وضعت يدي في عش الدبابير.. لكنني سأتحمل اللدغ، ولن أخالف ضميري.

كان في طريقه إلى المحكمة الإدارية العليا، لحضور الطعن على قرار عزله من منصبه بالجهاز المركزى للمحاسبات، وهي إحدى معاركه القديمة المستمرة مع السيسي، التي وصلت إلى أعلى هيئة قضائية بمجلس الدولة؛ وفي حال قررت المحكمة بطلان قرار رئيس الجمهورية بعزل جنينة، فإن حُكمها يُعتبر باتًا ولا يجوز الطعن عليه، أي أنّه من الممكن ساعتها أن يفوز السيسي في انتخابات الرئاسة القادمة، في نفس الوقت الذي يعود فيه آخر أعداء السيسي إلى مكتبه، وهي فزّاعةٌ ربما ما زالت تُقلق النظام.

لكنّ السيارة التي تُقلّ جنينة لم تصل إلى المحكمة قطّ، وبحسب ما أعلنته ابنة المستشار لصحيفة «المصري اليوم»، فإنّ جنينة تحرك بسيارته وحده من دون سائق، وعند سور قطاع الأمن العام بوزارة الداخلية استوقفته سيارتا ملاكي وقامتا بمحاصرته قبل الاعتداء عليه بأسلحة بيضاء.

فيما صرّحت زوجته لوكالة رويترز بأن ركبته مكسورة وينزف من أماكن كثيرة في جسمه أثناء تعرضه لمحاولة قتل؛ إلا أن وزارة الداخلية أصدرت بيانًا رفضت فيه أن يكون للحادثة أبعاد سياسية، وحصرتها في مجرد مشاجرة بين جنينة وأربعة أشخاص نتيجة حادث سير. وقد أعلن طه علي محامي جنينة، أن مأمور القسم رفض نقل جنينة للمستشفى للعلاج، وأبقى عليه محتجزًا، كما أنه رفض دخول الإسعاف بدعوى انتهاء المحضر.

المثير أنّ وزارة الداخلية أشارت في بيانها إلى أحد الذين اعتدوا على جنينة، وهو شخص يُدعى «شرنوخ» تبين مع البحث أن له حادثة مشابهة مع أحد الضباط الذين جاهروا بمعارضة سياسات وزارة الداخلية، وقد اتهم الأخير الضابط بدهسه بالسيارة وإحداث كدمة بالكاحل الأيمن، وكدمة في الركبة اليمنى، في محولة لنفي أي أبعاد سياسية للحادث.

ولم تمض ساعات، حتى أصبح هاشتاج #هشام_جنينة على موقع تويتر ضمن التغريدات الأكثر تداولًا في مصر حتى اللحظة.

المستشار المزعج ونائب «عنان»

حين سُئل جنينة عن موقفه من الترشح للانتخابات، أجاب أنه لن يخوض السباق وسيبقى خارج المشهد، لكنه ألمح إلى أن هناك من هو أجدر على ممارسة العمل السياسي في ظل الظروف الحالية، وبعد 10 أيام فقط على ذلك التصريح، أعلن الفريق سامي عنان ترشحه لانتخابات الرئاسة، ثم فجّر مفاجأة حول الفريق الرئاسي الذي شكّله، والذي شمل المستشار هشام جنينة، نائبًا للرئيس لحقوق الإنسان، ليصبح بذلك أحد أهم أعضاء حملته الانتخابية حاليًا، ومهندس تصفية رموز النظام القديم في حال وصول عنان للحُكم.

يُعدّ المستشار هشام جنينة الذي عيّنه الرئيس المعزول محمد مرسي على رأس أهم جهاز رقابي على السلطة التنفيذية في مصر  عام 2012، هو آخر من تمت الإطاحة بهم في عهد السيسي، بعد ثلاث سنوات ونصف بدأت بكشف مخالفات مالية  في مؤسسة الرئاسة في عهد مرسي عن طريق المؤتمر الصحفي الذي عقده دون إبلاغ مؤسسة الرئاسة أثناء فترة الرئيس المؤقت عدلي منصور، وانتهت إلى تصريحه المثير للجدل في عهد السيسي بشأن حجم الفساد المالي في جهاز الدولة الذي بلغ – حسب تصريحات جنينة – 600 مليار جنيه ما بين 2012 و2015.

والمستشار الذي يبلغ من العمر 64 عامًا، كان يُكرر بأنه سُلطة مستقلة لا تتبع الحكومة ولا رئيس الجمهورية، بنص الدستور، لذا كان يكشف عن تقارير فساد طالت عددًا من الأجهزة والمصالح الحكومية والوزارات وامتدت لتصل إلى جهات سيادية، وهي الجهات التي وصفها بأنها صارت فوق حكم القانون لترتكب المخالفات بدون رقابة أو محاسبة.

 وفي نفس الوقت كان جنينة يُحرج النظام عندما يُسرب للإعلام معلومات عن أن جهاز الكسب غير المشروع والنيابة العامة لا يتعاونان مع الجهاز المركزي للمُحاسبات، ليس هذا فقط، بل إنه أعلن أن الأجهزة والمؤسسات تستهدف منصبه وليس شخصه، وأن الرغبة في إزاحته هدفها عرقلة الجهاز في مواجهة الفساد، وقد أثارت تلك التصريحات إحراجًا كبيرًا للنظام.

 وحتى يقوم السيسي بإقالته من منصبه عام 2016، اقتضى الأمر إصدار قرار جمهوري يقضي لرئيس الجمهورية بالحق في إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات والأجهزة المستقلة من مناصبهم، وبالرغم من أنّ وسائل الإعلام سلطتْ الضوء وقتها على المستشار العنيد باعتباره المستهدف الأول من ذلك القانون، إلا أنّه علّق قائلًا: «أذرع السيسي القانونية أغفلت أن تضع في ديباجة القانون الجديد تعديل أو حذف المادة 20 التي تنص على عدم حق الرئيس فى إعفائه من منصبه»، ثم أضاف: «أنا غير قابل للعزل»، وهي الثغرة القانونية إضافة إلى ثغرات أخرى كان سيطرحها دفاع جنينة اليوم أمام المحكمة.

مصدر مُقرب من جنينة داخل الحملة الانتخابية لعنان أوضح لـ«ساسة بوست» أن المستشار السابق المفصول من نقابة المحامين ما زال يعتقد أنه أقوى من السيسي، وأنّ معركته القادمة لاستعادة منصبه القديم هي مجرد وقت، وأن أدلة الطعن على الحُكم ستحرج المحكمة إذا لم يتدخل القضاء لتسييس الحُكم.

والرجل العنيد كان قد واجه حُكمًا استثنائيًا في القضية المتهم فيها بنشر أخبار كاذبة، إذ حُكم عليه بالسجن سنة مع الشغل، لكنّ المحكمة قالت في حيثياتها: يلتزم المتهم بالصمت لمدة ثلاث سنوات كاملة، وإلّا يتم تطبيق الحُكم عليه، إلا أنّ جنينة بعد خروجه مباشرة قام بالتعليق على الحُكم واتهم المحكمة بتسييس القضية، ليس هذا فقط، بل إنه امتنع عن دفع 20 ألف جنيه قيمة الكفالة، فأحالته النيابة للمحاكمة العاجلة، قبل أن تسدد أسرته المبلغ، ويُخلى سبيله؛ المثير للانتباه أنّ النظام حتى الآن لم ينفذ ضده الحُكم رغم أنه هاجم النظام السياسي وشكك في نزاهة الانتخابات الرئاسية، وما زال يُمثّل مصدر إزعاج.

ضابط الشرطة السابق عدوًا لوزارة الداخلية

كان جنينة ضابطًا قبل أن يُصبح قاضيًا، وهي إحدى أكثر التفاصيل المثيرة للانتباه في سيرة حياة الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، فجنينة يحمل شهادتي بكالريوس الشرطة، وليسانس الحقوق من جامعة عين شمس عام 1976، وعقب تخرجه عمل ضابطًا في الأمن العام، ثم عُين بعدها بعامين معاونًا للنيابة العامة ثم وكيلًا للنائب العام بمكتب النائب العام، وبالرغم من خلفيته الأمنية، إلا أنه أكثر القضاة الذين دخلوا في معارك ضد وزارة الداخلية واتهمها بالفساد.

جنينة سبق له أن سرّب لوسائل الإعلام أنّ زملاءه حذروه من محاولة اغتيال بسبب المؤتمر الصحفي الذي عقده بمقر الجهاز، كما كشف أيضًا أنه تعرض لضغوط كبيرة من مسئولين وجهات رسمية لمنع كشف المتورطين في الفساد خلال المؤتمر الذي أعلن فيه الفساد في الوزارات خاصة الداخلية، وجهات قضائية وسيادية؛ لكنه رفض فواجه حملات عقابية من عدة أجهزة أبرزها النيابة العامة التي رفضت التعاون معه، والجهاز الإداري الذي تجاهل 520 بلاغًا منه في فضايا فساد.

 إلا أن الصدام الكبير  قد حدث عندما قامت الداخلية بتفتيش أحد أعضاء الجهاز المخصصين للرقابة المالية على الداخلية تفتيشًا ذاتيًا، كما منعته من أداء عمله، وحجبت عنه المستندات، ثمة موقفٌ آخر أكثر خطورة، إذ قام عناصر الداخلية بالاستيلاء على سجلات التحقيق وأجهزة كمبيوتر محمولة، تحت مُسمّى أن الطريقة التي تُنفق فيها أموال الدولة يجب أن تبقى سرًا.

يحكي جنينة في حوار صحفي لجريدة «المصري اليوم»، خلافه مع اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية السابق، قائلًا: «اتضح أن سيادة الوزير لم يكن راضيًا عن أعضاء الجهاز المختصين بالرقابة المالية على وزارة الداخلية، ثم اتصل بي طالبًا مني تغيير أعضاء الجهاز المعنيين بالعمل في ملفات الداخلية، وعندما سأله جنينة عن السبب أجاب الوزير السابق: «إنهم يضايقون قيادات الوزارة»، يُضيف جنينة: «طلبت منه تقديم مذكرة رسمية لمحاسبتهم إذا ثبت أنهم أخطؤوا لكنه رفض»، فكان رد الضابط السابق على وزير الداخلية: «وأنا ما سمعتش حاجة ثم انتهت المكالمة بيننا».

في بداية حُكم الرئيس السيسي وجّه جنينة رسالة للنظام مفادها: «أفخر بانتمائي للمؤسستين الشرطة والقضاء، لكنّ هذا لا يمنعني من كشف الفساد فلن أجامل شرطيًا لأنه زميلي أو أجامل وكيل نيابة أو قاضيًا لأنه زميلي». يقول المستشار إن عدد الصناديق الخاصة بوزارة الداخلية بلغ نحو 38 صندوقًا بقيمة 12 مليار جنيه، لم يذكر منها جودت الملط رئيس جهاز المحاسبات السابق في أحاديثه الصحفية غير خمسة فقط؛ في حين أنّ تحقيقًا لمؤسسة أنجازا ترجمته «ساسة بوست» كشف حصول كبار الضباط على جزء من الأموال المسروقة، قادمة من سلسلة من حسابات بنكية سرية تستخدم في إخفاء الأموال التي يتم جمعها بواسطة الوزارة، معلومة أخرى كشفها التحقيق أن أكبر سبعة مسؤولين في الداخلية قد سرقوا من الأموال المخصصة للمعاشات التي تستقطع من مرتبات صغار الضباط.

وبالرغم من أنّ جنينة لم يكشف عن حجم الفساد الفعلي للداخلية، إلا أنه أثار الجدل حين كشف عن أكثر القطاعات فسادًا في وزارة الداخلية، وهي  مصلحة الأمن العام وفي ديوان الوزارة ذاتها، خاصة المقربين من الوزير، إضافة لمباحث أمن الدولة التي اتهمها بسرقة ملياري ونصف مليار جنيه.

عضو تيار الاستقلال الذي تحدى الزند

رئيس الجهاز المركزي السابق يصف نفسه بأنه ليس سياسيًا ولا يمتلك أي طموح سياسي، لكنّ التاريخ الثوري لرجل القانون يخالف كل تصريحاته، فجنينة الذي بدأ مساره قاضيًا في محكمة الجيزة الابتدائية، ثم رئيسًا لمحكمة شمال القاهرة الابتدائية، وعيّن بعدها رئيسًا لمحكمة استئناف القاهرة، كان أبرز مُعارضي مبارك داخل السلك القضائي ممثلًا في تيار الاستقلال.

في عام 2005، كان جنينة وقتها سكرتيرًا عامًا لنادي القضاة، وقاد حملة ضد نظام مبارك بعد تزوير انتخابات مجلس الشعب، وهو ما أدى إلى اعتقال عدد من قيادات التيار، وفي عام 2009 استعد النظام لانتخابات نادي القضاة بقائمة عُرفت باسم تيار التغيير، برئاسة المستشار أحمد الزند، ففاز ضد مرشح تيار الاستقلال هشام جنينة، الذي علق على نتائج الانتخابات قائلًا: «خضنا معركة غير شريفة، والدولة حشدت قوتها لإسقاطنا».

 كما هاجم الحكومة ووزارة العدل ورؤساء المحاكم الذين يعينهم الوزير، متهمًا إياهم بالتدخل في الانتخابات، وبعد ثورة يناير (كانون الثاني)، كان جنينة أحد أبرز المرشحين لتولي وزارة العدل، وبالرغم من ابتعاده عن القضاء برئاسته جهازًا مستقلًا، إلا أن صراعاته القديمة لم تتوقف، وخاصة مع المستشار الزند.

المعركة بين الزند وجنينة لم تنتهِ بتولية الأخير للجهاز المركزي للمحاسبات، ويبدو أنه وجدها فرصة للانتقام، فقدّم جنينة للمجلس الأعلى للقضاء قضية فساد يتهم فيها المستشار الزند الذي أصبح وزيرًا للعدل في حكومة السيسي بالفساد والرشوة وإهدار المال العام، كما أنه سرّب مستندات لصحيفة الأهرام القومية التي نشرت أن وزير العدل قام ببيع أرض نادي قضاة بورسعيد لقريب زوجته بـ18 ألف جنيه للمتر بدلًا من 50 رغم ملكيتها للدولة، ولم تتحرك النيابة العامة التي كانت في خلاف مع المستشار جنينة ضد الزند.

عاقب النظام المصري جنينة على مواقفه ضد أجهزة الدولة، فعقب عزله من منصبه بقرار جمهوري، صدر أيضًا قرار جمهوري آخر بعزل ابنته من النيابة الإدارية على خلفية قيامها بالخوض في أمور سياسية عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي، والإساءة للمستشار أحمد الزند، وزير العدل السابق ونشرها كاريكاتيرًا مسيئًا له.

وبالرغم من أنّ جنينة عُزل من منصبه، كما أنه مفصول من نقابة المحامين بسبب قضية نشر الأخبار الكاذبة، ويواجه حكمًا قضائيًا بالحبس في أي وقت، إلا أنّ معاركه القضائية والسياسية مع النظام لم تنتهِ حتى الآن، وجدير بالذكر أنّ المحكمة الإدارية العليا التي تنظر طعن جنينة على قرار عزله من منصبه قررت تأجيلالطعن إلى جلسة 10 مارس (أيار) أي قبل أسبوعين من انتخابات الرئاسة.

اقرأ أيضًا: «هشام جنينة»: كيف تدير الدولة المصرية معركة إخضاع أجهزتها الرقابية؟

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!