كانت مصر خلال العصور الوسطى وجهة لطائفة كبيرة من الرحل والباحثين من المشرق والمغرب، تجذبهم عظمتها وآثارها وعلومها وفنونها؛ وفيما كانت القوى العسكرية للدولة العثمانية تتضاءل تدريجيًّا في القرن الثامن عشر ومصر مفتحة الأبواب دون حماية حقيقية، كان الرُحَّل الغربيون يفِدون عليها في فترات متقاربة، أغلبهم من الفرنسيين والإنجليز، يدرسون أحوالها بعناية ودقة، في رحلات ودراسات مستفيضة «لم تكن بريئة كل البراءة»، و«لم تكن بعيدة كل البعد عن وحي الاستعمار ومشاريعه» كما يصفها المؤرخ الدكتور محمد عبد الله عنان.

جاءت كتابات الرحالة الفرنسيين بقدر الصدق والدقة التي اتصفت بها كتابات المؤرخين المصريين عن تلك الفترة، وعلى رأسهم عبد الرحمن الجبرتي، خاصة فيما يتعلق بالأحوال السياسية، وهي تكشف أكثر من غيرها عن صورة مصر في عيون الأوروبيين في تلك الفترة، ومقارنة بوصف الرحالة الإنجليز والروس، فقد كانت كتابات الفرنسيين ورسومهم وخرائطهم أكثر دقة، فضلًا عن أن عددهم كان أكثر؛ ما سمح لهم باستكمال الحلقات فصار لدى فرنسا وصف متكامل لمصر، أغرى حكومات فرنسا بفكرة غزوها.

في كتابات كثير من الرحالة الفرنسيين محاولات لإقناع حكوماتهم بغزو مصر، فما الذي أقنع الحكومة الفرنسية لترسل جيشها إلى الشواطئ المصرية بقيادة نابليون بونابرت عام 1798م؟ وكيف كتب الرحالة الفرنسيون عن مصر ليقنعوا جيوشهم بالقدوم إليها؟

زيارات طويلة إلى صعيد مصر.. فرنسا تدرس مصر

لم تكن هذه هي الرحلات الأولى من نوعها لرحالة فرنسيين؛ فقد سبقهم في القرنين السادس عشر والسابع عشر رحالة زاروا مصر بعد أداء فريضة الحج في بيت المقدس، كانوا يتوجهون إلى المزارات المسيحية في دير سانت كاترين بسيناء، وبستان مريم في المطرية، والأديرة القبطية في وادي النطرون، لكن رحلاتهم كانت سريعة، ومثلها كانت كتاباتهم عن مصر؛ سريعة ومقتضبة و«جافة». أما زيارات الرحالة الفرنسيين في القرن الثامن عشر فكانت طويلة، امتد بعضها عدة سنوات، وكان بين الرحالة جواسيس يهتمون بدراسة الأحوال السياسية والعسكرية لمصر لخدمة مصالح بلادهم.

كانت فرنسا قد فقدت في حروبها في أوروبا، وخاصة حرب السنوات السبع، ممتلكاتها في الهند والعالم الجديد، وكانت مصر هي محل اهتمامها في هذا القرن، فتوغل الفرنسيون في صعيد مصر وصحاريها، ومكثوا فيها عدة سنوات فكانت كتاباتهم أكثر عمقًا، قدموا وصفًا شاملًا للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر، وكانوا يحثُّون حكومات بلادهم على الاستيلاء عليها للفوز بثرواتها الاقتصادية، والاستفادة من موقعها الجغرافي المهم، والذي سيحقق فائدة اقتصادية وتجارية لفرنسا، خاصة إذا ما جرى وصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر.

مصدر الصورة: ميدل إيست أونلاين

كان بين الرحالة الفرنسيين من تأثر بالثقافة العربية وأتقن بعضهم اللغة العربية، مثل الأب دروفال، والراهب كلود لويس فورمون، اللذين اطلعا على مكتبة الأزهر وأشادا بدوره، حتى إن فورمون قال عن مصر إنها «ملأت العالم فخرًا ومجدًا بحضارتها وآثارها».

زار فورمون مصر في عام 1747م وبقي فيها أربع سنوات وعاد إليها في رحلة أخرى عام 1754م، واطلع على أعمال المقريزي وابن دقماق وأٌعجب بهما بشدة، وحرص على تعريف القارئ الفرنسي بأعمالهما، كما اطلع فورمون على نظم التعليم والتدريس بالجامع الأزهر وحصل على العديد من المخطوطات العربية، أمد بها المكتبات الفرنسية وكانت رحلته بدعم من الفاتيكان بهدف إمداد المكتبات الفرنسية بالمخطوطات والأعمال العربية.

كتب فورمون عن القاهرة وتعداد سكانها، وقدَّم وصفًا عن البيمارستانات والحمامات العامة والوكالات والتجارة فيها، وكتب عن الحياة السياسية المضطربة التي عاشها أهلها في تلك الفترة، وقدم اقتراحًا بحفر قناة تمتد من السويس وحتى البحر المتوسط.

في عام 1747 أيضًا زار مصر الأب دروفال بغرض جمع المخطوطات العربية، وقد نجح في عقد صداقات مع كبار علماء الأزهر، وأشاد بأخلاقهم الكريمة، وبالكتب الثمينة التي تحتويها مكتبة الأزهر، وكان في مقدمة الرحالة الذين قدموا إلى مصر قبل الحملة الفرنسية بقليل المستشرق الفرنسي كلود إتيان سافاري، الذي زار مصر في عام 1776، وكتب عن رحلته إليها ثلاثة مجلدات، ونشر ترجمة جيدة للقرآن وكتابًا في تفسير قواعد الدين الإسلامي، وأجرومية للغة العربية والعامية.

وكان لبعض الرحالة دراسات علمية قيمة، مثل دراسة جرانجيه عن مصبات النيل وفروعه، ودراسة فولني عن سحَّة مصر، وملاحظات الأب كلود سيكار عن منطقة وادي النطرون.

غزو مصر.. «مشروع هين»

قدَّم الرحالة الفرنسيون حافزًا قويًّا لسلطات فرنسا لكي تضع أيديها على مصر وأقنعوا حكوماتهم بسهولة الاستيلاء عليها ووضحوا أوجه ضعف وسائل الدفاع فيها، لكن فكرة غزو مصر لا يمكن أن تنسب إلى كتابات القرن الثامن عشر وحده، فقد روَّج لها بعض الرحالة في القرن السابع عشر، وأصبح للغزو صفة رسمية منذ عهد لويس السادس عشر وفي عام 1777 أرسل البارون دي توت للعمل مفتشًا لكنه كان مكلفًا بمهمة سرية، وهي بحث إمكانية غزو مصر.

مصدر الصورة: بي بي سي

كان البارون دي توت نبيلًا من أصل مجري، دخل في خدمة فرنسا وتعلم التركية، وأُوفد في بعثات دبلوماسية لتفقد ثغور شرقي البحر المتوسط، وحين عاد إلى فرنسا عام 1776 كان من أنصار استيلاء فرنسا على مصر، خاصة مع انهيار الدولة العثمانية الذي بدا له وشيكًا، وصدرت إليه تعليمات حكومته بأن يتولى دراسة إمكانية فتح مصر، وبشكل أكثر تحديدًا «الأوامر التي سيكون من الضروري إصدارها لفتح مصر والاحتفاظ بها وحكمها». اختار دي توت في بعثته مترجمًا هو فينتو دي بارادي، وعالم طبيعيات ليغطي على هدف الحملة، هو سونيني دي ماننكور، وكان سونيني ضابطًا في البحرية الفرنسية أيضًا.

وصف سونيني أخلاق وعادات المصريين في ذلك العهد، وكتب عن آثار مصر وحيواناتها ونباتاتها، ويعد أحسن من كتب عن مصر قبل الحملة الفرنسية، وفي موضوع الغزو كتب يقول: «لا بد من غزو مصر للإفادة من ثرواتها»، وأخذ يعددها «فهي تقع على ساحل أفريقيا، وتعتبر همزة الوصل بين آسيا وأوروبا، ومن الممكن أن تكون مركزًا لتجارة العالم لو استولت عليها فرنسا، فمصر هي مهد العلوم والفنون، وسوف تنتعش تجارتها؛ مما يتيح لفرنسا أن تكون أكثر دول العالم ثراء بسبب التجارة»، وأضاف سونيني إلى هذه الأسباب استيلاء بريطانيا على الهند.

وزار دي توت المدن الساحلية المهمة في مصر مثل أبي قير، والإسكندرية، ودمياط، ورشيد، ودوَّن ملاحظاته عن تحصيناتها وعاد ليصف الغزو بأنه «مشروع هين». وفي عام 1777 أيضًا قدم سان برييه عدة تقارير إلى الوزير الفرنسي فرجين يوضح فيها خصوبة أرض مصر التي «تنمو فيها النباتات دون زراعة»، وكيف أنها ستعوض فرنسا عما فقدته في مستعمراتها في كندا، وأن القوة الحاكمة فيها من السهل السيطرة عليها، وفي عام 1782 كتب البارون ولدنيه مشروعًا للسيطرة على مصر وقال فيه: «إن أسطولًا فرنسيًّا مكونًا من 12 أو 15 سفينة في السويس قادر على أن يحول فرنسا إلى سيدة الموقف في البحر الأحمر».

فولني الذي لم يحب مصر 

كان فولني محاميًا أتقن اللغات القديمة، وعكف على دراسة التاريخ والطب، وتملكته الرغبة في السفر فقط بوصفه وسيلة لتهذيب العقل، اختار السفر إلى سوريا ومصر، أحب فولني سوريا ومكث فيها ثماني سنوات، ولم يحب مصر بالقدر ذاته، فلم يزر إلا الوجه البحري فيها، واستغرب من وصفها من الفرنسيين بأنها أجمل مناطق العالم، فقال: «ليست سوى أرض مسطحة وأشجار نخيل تقوم على مسافة هزيلة وأكواخ من الطين، لا ترى في مصر شيئًا من السحر ولا الغنى»، وكان يؤكد أن الرحالة يبالغون في وصفهم، أو ربما نسوا أنهم وقت إقامتهم فيها كانوا يرغبون في الرحيل.

رأى فولني في مصر مكانًا لتحقيق طموحات فرنسا ونشر كتابه «رحلة إلى مصر وسورية» في مجلدين عام 1787، وكتب عن مصر بدقة ونشر خرائط للدلتا وسيناء وصف بشكل خاص التدهور السياسي والعسكري والاجتماعي، وكتب يقول: «لا يمكن إنقاذ مصر إلا بتدخل أجنبي، وينبغي أن تكون فرنسا هذا البلد»، وكانت كتابات فولني هي المفضلة لقادة الحملة الفرنسية الذين قدموا إلى مصر؛ إذ قدمت بالتفصيل العقبات التي قد تواجهها حملة فرنسية إلى الشرق، درسها نابليون بعناية ودعاه لصحبة الحملة، لكن فولني اعتذر.

أوليفييه يصف التحصينات العسكرية

رحالة آخر هو أوليفيه كتب بشكل مختلف أيضًا عن مصر، وكان طبيبًا زار مصر وإسطنبول عام 1796 وسجل وصفه لثروات مصر الزراعية والحيوانية، وسخر من وصف سافاري لمصر فقال: «إن منظر الحدائق المزروعة بالنخيل والبرتقال لم يشعل لهيب خيالي».

وكتب أوليفييه عن الأوضاع السياسية، وخاصة النزاع بين مراد بك وإبراهيم بك، وكان مكلفًا من حكومته ليضع اللمسات الأخيرة لاحتلال مصر ويصف التحصينات العسكرية فيها، وأكد لهم أن مصر «بلا دفاع»، وتقول الباحثة إلهام محمد ذهني في كتابها «مصر في كتابات الرحالة والقناصل الفرنسيين في القرن الثامن عشر» إن الرحالة الفرنسيين ركزوا على مصالح فرنسا التجارية والفوائد التي ستعود عليهم من غزو مصر، وإن غلَّفوا ذلك بمبررات أخلاقية مثل إنقاذ شعب مصر من «المماليك الطغاة» وإدخال المدنية الحديثة إلى البلاد.

تاريخ

منذ سنة واحدة
مستشرق فرنسي ترجم القرآن وألهم نابليون ليغزو مصر.. من هو؟

وبين كتابات رحالة أحبوا مصر وأعجبوا بها، ورحالة آخرين رأوا فيها ثروة نافعة لفرنسا، اكتملت صورة مدن مصر وأحوالها وحرصت فرنسا على اغتنام ثرواتها الزراعية والاستفادة من موقعها الجغرافي المهم. وحين قدم قادة الحملة الفرنسية أكدوا أنه «لولا كتابات سافاري وجرانجيه وفولني وأوليفييه لما تمكنا من معرفة مصر قبل أن نقدم على غزوها».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد