الكون من أصغر الأجزاء إلى أكبرها، لأنه عند الجمع بين النظريتين فإنهما تتنافيان بحيث لابد أن تكون واحدة منهما فقط على صواب. والفكرة من محاولة جمع النظريتين من الأساس ترجع إلى التخيل بأنك تعيش في مدينة ما يسودها نظامان مختلفان من أنظمة المرور، فما الذي يمكن أن يحدث؟

وطبقًا لهاتين النظريتين، فإننا سنكون أمام أحد خيارين، إما أن مجال هيجز مطفأ، وبالتالي فإن قيمته تساوي صفر، وهو ما يعني عدم قدرته على منح الجسيمات والجزيئات كتلة إضافية. هذا الأمر معناه عدم تكون أي أجسام جديدة في الكون، لن تتكون نجوم أو كواكب أو مجرات أو أي شيء. والاحتمال الثاني هو أن مجال هيجز فعال بشكل كامل وبالتالي فإن قيمته ستصبح رقمًا ضخمًا للغاية. المذهل هنا أن كلا الاحتمالين لم يكن صحيحًا.

رقم غير مسبوق

ما توصل له العلماء هو أن مجال هيجز فعال، لكن بقيمة متناهية الصغر، تكاد أن تكون صفرًا. ويوضح عالم فيزياء الجسيمات في المنظمة الأوروبية للأبحاث (سيرن)، هاري كليف، أن قيمة مجال هيجز أصغر بمقدار 10 آلاف تريليون مرة من قيمته المفترضة إذا ما كان المجال فعالًا بشكل كامل.

هذا الرقم على الرغم من أنه أحد أصغر الأرقام في علم الفيزياء كلها إلا أنه رقم في منتهى الأهمية والخطورة. فلو نقص الرقم لما كانت هناك أي أجسام جديدة تتكون، ولو زاد الرقم لتحولت كل الجسيمات الأولية إلى أجسام كبيرة وازدحم الكون إلى أقصى درجة احتماله.

عرض التعليقات
تحميل المزيد