في مثل يوم 6 أغسطس منذ 70 عاما، سقطت أول قنبلة نووية على رؤوس اليابانيين بمدينة هيروشيما في الحرب العالمية الثانية، أعقبتها قنبلة ذرية أخرى بناجازاكي، لتسدل الستار على أكثر الحروب دموية في التاريخ.

وبعد 7 عقود من تلك الكارثة التي أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، يأتي هذا المقال الذي نرصد فيه كيفية إحياء اليابانيين لذكرى الكارثة، والخلفية التاريخية وما تحويه من تفاصيل ومفارقات تاريخية قد تعلمها لأول مرة، بالإضافة إلى روايات الناجين الذين تقلصت أعدادهم واقتربوا من الانقراض، ووجهة النظر الأمريكية شعبا وحكومة نحو الانفجار النووي.

 

تقرع الأجراس

اجتمع عشرات الآلاف من المواطنين اليابانيين على رأسهم رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، في حديقة السلام التذكارية التي أقيمت بهيروشيما بالقرب من مقر الانفجار النووي، ووقف الحضور دقائق صمت حدادًا على القتلى وامتزجت دموع الحزن مع الصلاة والدعاء، ليعقبها قرح الأجراس الذي يعبر عن رسالة السلام التي تبعثها اليابان للعالم، وبعد ذلك تقدم الورود والشموع على النصب التذكاري، وتُطلق الأجسام المونة المضيئة على ساحل هيروشيما.

شر مطلق

هكذا وصف رئيس بلدية المدينة، كازومي ماتسوي، السلاح النووي، وطالب – في كلمته التي ألقاها أمام الحشود – المجتمع الدولي بالسعي للقضاء على الأسلحة النووية، مطالبا بإنشاء أنظمة أمنية لا تعتمد على القوة العسكرية.

ومن جهته تعهد رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في تصريحات بهذا المناسبة باقتراح مشروع قرار أممي لنزع السلاح النووي في العالم.

وبشكل غير مسبوق حضر”المناسبة” مسؤول أمريكي رفيع المستوى وسط عدد من الدبلوماسيين الأجانب، ومن جانبه صرح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بأن ذكرى هيروشيما تبرز قيمة للاتفاق النووي الإيراني لمنع انتشار السلاح النووي.


للقصة بداية

 


في 26 يوليو 1945 أعلنت دول التحالف على رأسها أمريكا، إعلان “بوتسدام” الذي طالبت فيه اليابان بالاستسلام الكامل دون شرط، وإلا ستقوم أمريكا بتدمير كل القوات اليابانية المسلحة، دون الإشارة في الإعلان إلى إمكانية استخدام القنابل النووية، ذلك الإعلان رفضته الحكومة اليابانية بعد يومين من إصداره.


أمطار من الدمار

هكذا توعد الرئيس الأمريكي هاري ترومان عدوه الياباني، الذي كان قد أعد الخطة المفاجأة لاستخدام الأسلحة النووية لزرع الخوف والرعب داخل الأوساط اليابانية، ليجبر اليابان على الاستسلام لإنهاء الحرب سريعا، وبالفعل نفذ تهديده شديد القسوة لتعلن اليابان استسلامها في 15 أغسطس 1945.

ففي صباح 6 أغسطس 1945 انهالت على هيروشيما 16 ألف طن من مادة التي إن تي، من خلال القنبلة النووية “ليتل بوي – أي الولد الصغير” التي ألقتها طائرة أمريكية من طراز بي-29، لتبيد البشر والحجر بمدينة هيروشيما، إذ قتلت قرابة 140 ألف مواطن وتصيب عشرات الآلاف بتسممات إشعاعية وأمراض سرطانية، وتدمر 90% من مباني ومنشآت المدينة.

 

يومها تأخرت عن العمل لذلك مازلت على قيد الحياة

 

هكذا تتحدث كيمي ريهارا – أحد الناجين من التفجير – عن قصتها يوم الكارثة، وتروي ذات الـ89 ربيعًا، أنها قبل 70 عامًا كانت تعمل كمحاسبة بوزارة الداخلية بمبنى القبة بهيروشيما، وكان من موعد عملها يبدأ في الثامنة صباحا – قبل وقوع القنبلة بربع ساعة فقط – ولكنها على غير المألوف كانت مُتعبة وبدت أنها قد تتأخر عن العمل أو لا تذهب إليه.

” كم كنت محظوظة لأني تأخرت عن العمل يوم الانفجار، ولكني أشعر بالأسف الشديد والضيق على زملائي الذين قُتلوا لأنهم جيدون ومنضبطون في عملهم”.

وعلى الرغم من أن “كيمي” قد هربت من الموت إلى أن والدها قد قُتِل واحترق منزلها، واحترقت أيضا أجزاء من يديها ووجهها ومكثت في السرير 3 أشهر للاستشفاء.

 


حتى لا تُمحى الكارثة من الذاكرة

كانت هذه شهادة إحدى الذين نجوا من الكارثة، من بين أقل من 200 ألف ناجٍ مازالو على قيد، ولكنهم مهددون بالانقراض فالعام الماضي فقط مات منهم 6000، وبقية الناجين تتجاوز أعمارهم الـ80 عاما، لذلك أنشأت جمعية يابانية لحفظ تلك الشهادات وتدوينها حتى تتعرف عليها الأجيال القادمة، لترسيخ ذلك التاريخ في أذهان الأجيال اليابانية الجديدة، بعدما زادت المخاوف من إهمال ذلك التاريخ، وبالأخص بعد استطلاع رأي أجراه مركز أبحاث ياباني تبين من خلاله أن 70% من العينة لا يعرفون تاريخ الحادثة في مقابل 30% يعرفونه.

وحفاظا على الإرث التاريخي لتلك الكارثة، تحول موقع الانفجار بمبنى القبة إلى “حديقة السلام التذكارية” التي أصبحت أثرًا تاريخيًّا ومعلمًا سياحيًّا يقصدها أكثر من 11 مليون زائر سنويا، بينهم حوالي 650 ألف زائر من خارج اليابان.

 

«كوكورا» أكثر حظا من «كيمي»

 

يبدو أن “كوكورا” كانت أوفر من حظ “كيمي” التي روينا قصتها، و”كوكورا” ليس اسم سيدة وإنما مدينة يابانية كانت مُستهدفة للقصف النووي عقب “هيروشيما”.

ففي 8 أغسطس، كانت مدينة كوكورا تنتظر استقبال القنبلة النووية الثانية، ولكن لحسن حظها أن سماءها كانت مُلبّدة بالغيوم التي شوشت الرؤية على الطائرات، مما أدى إلى إلقاء القنبلة على الهدف البديل “ناجازاكي”، ومقتل 74 ألفًا من سكان المدينة.

 

أمريكا .. ترفض الاعتذار

 

الاعتذار عن ضرب هيروشيما يعتبر تحريفا من الطراز الأول

 

هكذا أكد جورج بوش الأب في وقت سابق مشددا على رفضه الاعتذار عن كل هذه الخسائر البشرية والمادية الناجمة عن استخدام أمريكا للسلاح النووي، وأصر أن الانفجارين كانا ضروريين لوضع نهاية للحرب العالمية الثانية.

ويبدو أن القبول الأمريكي للقصف النووي، لم يكن رسميا ولا حتى تاريخيا فقط، وإنما امتد إلى رضا “شعبي” أظهرته استطلاعات الرأي الأمريكية.

ففي عام 1945 كان الأمريكيون راضين عن استخدام السلاح النووي ضد اليابان، وبعد مرور 70 عامًا لا يزال أغلب الأمريكيين راضين عن الضرب النووي للمدن اليابانية، ولكن بنسبة أقل.

إذ كشف مركز “بو” الأمريكي للأبحاث – 5 أغسطس 2015 – عشية الذكرى الـ70 لضرب هيروشيما عن أن 56% من الأمريكيين راضون عن استخدام القنابل النووية ضد المدن اليابانية.

 

المصادر

تحميل المزيد