مصطفى جمعة 14
مصطفى جمعة 14

872

قليلة هي تلك الليالي التي يتحول فيها المستحيل إلى حقيقة واقعة، وفي كرة القدم بالتحديد يشاهد المشجع كل عام عشرات المباريات لكن عددًا قليلًا منها يخلدُ في ذاكرته للأبد، ويظل سنين طويلة يتذكر ما حدث فيها بكل تفاصيلها، وربما يرويها لأولاده وأحفاده من بعده، مباراة روما وبرشلونة في إياب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا كانت واحدة من هذه الليالي.

جادت علينا كرة القدم من جديد بتحول ما اعتبره البعض معجزةً نادرة الحدوث إلى حقيقة أمام أعيننا بأقدام اللاعبين، فعلها روما وتغلب على برشلونة (3-0)، وعاد في النتيجة بعد تأخره بفارق ثلاثة أهداف في الذهاب (4-1)، ولم يسبقه في فعلها عبر تاريخ دوري أبطال أوروبا سوى ناديين فقط كان منافسه واحدًا منهما العام الماضي أمام باريس سان جيرمان، والآخر إسبانيّ أيضًا وهو ديبورتيفو لاكورنيا عام 2004 أمام ميلان، لكن من الواضح أن إيطاليا أرادت أن تدخل هي الأخرى على خط «الريمونتادا» ومن بوابة عاصمتها التاريخية روما.

كل الطرق لم تكن تؤدي إلى روما

أمام برشلونة نحتاج إلى معجزة للتأهل؛ لكننا سنقدم أفضل ما لدينا، علينا أن نصدق بأننا نستطيع فعل ذلك. *مدرب روما دي فرانشيسكو قبل لقاء الإياب

في مباراة الذهاب التي انتهت بفوز برشلونة 4-1، قدم فريق روما أداءً جيدًا استطاع به الحد من خطورة نجم برشلونة الأول ليونيل ميسي، وكذلك الوصول إلى مرمى حارس برشلونة تير شتيجن؛ فأحرز هدفًا وأضاع أهدافًا، لكن كرة القدم أدارت له ظهرها في هذا اللقاء إذ سُجل هدفان في مرماه بأقدام لاعبيه: دي روسي، ومانولاس.

دي فرانشيسكو مدرب روما

نتيجة كهذه وبالرغم من كل التحفظات التي أبدتها جماهير برشلونة على الأداء تبدو مريحة للغاية، فالعودة من التأخر بأربعة أهداف تبدو غير منطقية على الإطلاق حين نتحدث عن رابع الدوري الإيطالي أمام متصدر الدوري الإسباني الذي لم يذق طعم الهزيمة في الدوري، وخسر مباراة واحدة طيلة الموسم في الكأس، والذي يضم بين جدرانه واحدًا من أفضل لاعبي كرة القدم عبر تاريخها: ليونيل ميسي.

بالنظر عن قرب إلى الفريقين في آخر مباراة خاضاها قبل اللقاء، يبرز فوز برشلونة على ليجانيس (3-1) في الدوري الإسباني بهاتريك ميسي، وفي المقابل خسارة روما أمام فيورنتينا 2-0. كل المؤشرات كانت تصب في صالح الفريق الكتالونيّ.

لم يتوقع أحد تحقق «المعجزة» كما وصفها مدرب روما نفسه، لم يكن من المنطقي تصور أن فريق روما بقيمة لاعبيه السوقية التي تبلغ 388 مليون يورو باستطاعته هزيمة فريق برشلونة بلاعبيه الذين تبلغ قيمتهم التسويقية مليار يورو تقريبًا، بثلاثة أهداف دون مقابل، ولكن مهلًا من قال إن كرة القدم تخضع دائمًا للمنطق؟

خلطة الذئاب السحرية لالتهام برشلونة

بمقارنة لاعبي برشلونة جميعًا من أول حارس المرمى وحتى المهاجمين بلاعبي روما يتضح جليًا تفوق تشكيلة البلاوجرانا في كل الخطوط تقريبًا، وفي مباراة كهذه، وبالوضع في الاعتبار نتيجة الذهاب والفارق الكبير بين لاعبي الفريقين يحتاج الفريق الخاسر إلى خلطة سحرية للفوز باللقاء، إما أن تكون ضربة حظ عابرة، وإما أن تكون أخطاء تحكيمية مؤثرة، أو مخاطرة حمقاء متهورة، أو مزيجًا من الثلاثة، لكن روما لم يلجأ لأي من هذه الطرق. 

من أجل العودة في النتيجة عن طريق التفوق في الأداء كان يجب أن يقدم كل لاعبي روما أفضل ما لديهم، وبالمقابل يكون كل لاعبي برشلونة دون المستوى، لم يضمن دي فرانشيسكو مدرب الذئاب قبل اللقاء الشرط الثاني؛ لكن المؤكد أنه حقق الشرط الأول كاملًا؛ فأخرج لاعبوه أفضل ما لديهم، وفي المقابل تحقق الشرط الثاني فظهر لاعبو برشلونة بصورة سيئة، واستحقت روما التأهل عن جدارة بعدما قدموا واحدة من أفضل مباريات فريقهم في تاريخ دوري الأبطال.

 تشكيلة الفريقين (whoscored)

دخل روما اللقاء بخطة 3-5-2 للمرة الأولى هذا الموسم، قرار شجاع من المدرب الذي غيّر الخطة في مباراة كهذه، ما أراده دي فرانشيسكو من هذه الخطة هو الدفع بخمسة لاعبين في وسط الملعب من أجل سد الطرق على ميسي الذي يلعب هذا الموسم مع برشلونة بصفته صانع ألعاب أكثر منه مهاجمًا وهميًّا، فيضطر للنزول إلى منتصف ملعب الخصم للخروج بالكرة، ومن ثمّ صناعة الأهداف.

روما كان يعلم جيدًا أن أي هدف يتلقاه يقتل أمله في «الريمونتادا»؛ فأحسن صنعًا في الدفاع وأغلق المساحات على ميسي وسواريز، وفي الهجوم دفع المدرب بدجيكو وشيك معًا من أجل استغلال الكرات العالية، والضغط المبكر على دفاع برشلونة.

بدأ اللقاء الحلم، روما يضغط مبكرًا، في الدقيقة السادسة تصل الكرة إلى دي روسي وهو في منتصف الملعب، يلعبها طولية في اتجاه مرمى الخصم هذه المرة، يسيطر دجيكو على الكرة ويضعها في الشباك بمهارة، معلنًا الهدف الأول وبداية تحقق المعجزة على يد الذئاب.

ابدأ بالضروري.. ثم انتقل إلى الممكن.. تجد نفسك فجأة تصنع المستحيل

كان من الضروري أن يحرز روما هدفًا، وقد تحقق له ذلك عن طريق دجيكو في الدقيقة السادسة، انتقل روما إلى الممكن فهاجم برشلونة طيلة الشوط الأول، وتألق شتيجن ليحرم روما من الاقتراب من المستحيل، انتهى الشوط الأول بلا أي تسديدة على المرمى من جانب برشلونة، في واحدة من أسوأ الأشواط الأوروبية للفريق الكتالونيّ في الأعوام الأخيرة.

الشوط الثاني بدأ، الجماهير متحمسة، الأهازيج عالية، دي روسي استعاد توازنه، دجيكو يضغط ويدافع ويقفز مع الكرات العالية ويحارب على الكرة، كرة طولية بسيناريو الهدف الأول نفسه تصل إليه، يدخل منطقة الجزاء ومعه بيكيه الذي يعجز عن أخذ الكرة منه، يجذبه من يده فيسقط على الأرض، الأوليمبيكو يهتز مطالبًا بركلة جزاء، والحكم يتأخر قليلًا، يتدخل الحكم الخامس فيصفر حكم اللقاء بضربة جزاء لروما.

ينبري دي روسي لها ويسددها قوية على يسار شتيغن الذي لم يستطع اللحاق بها رغم لمسها، معلنة الهدف الثاني لروما وسط صراخ كل من في الملعب، وكيف لا وقد اقترب الحلم الكبير من التحقق أمام أعينهم.

بين الشجاعة والحماقة شعرة، وبين التروي والتأخر حتى السقوط شعرة أخرى، الأولى أمسكها دي فرانشيسكو مدرب روما، والثانية قصفها فالفيردي مدرب برشلونة؛ فانهزم فريقه بهذه النتيجة.

Embed from Getty Images

عقب الهدف الثاني لم يُحرك فالفيردي ساكنًا، بدا واضحًا أن سيميدو نقطة ضعف واضحة في دفاع برشلونة، كان من الممكن إجراء تغييرين وتأمين وسط الملعب عن طريق الدفع بباولينهو بدلًا من سيميدو وانتقال روبيرتو إلى اليمين، ومعه سحب إنيستا المجهد للغاية، والدفع بديمبيلي والتحول إلى (3-3-4) عن طريق باولينهو وراكيتيتش وبوسكيتس في الوسط وأمامهم ديمبيلي وميسي وسواريز، من أجل تشكيل خطورة حقيقية على روما، وإحراز هدف يخمد ثورتهم، لكن مدرب أتليتكو بلباو السابق لم يُحرك ساكنًا بعد الهدف الثاني في مرمى فريقه، وانتظر حتى الدقيقة 80 لإجراء أول تغيير له ولكن كان قد فات الأوان.

على الجانب الآخر تحلّى مدرب روما بشجاعة كبيرة، فدفع في الدقيقة 77 بالمهاجم ستيفان شعراوي بدلًا من لاعب خط الوسط ناينغولان، رمى بكل أوراقه بلا تهور، تبقى 13 دقيقة، لا يزال روما بحاجة إلى هدف ثالث للتأهل.

الدقيقة 82، سيميدو يشتت كرة إلى ركنية، ووندر ينبري لها ويرفعها على رأس مانولاس الذي أحرز هدفًا في نفسه خلال لقاء الذهاب، يضع الكرة هذه المرة في شباك الخصم، نعم لقد تحققت المعجزة، من يصدق أنها حدثت؟

سيميدو الذي تسبب في الركنية وفي الهدف -إذ تغافل عن مراقبة مانولاس-، لم يصدق فوضع يديه على رأسه في حسرة على ما جناه لفريقه.

تراجع الذئاب للدفاع، تمضي الدقائق سريعة غير عابئة بتحرك فالفيردي المتأخر في التبديلات، في الدقيقة 94 يطلق الحكم الصافرة معلنًا نهاية اللقاء، ومع الصافرة زلزال في الأوليمبيكو، صنع روما المستحيل وأقصى برشلونة ليسطر أجمل ليلة في تاريخ روما بدوري أبطال أوروبا.

Image may contain: 2 people

كاريكاتير من شبكة Bleacher Report عن اللقاء.

فالفيردي وبرشلونة.. الرقص على السلالم المتحركة

هذا الفشل مني، أنا المسؤول الوحيد عن الخروج، روما كان أفضل. * فالفيردي عقب اللقاء

أراد فالفيردي عدم المجازفة مرتكنًا إلى نتيجة الذهاب؛ فاحتفظ بالفرنسي عثمان ديمبيلي على دكة البدلاء، ودخل اللقاء بخطته المعتادة 4-4-2 بالدفع بميسي وسواريز في الأمام ومن خلفهما إنيستا وروبيرتو وراكيتيتش وبوسكيتش في وسط الملعب، لم يقدم ميسي الأداء المعهود؛ فسدد مرة واحدة على المرمى بعد 73 دقيقة، أما إنيستا فلمس الكرة 42 مرة، أقل مما لمسها الحارس شتيغن (49)، وهي الأرقام التي تعكس تفوقًا صريحًا لوسط روما بقيادة دي روسي ونانغولان اللذين حرما أخطر لاعبي برشلونة من الكرة؛ فلم يصنع برشلونة أي خطورة على مرمى حارس روما أليسون.

وفي محاولة لوصف المستوى السيئ الذي ظهر به البلاوجرانا في المباراة يكفي القول إن دفاع برشلونة تلقى ثلاثة أهداف فقط طيلة مشواره في البطولة من دور المجموعات مرورًا بالدور السادس عشر وحتى مباراة الذهاب، بينما تلقى في مباراة العودة فقط أمام روما ثلاثة أهداف كانت كفيلة بخروجه من البطولة للمرة الثالثة على التوالي من دور ربع النهائي.

Embed from Getty Images

يتصدر برشلونة ترتيب الدوري الإسباني بفارق 11 نقطة عن أقرب منافسيه، كما وصل إلى نهائي كأس ملك إسبانيا، وتصدر مجموعته في الأبطال، أرقام قد تؤكد نجاح فالفيردي الساحق هذ الموسم، لكن كرة القدم لم تكن يومًا مجرد أرقام. مع فالفيردي تخلى برشلونة عن إرثه الكرويّ الكبير منذ عهد كرويف، والذي أحياه بيب جوارديولا من جديد، هذا الإرث الذي يتكون من فلسفة الاستحواذ على اللعب وفرض هذا الأسلوب على الخصم أيًّا كان، لكن برشلونة فالفيردي بالأمس خسر الاستحواذ لصالح روما في الشوط الثاني، وكانت نسبته في الدقيقة 87 من المباراة 52% لروما وهي واحدة من المرات القليلة في عهد برشلونة التي يخسر فيها رفاق ميسي الاستحواذ لصالح فريق آخر.

هذه أسوأ هزيمة لي في تاريخي مع برشلونة وفي مسيرتي الكروية. * بوسكيتس لاعب برشلونة عقب اللقاء

طيلة هذا الموسم كانت النتائج تغطي على كل التفاصيل، لكن ما إن حدث الخروج الكبير وُجهت كل السكاكين إلى مدرب الفريق باعتباره المسؤول الأول عن الخسارة.

بالنظر إلى بداية الموسم وما حدث في الميركاتو الصيفي من رحيل نيمار يمكن اعتبار ما وصل إليه برشلونة مرضيًا، لكن أن تخرج من ربع نهائي دوري أبطال أوروبا أمام رابع الدوري الإيطالي، وبعد تقدم 4-1 في الذهاب، أمر كارثي لعشاق البارسا. لم يكن أيقونة الفريق بوسكيتس ليخرج بهذا التصريح لو كان الأمر غير ذلك.

File:Тренировка Атлетика (7).jpg

مدرب برشلونة فالفيردي

ربما كان على فالفيردي أن يُعيد ترتيب أوراقه في الموسم المقبل، فحجة رحيل نيمار قد انتهت الآن بجلب ديمبيلي وكوتينهو، والأداء المعتمد على التحفظ الزائد والرقص على سُلم حسم ميسي للمباريات بمهارة فردية، لن يُصبح ورقة ناجحة في ما بعد إذا كان ميسي في غير يومه كما حدث في مباراة أمس.

يكفي القول إن آخر ثمانية أعوام أُقصي فيها برشلونة سبع مرات من دوري الأبطال لم يسجل ميسي أي هدف في هذه الإقصاءات، ما يعني أن على الفريق البحث عن حلول أخرى غير ميسي، إنيستا أعلنها صراحة بالدموع أن مباراة الأمس قد تكون الأخيرة في مشواره بدوري الأبطال، بوسكيتس صرح أن فريقه لم يتعلم من الأخطاء في الأعوام السابقة.

 هل يغير المدرب الإسباني طريقة اللعب وتغير الإدارة فلسفة جلب الصفقات مع الاهتمام أكثر باللاماسيا منجم الذهب في العصر الذهبي لبرشلونة، أم يكتفي المدرب بالأرقام التي تحققها واقعيته؟ وقبل كل هذا هل يقبل جمهور البارسا بمثل هذا الأداء في الموسم المقبل؟ أسئلة تدور الآن بالتأكيد في ذهنية إرنستو فالفيردي ومن قبله إدارة برشلونة.

روما ودي روسي وكييف.. هل تتحقق معجزة أخرى؟

هذا الفوز هو واحد من أفضل اللحظات منذ التحقت بروما. * دي روسي عقب اللقاء

عقب مباراة الذهاب لم يُحمل مدرب روما دي فرانشيسكو هزيمة فريقه للأخطاء الفردية، لم يحتفظ بدي روسي ومانولاس على دكة البدلاء عقابًا لهما على الأهداف الذاتية في مرماهما وفي أهم مباراة لروما في الموسم، تعامل دي فرانشيسكو النفسي قبل الفني مع لاعبيه وإيمانه بتحقق المعجزة كان سببًا رئيسًا في صناعة الليلة التاريخية.

Image may contain: 16 people, people smiling, people sitting and indoor

احتفالات لاعبي روما عقب اللقاء- فيسبوك

فعلها مالوس، وفعلها فريق روما، تحت أعين توتي ذئب المدينة الأكبر، لم يمت الكالتشيو بعد، لا زالت إيطاليا حية في كرة القدم، أما روما فلم تنم طيلة الليل.

«نؤمن بفرصتنا في الوصول إلى النهائي»، هكذا صرح المدير الفني الإيطالي عقب المباراة، تعالى سقف طموحه هذه المرة، مع ما قدمه في مباراة برشلونة لا يبدو أن ذئاب روما ستكون حملًا خفيفًا على أي نادٍ في المربع الذهبي، وقد تصل إلى أبعد من ذلك، فهل تتحقق المعجزة ويحقق روما اللقب الذي لم يحققه طيلة تاريخه؟ 270 دقيقة فقط تفصله عن معانقة هذا المجد في كييف.

وكما وصف أحدهم كرة القدم يومًا :«لا تدعهم يخبرونك أنها (جلد مدور ) يركض خلفها 22 رجلًا، لا تدعهم يخبرونك أنها لا تفيد، أخبرهم أنها تعطي دروسًا أفضل من عظماء المحاضرين، أخبرهم أنها أرقى أنواع الموسيقى وأعظم الروايات وأكثرها واقعية على الإطلاق».