(1)

35 عامًا مضت منذ إجبار الإيرانيات على ارتداء الحجاب في الشوارع والأماكن العامة، 35 عامًا من الممارسات القمعية بحق من لا يناسب مظهرهن الجمهورية الإسلامية، الممارسات التي قد تصل لضرب قوات الأمن لهن في الشوارع، أو اعتقال النسوة غير المحتشمات بما يكفي واحتجازهن لأيام أو حتى أسابيع. 35 عامًا من التمييز بين المواطنات في جميع المجالات باعتماد معيار الاحتشام قبل أي شيء، إذ تتم ترقية النساء في المصالح والإدارات الحكومية بحسب درجة احتشامهن في الأغلب، بينما قد تمنع تلك الأقل احتشامًا من دخول الجامعات حتى. تُمنح أزياء المحجبات كهدايا للطالبات، توضع إعلانات على الطرق السريعة وملصقات في الحارات الصغيرة تشجع على الحجاب وتعلي من شأنه، يتحدث الإعلام الرسمي بكثرة عن الجوهرة المكنونة في حجابها، بينما يسفه بكثرة أيضًا تلك التي لا تغطي نفسها بما يكفي. لكن مع كل هذا ومع كل الأساليب الأخرى التي تتبع للترغيب في ارتداء الحجاب والترهيب من عدم ارتدائه، ما زال الحجاب يمثل مشكلة جادة ومقلقة جدًّا للحكومة الإسلامية.

منذ سنوات طويلة يندر أن يمر أسبوع دون أن تثار قضية واحدة على الأقل متعلقة بالحجاب في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، فتاة محتجزة لحجابها السيء، موظفة تشكو من ظلم تعرضت له في ترقيتها، تصريحات مثيرة للجدل من معارضين أو حتى مسئولين، وأخيرًا سلسلة حوادث رش أجساد الفتيات بمواد كاوية في مدينة إصفهان، القضية التي لم تلق قوات الأمن القبض على مجرم واحد فيها حتى الآن، بينما استطاعت نفس القوات في خلال ساعات فقط أن تتعرف وتقبض على الشباب والفتيات الذين صوروا أغنية Happy متهمة إياهم بـ “قلة الاحتشام أثناء تصوريهم للأغنية”!

لكن مع كل الجدل والنقاش الذي يدور بشكل شبه دائم، يعرف الجميع أن الموقف الرسمي لا يتجاوز مناقشة شكاوى و جرائم وتصريحات، أو مناقشة خلافات بين المسئولين على الطريقة المثلى لتطبيق الإجبار على الحجاب والطريقة المثلى للتعامل مع المتساهلات، ولكن ليس مطلقًا على جدوى “الإجبار” في قضية كهذه أو على اتجاه لمنح حرية المظهر للنساء في إيران.

ربما في الفترة الأولى التي تلت انتصار الثورة الإسلامية، لم يكن الحجاب سوى حكم شرعي يخص النساء ومسألة يتم التعامل معها وتوابعها ببساطة، بل إن شعارات مثل “إما حجاب الرأس أو عصا على الرأس” التي كان يرددها متحمسون لم تلق صدى مخالفًا كبيرًا من مختلف الأطراف. لكن هذه الأيام تحول الحجاب إلى قضية كبرى وحساسة سواء للحكومة أو معارضيها، ففي بلد بخصائص إيران، ليس أكثر إظهارًا لميل الشارع لاتجاه أو آخر من مظهر النساء! هكذا يبرز الحجاب كقضية محورية مع كل صراع سياسي يحتدم بين الفاعلين على الساحة. ليس هذا فحسب، بل ثمة أبعاد اقتصادية واجتماعية وأمنية متشابكة صارت تسيطر بقوة على قضية الحجاب وتتداخل معها. أجساد النساء إذًا وشعورهن أصبحت ساحات حرب للحكومة ومعارضيها، ممرات تصعد أو تموت من خلالها الإمبراطوريات الاقتصادية، ومرايا تعكس بوضوح العديد من الخصائص الاجتماعية لدولة بتعقيدات إيران.

(2)

مسيح علينجاد صحفية وناشطة إيرانية نشرت على الإنترنت صورة لها بلا حجاب في الشارع داعية النساء أن يحذون حذوها: “تجرأن، تجردن منه في مكان عام للحظات، التقطن بحذر صورًا للحظة الحرية وأرسلنها لي”. لقيت دعوة علينجاد استجابة هائلة، بل في غضون أشهر قليلة تحولت مبادرتها لإحدى أكبر الحملات المعارضة للجمهورية الإسلامية. أطلقت مسیح علی حملتها اسم “الحرية المتخفیة Stealthy Freedom” وأنشأت على فيسبوك صفحة لها بنفس الاسم لنشر صور النساء المتجردات لحظيًّا من الحجاب في شوارع ومطاعم وجامعات إيران. انتشرت صفحتها بشكل واسع داخل إيران وخارجها مثيرة العديد من ردود الفعل الداعمة عالميًّا آخرها إعلان شيريل ساندبيرج الرئيس التنفيذي لفيسبوك أن “الحرية الخفية” صفحتها المفضلة على فيسبوك.

علياء المهدي فتاة مصرية تقرر أن تعترض على تقاليد بلدها بأن تنشر صورة عارية لها! تتعرض لهجوم هائل من مجتمع الإنترنت المصري، لكنها تحظى بحملة تأييد من مجتمع الإنترنت الإيراني، بل إن بعض الإيرانيات وحتى الإيرانيين نشروا صورًا عارية لأجسادهم تضامنًا معها، منتقدين بشدة هجوم أهل بلدها عليها، واصفين الربيع العربي بالناقص إن لم يقض بشكل تام على كل تقييد لحرية المواطنين في اختيار مظهرهم.

يواجه معظم الروحانيين ظواهر كهذه باستنكار تارة وتعجب تارة أخرى، لكن واحدًا منهم حتى الآن لم يهتم ببحث الأمر بشكل علمي محايد، ما زالوا يصرون على اتباع نفس الأساليب القديمة والدعايا البالية التي ثبت فشلها بجدارة، بل ما زال الكثير منهم حتى الآن يصرون على أنهم لم يفشلوا قط، وأن الأمر ليس إلا أيادٍ خارجية تعبث بأمن واستقلال البلاد! يبدو إذًا أن التجاهل الرسمي قد يطول للسؤال المهم: إيران الدولة الإسلامية التي نزل مواطنوها منذ 35 عامًا في ملحمة تاريخية حقيقية يهتفون “استقلال، حرية، جمهورية إسلامية” كيف يمكن أن يؤسس نساؤها ورجالها حملات بهذه الضخامة لمواجهة أمر إسلامي جدًّا كالحجاب؟ ربما لهذا تكثر المطالبات بإدخال العلوم الإنسانية الحديثة مثل الفلسفة وعلوم الاجتماع والنفس على مناهج الحوزات العلمية التي تخرج الروحانيين الذين يتولون عددًا هائلاً من المناصب الهامة.

(3)

السيد علي مطهري هو نجل المناضل الراحل مرتضى مطهري كما هو معروف، وهو أحد أكثر الناس تشددًا في مسألة الإجبار على الحجاب واتباع الأساليب الترهيبية مع المتساهلات. بل إنه اعتاد طيلة سنين عضويته في المجلس جعل الحجاب وسياسات منع الاختلاط، القضية الأساسية التي تتمركز حولها جلُّ نشاطاته. نرى أنه أثار الموضوع حتى في استجواب المجلس لرئيس الجمهورية السابق أحمدي نجاد. اهتمامات السيد مطهري ليست إلا نموذجًا لسلوك يتبعه الكثير من السياسيين المنحدرين من عائلات لها تاريخ ثوري ديني مرموق. من الممكن الاستنتاج أن التمسك بقضية الحجاب تحديدًا يأخذ بعدًا عائليًّا هامًا. فأبناء الروحانيين الكبار يجب أن يؤكدوا باستمرار على وجوب تفعيل سياسات منع التبرج ليستحقوا ألقابهم وشرف أسمائهم على ما يبدو! ربما لهذا يواصل علي مطهري انتقاداته حتى لحسن روحاني خليفة أحمدي نجاد واصفًا دولته بأنها لا تختلف كثيرًا عن سابقتها!

يدافع مطهري وأمثاله عن سياسات استخدام القوة والترهيب والإجبار، بينما لا يؤمنون كثيرًا بالحلول التي تعتمد على الترغيب أو الإنذارات فقط كحد أقصى. توجه يستنكره مجيد محمدي أستاذ علم الاجتماع الإيراني قائلاً: “في عهد وصل فيه الإسلاميون في إيران إلى الحضيض تمامًا، يريد بعض الروحانيين ألا نتعب أنفسنا بالفعاليات الثقافية التي تدعو إلى الحجاب بل أن نعتمد فقط على قوة الدولة”، متسائلاً عن حجم إنكارهم للواقع وعدم فهمهم له لدرجة تجعلهم يبدون معزولين تمامًا عن كل ما يجري!

(4)

يبدو من الممكن وصف إصرار الدولة على الحجاب أيضًا بارتباطه المصيري بمظهر الدولة الإسلامي، إذ من بين جميع المظاهر الواضحة للجمهورية الإسلامية، هناك مظهران فقط استطاعا الصمود حتى الآن: الحجاب، ولعن الولايات المتحدة والغرب الكافر!

لحى الرجال، المعاطف الخضراء، الكوفية الفلسطينية، المسبحات الصغيرة التي اعتاد الروحانيون حملها، الزواج في المساجد، طلب حفظ القرآن كمهر وغيرها كلها مظاهر فقدت رونقها مع تحول الروحانيين إلى الطبقة العليا في المجتمع، شيئان فقط ما زالت الجمهورية الإسلامية تحارب بقوة لتحافظ عليهما تأكيدًا على هويتها: حجاب نسائها ولعن الغرب الكافر! تتمثل محورية الحجاب إذًا في محاولة الحفاظ على “المظهر الذي يعكس الهوية”، هكذا كطبيعة المجتمعات الخاضعة لسلطات شمولية يحوز المظهر مركزية هامة قد تتجاوز قيمته الحقيقة في كثير من الحالات.

من السهل فهم دوام الحجاب أكثر من باقي الظواهر الإسلامية في مجتمع يمكن أن يقال عنه أن النساء يمثلن طبقة ضعيفة فيه، فهن لا يمتلكن القوة الاقتصادية أو الاجتماعية التي تجعلهن مساويات للرجال. كما أن ثمة موروثات تشجع كثيرًا تغطية الرجل لنسائه محددة علاقة مباشرة بين مقدار تغطيتهن ومقدار رجولته. لدرجة تجعل الحجاب يتحول أحيانًا أداة لتسوية الحسابات بين الحكومة والمعارضة! كنشر صور أحدهم في حفل زفافه لاستغلال حقيقة أن عروسه لم تكن محجبة ليلة عرسها لتحقيق مكاسب سياسية.

ثمة وجه اقتصادي أيضًا يمكن فهم بعض التصريحات والقرارات الرسمية من خلاله، فبعض رجال الأعمال المقربون من الدولة تزدهر استثماراتهم بفضل ما يمكن أن يطلق عليها “اقتصاديات العقوبات”، ربما لا يتوقع الكثيرون أن حتى العقوبات الاقتصادية الغربية لها من يستفيدون منها كثيرًا باحتكار بعض الأسواق! لهذا ثمة إمبراطوريات اقتصادية حقيقة تقف خلف الأحلام الرسمية بجعل المواطنين يلتزمون بالـ “موروث الثقافي للجمهورية الإسلامية”، العبارة التي يمكن أن تكون ترجمتها “أسلوب الحياة الروحاني”.

(5)

لم يُفتِ فقيه واحد حتى الآن أن الذي لا يلتزم بالصلاة أو الصيام مريض، قد يصفونه بالعاصي أو ضعيف الإيمان، أو حتى الكافر، لكنهم لا يصفونه بالمرض أبدًا! إلا أن رئيس الدولة عندما أراد وصف التساهل في الحجاب أو الاختلاط أطلق عليه أنه مرض خطير!

“عندما يمرض أحدهم ماذا نفعل له؟ نأخذ المريض للمتخصصين ليعالجوه ولو غصبًا. هل إذا عزلنا مريضًا لكي لا يصيب الآخرين بالعدوى سيلومنا أحد؟ يجب أن نواجه غير المحجبات ونعزلهن لكي لا يصبن ثقافتنا بمرضهن”. التلفزيون الرسمي الإيراني

بينما لعالم الاجتماع مجيد محمدي رأي آخر، إذ يرى أن سياسات دعم الدولة لمظهر بعينه هي التي تنتج “مرضًا اجتماعيًّا” يظهر جليًّا في تماسك أفراده وتقبلهم لبعضهم، إذ يبدو أن المجتمع الذي كانت النساء فيه أكثر تعايشًا بغض النظر عن ملبسهن قبل الثورة الإسلامية، صار ذا قطبين الآن، تتحدث مريم زاهدى وهي امرأة تلتزم بالحجاب الأسود المغطي لجسدها كله – المعروف بالـ “شادور”- عما تتعرض له من مضايقات كثيرة واتهامات تضع على عاتقها كل فشل النظام، بينما هي نفسها ليست من مؤيدي الجمهورية الإسلامية! كما تقول فائزة نجاتي أنها اعتادت نظرات الشباب المحتقرة لها لأنها ترتدي الـ “شادور” الذي يعتبره قطاع واسع من الشعب الإيراني دليلاً على أن من ترتديه تؤيد النظام بالضرورة، أو ربما حتى تنتمي إليه.

بينما تؤكد النسوة الأقل التزامًا بالحجاب أن الدولة تتعمد ألا تلاحق من يؤذيهن، إذ يصرح الروحانيون دومًا أن الحجاب هو الأمان. ما يعني إذًا إخلاء لمسؤولية الدولة عن تأمين النساء، فكل من تتعرض لمضايقة ستكون بالضرورة مقصرة أو حتى “راغبة” في التحرش. 35 عامًا لم نسمع فيها أن متحرشًا قد احتجز لمضايقة فتاة في الشارع، حتى حين وقع حادث التحرش الجماعي في إصفهان فإن إمام مسجد المدينة اتهم النساء بالتساهل في حجابهن ليتبع الحادث حملة إعلامية مكثفة للتعريف بشروط الحجاب والدعوة للالتزام به دون أن تتزامن معها حملة رسمية أخرى لنبذ التحرش.

(6)

“أينما توجد قوة، توجد مقاومة” ميشيل فوكوه

ربما لم يسمع العديد من الروحانيين باسم فيلسوف “كافر” كـ فوكوه، لكنهم على الأقل قد يستطيعون الوصول إلى فهم سطحي لكيف يتحول التعري نضالاً في دولة إسلامية من خلال جملة بسيطة وبديهية كتلك، فحينما تصف الدولة إجبارها للمواطنين على اتباع مظهر معين، بأنه “قمة الحرية”، فهي ربما لا يجب أن تستغرب أن تتأسس حملات تصف التعري الكامل بأنه قمة النضال!


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد