منذ أيام قليلة ماضية أحيت مدينة هيروشيما اليابانية الذكرى رقم 70 لسقوط القنبلة الذرية عليها خلال الحرب العالمية الثانية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

تحديدًا في يوم السادس من شهر أغسطس عام 1945م وتحديدًا في الساعة الثامنة والربع صباحًا بالتوقيت المحلي تم أول تفجير نووي مستهدفًا البشر في التاريخ في مدينة هيروشيما اليابانية.

هيروشيما والانفجار النووي

وحتى تظهر لنا الصورة بشكل متكامل، تعالوا نرى أولًا ما الذي حدث في مدينة هيروشيما في اللحظة التي سقطت عليها القنبلة والأيام التالية لها.

في وقت سقوط هذه القنبلة، كانت مدينة هيروشيما مدينة صناعية وعسكرية مميزة جدًا وكانت تمثل ثاني أكبر مدينة يابانية. على أطراف المدينة كان هناك عدد من الوحدات والمواقع العسكرية أهمها مقر الجنرال شونروكو هاتا قائد الجيش الثاني الميداني المسئول عن الدفاع عن كافة المناطق الجنوبية لليابان.

مدينة هيروشيما كان يتمركز بها أكثر من 40 ألف جندي ياباني ويدافع عنها عدد كبير من بطاريات الصواريخ والمدافع المضادة للطائرات. أيضًا فقد كانت هيروشيما مركز دعم وإمداد هام كما أنها تمثل مركز اتصالات استراتيجي وميناء هام.

في وقت سقوط القنبلة بلغ عدد سكان المدينة قرابة 350 ألف نسمة.

عندما سقطت القنبلة وانفجرت تسببت في دمار تام لكل من الكائنات الحية وحتى الجماد في دائرة نصف قطرها 1,6 كيلومتر. بينما امتدت نيران القنبلة على مساحة قدرها 11 كيلومتر مربع.

في اللحظة الأولى للانفجار ونتيجة النيران الرهيبة المنطلقة من القنبلة قتل ما بين 70 – 80 ألف شخص ثلثلهم تقريبًا من العسكريين.

الانفجار تسبب في تدمير 69% من مباني المدينة بالإضافة إتلاف 7% من المباني دون تدمير تام.

حوالي 90% من الأطباء و93% من الممرضات قتلن في هذا الانفجار.

بلغت درجة حرارة سطح الأرض في مركز الانفجار حوالي 4000 درجة مئوية.

هذه الصورة تظهر هيروشيما قبل الانفجار وبعده، المدينة تكاد تكون قد محيت من الوجود.

ما بعد الانفجار

أصبحت هناك مهمة شاقة على اليابانيين في الأيام التالية للانفجار.

فعلى الرغم من الصدمة وعدم القدرة على استيعاب ما حدث بدأت عمليات جمع الجثث وحرقها ثم بدأت عملية أكثر صعوبة في القيام بتنظيف آثار الحطام والركام الناتج من المباني المحطمة.

كان على اليابانيين أن يقوموا بعملية تنظيف لمساحة تبلغ حوالي 2,4 مليون متر مربع وتم هذا بالفعل على مدار أربع سنوات كاملة.

بعد هذا بدأت الحياة تعود للمدينة، بشكل متقطع لكن ببطء شديد ولتسيطر على غالبية السكان مشاعر الانتقام.

من هنا فإن التحدي في إعادة بناء المدينة لم يكن فقط من الناحية الفيزيائية كالمباني والمنشآت والمساكن، ولكن من الناحية النفسية والعاطفية أيضًا. كيف يمكن إزالة المشاعر السلبية للسكان وسط كل مشاعر الغضب والصدمة وتحويلها لمشاعر إيجابية تعيد بناء المدينة من جديد.

تخيل أن كل هذا أيضًا كان مصحوبًا بحكومة أجنبية تتولى إدارة شئون البلاد تم تسميتها بحكومة الاحتلال والتي ترأسها الجنرال المريكي دوغلاس ماكارثر كقائد أعلى لقوات التحالف.

وتخيل أيضًا أن هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تقع اليابان تحت الاحتلال المباشر، حيث لم يسبق لليابانيين أن شعروا بمهانة وذل الاحتلال والسيطرة من قبل قوات أجنبية.

شاهد كيف صور اليابانيون مدينة هيروشيما قبل وبعد الانفجار النووي في ماكيت رائع بالمتحف الخاص بالحرب:

قبل القنبلة النووية

بعد القنبلة النووية

البدايات

بعد إزالة آثار الانفجار والحطام من المدينة كانت هيروشيما في أمس الحاجة إلى الأموال من أجل عملية إعادة البناء.

بعد طلبات متكررة من المدينة لحكومة الاحتلال وافقت الأخيرة على السماح بجمع تبرعات وطنية خاصة للمدن المدمرة بشدة طالما كانت لديها خطة معقولة لإعادة الإعمار.

جدير بالذكر أن البرلمانيين في مدينة هيروشيما تعاملوا مع سلطة الاحتلال بذكاء، فهم يعرفون أن طلبات المدينة لا يمكن أن تأتي بنبرة اتهام واضحة كي لا يتم رفضها. قام سكان المدينة ببناء نصب تذكاري كبير للسلام كمرساة جديدة للمدينة بالقرب من مكان سقوط القنبلة والذي تم افتتاحه عام 1954م.

خلال العامين التاليين قدمت حكومة الاحتلال إلى هيروشيما مساعدات إضافية مكنت المدينة من الشروع في استعادة عافيتها. هذا الأمر كان نقطة تحول رئيسية نحو استعادة السكان لروحهم ونفسيتهم ومشاعرهم الإيجابية.

هيروشيما الآن

يبلغ عدد سكان مدينة هيروشيما حاليًا حوالي مليون و200 ألف نسمة بكثافة سكانية تقدر بنسبة 1300 مواطن لكل كيلومتر مربع، وهو ما يبين الازدحام الكبير في المدينة التي سويت بالأرض من 70 عامًا.

مدينة هيروشيما حاليًا هي المركز الصناعي الرئيسي لمنطقة شوغوكو شيكوكو. البضائع الواردة من المدينة لا تتوقف عبر مطارها الدولي ومينائها الكبير.

تتمثل أبرز الصناعات في هيروشيما في صناعة الصلب والسيارات والمطاط والكيماويات والسفن وآلات النقل. مدينة هيروشيما الآن هي المورد الياباني الأكبر للإبر.

أبرز صناعات هيروشيما تتمثل في صناعة السيارات لأنها مقر التصنيع الرئيسي لسيارات “مازدا” الشهيرة والتي تمثل بمفردها 32% من إجمالي الدخل القومي للمدينة.

تقوم هيروشيما بتصدير الآلات الصناعية التي تتميز بأنها آتية نتيجة التواجد الكبير لعمليات البحث والتطوير عبر عدد من الشركات مثل شركة هيروشيما لهندسة السيارات. بعض من هذه الشركات يتصدر شركات العالم أجمع في هذا المجال.

كل هذه الأمور أدت إلى جذب الكثير من الاستثمارات والأعمال إلى المدينة خصوصًا وأن تكاليف بدء عمل ما في هيروشيما يقل عن مثيلاتها من المدن اليابانية الكبرى الأخرى.

قبة غنباكو التي ظلت قائمة رغم أن القنبلة انفجرت على بعد 180 متر فقط منها

السياحة

النصب التذكاري الذي شيده اليابانيون عام 1954م اعتبرته منظمة اليونسكو إحدى مواقع التراث العالمي.

هذا النصب أصبح الجاذب الأبرز لأعداد كبيرة من السياح كل عام وصل عددهم تقريبًا إلى 363 مليون زائر عام 2014م.

المدهش في الأمر أن غالبية هؤلاء الزوار كانوا من الأمريكيين يليهم الأستراليين ثم الصينيين.

شاهد تقرير صحيفة الديلي ميل الذي يرصد المتحف المخصص لذكرى القنبلة النووية:


ولمعرفة كيف تحولت هيروشيما إلى قبلة السياح في اليابان يكفي أن تنظر لجمال المدينة الآن.






وشاهد فيديو يبين عودة أحد الطيارين الذين تم تكليفهم بإلقاء القنبلة إلى مدينة هيروشيما من جديد:

عرض التعليقات
تحميل المزيد