نشرموقع «ويكيليكس» ما يزيد عن خمسين ألف صفحة، تتضمن أكثر من ثلاثين ألف رسالة صادرة من البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون، خلال السنوات التي كانت تتولى فيها منصب وزيرة الخارجية الأميركية، وما بعد تلك الفترة، وعلى وجه التحديد منذ منتصف عام 2010 حتى أواخر صيف عام 2014.

تكتسب رسائل كلينتون أهميتها من التوقيت الصادرة فيه؛ إذ تزامن توقيتها مع ثورات «الربيع العربي»، والجدل الدائر في الأوساط العربية عن طبيعة الدور الأمريكي في الدفع بهذه الأحداث؛ لتغيير خريطة الشرق الأوسط، كما يزعم كثيرون.

أولوية الدول العربية في رسائل كلينتون

تُظهر قائمة الدول الأكثر ورودًا في رسائل كلينتون الأخيرة اهتمامًا أمريكيًا بالغًا بالشأن الليبي آنذاك، ثم تأتي مصر لاحقًا، ويليها كل من العراق والمملكة العربية السعودية وتونس.

فمن ضمن ثلاثين ألف رسالة صادرة من البريد الإلكتروني لكلينتون، أو واردة إليه، خلال الفترة المذكورة، تكرر ذكر ليبيا 1620 مرة، تليها مصر التي ورد ذكرها 1461 مرة، ثم العراق 1099 مرة، والسعودية وسورية.

رسائل كلينتون

ليبيا تصدرت رسائل كلينتون بـ1620 رسالة

 

بينما كانت سلطنة عُمان الأقل ورودًا في هذه المراسلات؛ إذ لم يرد اسمها سوى 76 مرةً فقط. ويشترك معها في الاهتمام القليل، كل من جُزر القمر وجيبوتي وموريتانيا، بينما حظيت كل من الإمارات والصومال والبحرين باهتمام مُتوسط، بالإضافة إلى الكويت والمغرب والجزائر.

دولٌ أُخرى خارجة عن نطاق الثورات العربية، حازت اهتمامًا متوسطًا في رسائل كلينتون، من بينها قطر والسودان ولبنان والأردن وفلسطين.

إحدى تلك الرسائل، كشفت عن الدور الأمريكي في تأليب الرأي العالم الدولي، ضد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، هو وأقربائه ومعاونيه، الذين كانت تُخطط لإحالتهم وإياه إلى مُحاكمة دولية، لولا أنه لقي مصرعه فلم تعد هناك حاجة لاستكمال الخطط.

ستيفين كليمنز، رئيس تحرير مجلة «ذا أتلانتيك» الأمريكية، يعتقد أن حضور ليبيا كأكثر الدول ورودًا في الرسائل، سببه تزامن فترة تلك الرسائل مع وقائع الثورات العربية، والتنافس على النفوذ في ليبيا بين القوى العُظمى، في ظل انحسار قوات القذافي، خلال هذه الفترة، ونفس الأمر ينطبق على مصر وتونس، اللتين شهدتا تتابعًا في الأحداث خلال هذه الفترة، مع اهتمام أمريكي بالغ.

يضيف كليمنز في تصريحات خاصة لـ«ساسةبوست»، أن إدارة أوباما كانت على قدر كبير من الارتباك،خلال فترة ثورة 25 يناير، التي فوجئت الإدارة بها تمامًا، وفقًا لكليمنز، الذي أشار إلى أنّ أدوار الإدارة الأمريكية، شملت مُطالبة نظام الرئيس المخلوع محمد حُسني مُبارك، بتقديم تنازلات سياسية، لم يكن من بينها تنحّيه عن الحكم؛ «لأنه كان حاميًا لمصالحها داخل مصر، وتعرفه جيدًا، هو ورجال نظامه».

وجهة النظر هذه يدعمها ما جاء في كتاب هيلاري كلينتون الجديد: «‬خيارات صعبة»‬، حيث ذكرت أنّ «الإدارة الأمريكية، كانت مترددة منذ نهاية العقد الأول من القرن 21 بشأن خلافة مبارك. وكانت تخشى أن يؤدي انهيار نظامه إلى وصول الإخوان المسلمين للسلطة في مصر. ‬وكان الجدل الدائر في واشنطن يتعلق بمدى صلاحية جمال مبارك لحكم مصر».‬‬‬

بخصوص عُمان، هل يُشير قلة ذكرها في رسائل كلينتون إلى تراجع أهميتها؟ يجيب عن ذلك، رئيس تحرير «ذا أتلانتك»، قائلًا: إنّ «المسألة مرتبطة باستقرارعُمان التي ظلت في منأى عن هذه التغييرات، لينعكس ذلك على تراجع الاهتمام بها، والولايات المتحدة تُدرك النفوذ العماني البارز، بدبلوماسيتها شديدة الدهاء، التي تتلمس من خلالها خطواتها في سرية شديدة؛ لتنال ثقة معظم الفعالين في منطقة الشرق الأوسط».

ميركل تنافس كلينتون على النفوذ في الشرق الأوسط

بعنوان: «الجيش المصري مقابل ألمانيا وميركل»، أرسلت جاكسو ليفان، نائبة مدير مكتب هيلاري كلينتون، رسالة في الثاني من يناير (كانون الثاني) 2012، جاء فيها أنّهم علموا بأن المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بدأت إجراء اتصالات مع قادة الجيش المصري، للتعاون المشترك في عدد من المناطق والقضايا.

وأكدت «سوليفان» أن «ميركل» تسعى للعب دور أكبر في منطقة الشرق الأوسط، في محاولة لمحاكاة الهيمنة الأمريكية في المنطقة عبرالتقرب من قادة الجيش المصري.

رسائل كلينتون

ميركل تنافس كلينتون على النفوذ في الشرق الأوسط

 

يشرح هذا الأمر كليمنز، قائلًا: إنّ «مضمون هذه الرسالة، التنافس بين هيلاري كلينتون وميركل على الصراع في مساحات السيطرة والنفوذ داخل الشرق الأوسط، بخاصة مع تمدد نفوذ ألمانيا في أكثر من دولة، كأفغانستان وفلسطين، خلال تلك الفترة».

وتزامنت هذه الفترة الزمنية، مع ارتفاع للنفوذ الألماني، تجلّى في زيارة رسمية للمستشارة الألمانية إلى الولايات المتحدة، في الثالث من يناير (كانون الثاني) ولقائها بالرئيس الأمريكي باراك أوباما.

وفي 13 يونيو (حزيران) 2011، توجه وزير الخارجية الألماني، فيسترفيله، ووزير التنمية، ديركنيبل، إلى ليبيا، حيث أعلنوا اعتراف بلادهما بالمجلس الانتقالي للثوار الليبيين، باعتباره ممثلًا شرعيًا عن الشعب الليبي.

كذلك انعكس الاهتمام المتزايد بالشرق الأوسط من جانب ألمانيا، في استراتيجية جديدة بشأن أفغانستان،الأولوية فيها لإعادة إعمار البلاد، حيث سعت ألمانيا من خلال هذه الاستراتيجية، إلى إدماج القوى المعتدلة من حركة طالبان وتدريب الشرطة.

رسائل كلينتون تكشف زيف الشائعات التقليدية

«كان كل شيء على مايرام، وفجأة قامت ثورة 30 يونيو (حزيران)، فتغيركل شيء. كنا على اتفاق مع الإخوان على ضم حلايب وشلاتين للسودان، وفتح الحدود مع ليبيا من جهة السلوم، وإعلان الدولة الإسلامية في سيناء في الخامس من يوليو(تموز) 2013، وكنا ننتظر الإعلان رسميًا كي نعترف بها نحن ودول الاتحاد الأوروبي، وفجأةً تحطم كل شيء أمام أعيننا دون سابق إنذار». هذا النص الخيالي، أوردته إحدى الصحف المصرية، مدعيةً أنها رسالة مسربة من بريد كلينتون.

بالإضافة إلى أن رسائل كلينتون المُسربة أخيرًا، وفصول كتابها الأخير، تنفي هذه الادعاءات، الأهم أن كلينتون لم تكن وزيرةً للخارجية الأمريكية خلال تلك الفترة.

رسائل كلينتون

رسائل كلينتون تنفي شائعة «خلافة الإخوان الإسلامية»

 

«ثورة يناير مؤامرة أمريكية»، تلك أيضًا كانت من أبرز الشائعات التي روّجت لها وسائل إعلامية وصحافية مصرية، بينما تكشف رسائل كلينتون أنّ 25 يناير، كانت ثورةً مُباغتةً للإدارة الأمريكية، التي كانت أساسًا تخشى وصول الإخوان المسلمين للحكم، حال انهيار نظام مُبارك، كما أنّها لم تشأ أن تبدو أمام حلفائها في الخليج، كمن تخلّى عن حليفه القديم.

كتاب كلينتون الأخير، نفى أيضًا المعلومات الكاذبة الخاصة بدعم الولايات المتحدة للإخوان في مصر، والتآمر معهم على الأمن القومي المصري؛ إذ جاء في الكتاب نصًا: «الإخوان المسلمون فشلوا في الحكم بشكل شفاف وجامع، واصطدم مرسي مرارًا بالقضاء، وسعى لتهميش معارضيه السياسيين، بدلًا من أن يبني إجماعًا وطنيًا واسعًا. ولم يفعل الكثير لتحسين الوضع الاقتصادي، وسمح باستمرار اضطهاد الأقليات بما في ذلك الأقباط».

عرض التعليقات
تحميل المزيد