عاشت الجزائر منذ بداية شهر يوليو (تموز) الحالي على وقع موجة حرٍ بلغت في بعض المناطق الجنوبية 50 درجة مئوية، إذ سجّلت مدينة ورقلة جنوبي الجزائر رقمًا قياسيًّا لأعلى درجة حرارة ترصد في تاريخ أفريقيا، إذ بلغت 51.3 درجة مئوية، وسط عدم اعترافٍ رسمي ببلوغ الحرارة هذه الأرقام، إذ لم تعلن مصالح الأرصاد الجوية في الجزائر منذ الاستقلال عن درجات حرارة بلغت أو تجاوزت الخمسين.

صيف الجزائر الساخن.. درجات الحرارة تفوق الخمسين في الجنوب الجزائري

سجلت درجات الحرارة في الجنوب الجزائري هذا الصيف ارتفاعًا محسوسًا فاق المعدل السنوي. وفي الوقت الذي تحذر فيه مصالح الأرصاد الجوية أسبوعيًّا من موجة الحر التي تجتاح الجزائر؛ رصد مواطنون بلوغ درجات الحرارة عتبة الستين. وفي هذا السياق أكدّ عبد المجيد زياني، أحد سكان مدينة أدرار في حديثه مع «ساسة بوست» بلوغ درجات الحرارة في المحافظة عتبة 52 درجة مئوية تحت الظلّ، مؤكدًا في الوقت ذاته أنّ جهاز الترمومتر –جهاز لقياس درجة الحرارة– الخاص بسيارته سجّل درجة 52 مئوية. يضيف عبد المجيد قائلًا: «درجات الحرارة المرتفعة تسبب في ذوبان الطرق المعبدة، حتى الحافلات أصبحت تتوقف في منتصف الطريق بسبب الحرارة، كل شيء عجز عن تحمّل درجات الحرارة هذه الأيّام، حتى الكهرباء باتت تنقطع في اليومين ثلاثة مرّات، على السلطات الجزائرية أن تنظر إلى أهل الجنوب ويصفونهم بالمناطق المنكوبة».

ويضيف علي دغاري، أحد سكان مدينة عين صالح جنوبي الجزائر أن مدينته باتت منطقة خطر على الإنسان، وغير صالحةٍ للعيش حسب رأيه، ويقول دغاري في حديثه مع «ساسة بوست»: إنّ «الجو هنا حارٌ وغير مناسبٍ للعيش، حتى الغربان صارت تسقط من شدة الحر، أنا لا أبالغ إن قلت لك أني أطبخ البيض بدون نيران فقط حرارة الجو تفي بالغرض».

أمّا رمزي طرباقو الساكن في مدينة غرداية بالجنوب الجزائري فأكّد لـ«ساسة بوست» أنّ حرارة هذا الصيف استثنائيّة، وأضاف رمزي: «أستغرب جدًا لما أشاهد نشرة الأرصاد الجوية في التلفزة العمومية وأرى درجات الحرارة في الجنوب، أقول في نفسي: يا ليتها تكون تلك الدرجات المعلنة في النشرة حقيقية، صراحة صرت أحلم أن أعيش وسط الدرجات المعلنة عنها رسميًّا، فدرجة الحرارة عندنا لا تقلّ عن 49 درجة».

جديرٌ بالذكر أنّ مصالح الأرصاد الجوية الجزائرية قد حذرت الجزائريين من ارتفاع ملموس في درجات الحرارة، يبلغ 47 درجة في بعض المناطق الجنوبية، وفي تصنيفه اليومي رصد موقع «إلدورادو واتر» بلوغ درجة الحرارة في كلٍّ من مدينة أدرار وعين صالح في الجنوب الجزائري 120.2 فهرنهايت (49,06 درجة مئوية).

ورقلة الجزائرية تسجّل أعلى درجة حرارة في تاريخ أفريقيا

ما إن يذكر اسم محافظة ورقلة في الجنوب الجزائري إلّا ويتبادر إلى الذهن عاصمة البترول الجزائري وأغنى المدن الجزائرية، لكنّ الوجه الآخر لعاصمة الاقتصاد الجزائري هي درجة الحرارة العالية التي تتميز بها في فصل الصيف، والتي تتحوّل في الظهيرة إلى مدينة أشباحٍ بعد أن فرض ارتفاع درجات الحرارة على سكان المدينة حظر تجوال.

كما تستقبل مصالح الاستعجالات بمستشفيات المحافظة يوميًّا عشرات الحالات التي تعرضت لضربات الشمس، وأثناء انتقالنا إلى المدينة الجزائرية، صادفنا الشيخ مختار الذي كان بصدد نقل اثنين من أفراد عائلته إلى المستشفى بعد إصابتهما بضربة شمسٍ. يقول مختار لـ«ساسة بوست»: إنّ «مدينة ورقلة تعيش الجحيم هذه الأيام بسبب الحرارة، لم نعد نستطيع الخروج من منازلنا، ومن لم يقضِ مصالحه قبل العاشرة صباحًا فإنه سوف يصبح عرضةً لخطر الموت»، وكانت المصالح الاستشفائية في المحافظة قد أحصت قتيلين بسبب ارتفاع درجة الحرارة.

وكانت درجات الحرارة حسب تقريرٍ نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية قد بلغت في المحافظة الجزائرية رقمًا قياسيًّا في الجزائر، وفي القارة الأفريقية بأسرها، وفقًا للقياسات المعتمدة من طرف منظمة الأرصاد العالمية، إذ سجلت المدينة حسب المنظمة العالمية يوم الخميس 06 يوليو الماضي 124.3 فهرنهايت (51.3 درجة مئوية) بوصفها أعلى درجة حرارة مرصودة في تاريخ أفريقيا.

في السابق كانت أعلى درجة حرارة مسجّلة على الإطلاق في أفريقيا والكوكب بأسره هي 136.4 فهرنهايت (58 درجة مئوية)، والتي سجلت في مدينة العزيزية في ليبيا يوم 13 سبتمبر (أيلول) عام 1922، لكنَّ المنظمة العالمية للأرصاد الجوية رفضت التسجيل، بعد أن اكتشفت لجنةٌ خمسة مآخذ على عملية تسجيل هذه الحرارة.

موقع منطقة ورقلة في الخريطة

كما سجلت مدينة قبلي التونسية 131 فهرنهايت (55 درجة مئوية) في 7 يوليو 1931. واعتبرت رسميًّا أعلى قياسات أفريقيا، لكنَّ خبير الطقس «كريستوفر بيرت» شكّك في الرقم وصفه بأنَّه «مشبوه»، لعدم وجود أي درجات حرارة مسجلة تقترب من هذا الرقم في العصر الحديث، كما وصف إتيان كاباكيان عالم الأرصاد الجوية الفرنسي هذا التسجيل بأنَّه «مزحة كبيرة».

لتسجّل درجة الحرارة 124.3 فهرنهايت (51.3 درجة مئوية) المسجلة مؤخرًا في مدينة ورقلة الجزائرية بوصفها أعلى درجة حرارة تسجلها القارة الأفريقية في العصر الحديث.

لماذا لا تعلن الحكومة الجزائرية درجات الحرارة الحقيقية؟

لم تعلن مصالح الأرصاد الجوية في الجزائر منذ الاستقلال درجات حرارة بلغت أو تجاوزت الخمسين، إذ قدّرت أعلى درجة بـ49، وأعلن المرصد الجزائري مساء الخميس الماضي عن توقّعه ارتفاعًا محسوسًا لدرجات الحرارة في الجنوب الجزائري، خصوصًا في محافظة أدرار وتمنراست، يصل إلى حدود 49 درجة مئوية تحت الظل.

نشرة أحوال الطقس في التلفزيون الجزائري

وكان التلفزيون الرسمي الجزائري قد اعترف في أحد تقاريره الإخبارية تجاوز درجات الحرارة حدود الخمسين درجة، وهو حال القنوات الخاصة الجزائرية التي رصدت درجات حرارة فوق الخمسين في محافظة الوادي بالجنوب الجزائري، غير أنّ المصالح الرسمية لم تعلق على بلوغ درجة الحرارة الخمسين، واكتفت بتحذير الجزائريين من موجة الحرارة، ودعتهم إلى تجنب التعرض لأشعة الشمس والجفاف، ونصحت بالبقاء في الظل.

وتنص قوانين العمل الدولية على منح العاملين إجازات رسمية في حال بلوغ الحرارة 50 درجة مئوية، وذلك من أجل الحفاظ على صحتهم، واستحالة العمل في ظل درجة حرارة مرتفعة كهذه. وتلزم منظمة الأمم المتحدة الدول الأعضاء فيها بتحديد المناطق التي تبلغ فيها درجة الحرارة الخمسين مناطق منكوبة، تتطلب إجراءات استثنائية لحماية المسنين والمرضى والأطفال من الهلاك. وهذا ما جعل الجزائر والعديد من الدول تتهرب من الإعلان الحقيقي عن درجات الحرارة لاجتناب تطبيق قوانين وإجراءات الأمم المتحدة.

وفي حديثه مع «ساسة بوست» أعرب ياسين مقبض، أستاذ القانون الدولي في جامعة غرداية عن دهشته من أن تكون صحة المواطن الجزائري هينة على السلطات، إلى درجة الإخفاء والتهرب من الإعلان عن درجات الحرارة الحقيقية وتسقيفها عند حدّ 49 درجة مئوية، مضيفًا أن «القانون الدولي يلزم الدول بإعلان المناطق التي تصل درجة الحرارة فيها 50 درجة مناطق منكوبةً بفعل كارثة طبيعية، يستلزم من خلالها إجراءات عاجلة، كتوفير المياه والكهرباء مجانًا، وكذا إعطاء عطل إجبارية».

من جهته أكّد رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث، البروفسور مصطفى خياطي، أن «إخفاء درجات الحرارة الحقيقية على المواطنين يمكن أن يتسبب في كوارث صحية؛ لأن درجة الحرارة عندما تبلغ أو تتجاوز الخمسين فإن أشعتها قد تتسبب في صداع قوي، وإصابات قاتلة على مستوى الرأس، بالإضافة إلى إصابة الجسم بالجفاف الذي قد يكون مميتًا».

جديرٌ بالذكر أنّ الحكومة الجزائرية سنّت بتاريخ 25 ديسمبر (كانون الأوّل) عام 2003 قانون رقم 04-20 المتعلق بالوقاية من الكوارث، وتسييرها في إطار التنمية المستدامة. والذي تضمّن تعديدًا للكوارث الطبيعية دون أن يتضمن الارتفاع في درجات الحرارة، وتجاوزها الخمسين درجة على أنّها كارثة طبيعية.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!