816

 ومن كور الأندلس الشرقية تدمير وتسمى مصر أيضًا لكثرة شبهها بها لأن لها أرضًا يسيح عليها نهر في وقت مخصوص من السنة، ثم ينضب عنها كنيل مصر، وتزرع كما تزرع أرض مصر، وصارت القصبة بعد تدمير تسمى مرسية* المقري في نفح الطيب

بدأت العلاقة بين مصر والأندلس مبكرًا جدًا منذ فتح مصر، إذ تحولت أرضها إلى مقر تنطلق منه الجيوش الإسلامية إلى الغرب، وانضم أبناؤها إلى الأساطيل والجيوش التي راحت توسّع رقعة الأراضي الإسلامية، وساهم أهلها في  بناء المدن هناك.

وحين فتح العرب الأندلس أخذوا يوزعون قواتهم على مختلف الولايات الأندلسية، واعتادوا في ذلك أن تكون الولايات مشابهة إلى حد ما للأراضي التي جاؤوا منها، فنزل أهل حمص مدينة إشبيلية، وسكن أهل دمشق في غرناطة وأهل الأردن في مالقة، واستقر أهل مصر في مدينتين هما باجة في الغرب وتقع اليوم في جنوب البرتغال وتدمير في شرق الأندلس والتي سُميت بعد ذلك مرسية.

مدينة مرسية – مصدر الصورة

وظلت علاقة مصر بالممالك المغربية (تونس وليبيا والجزائر والأندلس) علاقة حضارية واقتصادية، ودائمًا ما كان ملوكها ينظرون إلى ملوك مصر بتقدير واحترام لما خصّهم به الله من ولاية المساجد الثلاثة المعظّمة وخدمة الحرمين فضلًا عن أنها كانت مركزًا تعليميًا مهمًا، وكانت الإسكندرية في ذلك الزمن البعيد هي الحد الفاصل بين الشرق والغرب وسميت لذلك «باب المغرب».

إمارة أندلسية في الإسكندرية

سادت بين مصر والأندلس علاقة متينة في العهد الأموي حين كانتا ولايتين تتبعان للدولة نفسها، لكن عصر الخلافة العباسية شهد تغيرًا بعد أن وصل الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل صقر قريش إلى الأندلس واستقل بها، وكانت مصر حينها ملجأً للثائرين على الخلافة العباسية، وقامت ثورة أموية في صعيد مصر على يد دحية بن مصعب ضد الخليفة العباسي المهدي واستمرت 10 سنوات وأعلن الثوار من صعيد مصر ولاءهم للخليفة الأموي في الأندلس، قبل أن يُقضى عليهم.

وفي عهد أمير الأندلس الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل -في أواخر القرن الثاني الهجري- قامت ثورة في ربض (ضاحية) من أرباض قرطبة،لكنها أُخمدت سريعًا وأمر الحكم بهدم الحي، فاتجه بعض الثوار شرقًا حتى وصلوا إلى شواطئ الإسكندرية في وقت كانت الأحوال فيه مضطربة، فانتهزوا الفرصة واحتلوا المدينة وأسسوا فيها إمارة أندلسية مستقلة عن الخلافة العباسية.

وكان ذلك أيام الخلافات بين الخليفة العباسي الأمين وأخيه المأمون، واستمر الوضع قائمًا لـ10 سنوات إلى أن استتب الأمر للخليفة المأمون، فأرسل أحد قوّاده إلى مصر ليستعيد زمام أمورها، واتفق القائد مع الأندلسيين على مغادرة الإسكندرية وأمدهم بما يحتاجون إليه للانتقال إلى أي أرض لا تتبع العباسيين، فاتجهوا إلى جزيرة كريت واستولوا عليها.

وبعد سقوط الدولة الأندلسية الأموية وقيام دويلات ملوك الطوائف، كان أحدهم وهو عليّ بن مجاهد العامري ملك دانية وجزر البليار شرق الأندلس يتقرب من الخليفة الفاطمي المستنصر بالله ويرسل له الهدايا والرسائل الودية ويروي المؤرخين أنه كتب إليه يخبره بعزمه على الدعاء له على المنابر ليكون أول من يفعل ذلك في الأندلس، وهو وعد لم يتم التحقق من تنفيذه بالفعل.

لكن المؤكد أن العامري حين علم بأمر المجاعة التي حلّت بمصر في عهد المستنصر أرسل سفنًا مملوءة بالطعام والغلال، وأعادها المصريون بعد ذلك مملوءة بالذخائر والأموال.

هدايا وعلاقات دبلوماسية لحماية مسلمي الأندلس

حين قامت دولة المماليك في مصر عام 1250م واستطاعت إيقاف الزحف المغولي على الشام ومصر أصبحت مركزًا للزعامة الفكرية والروحية، خاصة بعد أن انتقل إليها الكثير من العلماء والفقهاء، وسعت الممالك – المسلمة والمسيحية – في شبه الجزيرة الإيبيرية لبناء علاقات ودية معها، وكانت حينها مقسّمة إلى عدة ممالك مستقلة؛ أراجون في الشرق وقشتالة والبرتغال في الغرب ومملكة غرناطة الإسلامية في الجنوب.

وكان مسلمو الأندلس ينظرون بإكبار إلى دولة سلاطين المماليك في مصر باعتبارها أقوى دول الشرق التي استطاعت طرد الصليبيين وحماية الأراضي المقدسة وطرد المغول، وكان للمماليك سياسة خاصة مع الأندلس إذ تبادلوا المكاتبات مع المسلمين لتشجيعهم على الصمود في مواجهة «حروب الاسترداد» التي شنها المسيحيون الإسبان، كما راسلوا الملوك المسيحيين من جهة أخرى لرفع الأذى عن المسلمين، ولجؤوا أحيانًا إلى إغرائهم بعلاقات تجارية مع مختلف المدن الإسبانية.

وتروي المصادر التاريخية أن ملك قشتالة ألفونسو العاشر أرسل إلى الظاهر بيبرس هدية من الخيول العربية الأصيلة وردّها بيبرس بهدية مماثلة من بينها زرافة وسن فيل وتمساح محنّط لا يزال حتى اليوم معلقًا في مدخل الباب الشرقي لكاتدرائية إشبيلية، ويُقال إنه تدهور على مر العصور فصُنع واحد مماثل من الخشب ليبقى في المكان ذاته، وكانت عادة الكنائس في العصور الوسطى تعليق التماسيح لطرد الشيطان وصرف الشرور.

التمثال الذي أهداه سلطان مصر  الظاهر بيبرس إلى ملك قشتالة في كاتدرائية إشبيلية –مصدر الصورة

واستمر تبادل الهدايا بين ملوك قشتالة وسلاطين مصر، وجمعت بين البلدين معاهدات دفاعية كتلك التي أبرمها الملك الأشرف خليل بن قلاوون مع سفراء قشتالة والبرتغال وأراجون وكانت بسبب موقعها الجغرافي في شمال شرق إسبانيا تتجه نحو إقامة علاقات سياسية مع بلاد حوض البحر المتوسط، وكان ملوكها يعتبرون أنفسهم حماة لمصالح المسيحيين في مصر والشام، وكانت المراسلات التي تبادلها ملوك البلدين تدور حول تأمين الحجاج إلى بيت المقدس وإطلاق سراح الأسرى وتأمين التجار المسيحيين أثناء إقامتهم في الثغور المصرية.

ولا تزال مجموعة من الوثائق المحفوظة في الأرشيف الملكي في برشلونة تحتفظ بالرسائل المتبادلة بين ملوك مصر وأراجون خلال القرنين السابع والثامن الهجري، وتشير أغلبها إلى رغبة ملوك أراجون في تأمين التجار وتأمين طريق الحجاج المسيحيين إلى بيت المقدس، وهو أمر حرصت مملكة أراجون على أن يكون في يدها لتقوي به نفوذها أمام دول أوروبية أخرى مثل فرنسا، وعلى الجانب الآخر كان سلاطين المماليك يعتبرون حفظ حقوق المسلمين في الممالك المسيحية هناك واجبهم باعتبارهم زعماء للأمة.

غرناطة: «يا لثارات أهل الإسكندرية»

كانت علاقات ملوك مصر بمملكة غرناطة وثيقة إذ كان ملوك بنو الأحمر يأملون في دعم المماليك لمملكتهم الصغيرة وحمايتها من أطماع الممالك المسيحية المحيطة، ويشير مؤرخون مثل القلقشندي وابن خلدون وابن الخطيب إلى الرسائل التي تبادلها حكام الطرفين ووصفوا الهدايا التي تبادلوها، والأدوية التي طلبها بعض ملوك غرناطة من مصر وكيف جمعهم الود، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد أرسلوا إلى ملوك غرناطة من بني نصر يساعدونهم بالمال والسلاح.

وكان هناك تجاوب بين البلدين تجلى مثلاً في الغارة البحرية التي شنّها ملك قبرص بطرس لوزجنان على مدينة الإسكندرية عام 767 هـ وخرّب فيها جنوده أسبوعًا بأكمله، فقد أثارت هذه الغارة الغضب في أنحاء العالم الإسلامي، وفي الأندلس خاصة عبرّ الأندلسيون عن غضبهم بالإغارة على مدينة جيان التابعة لملك قشتالة، ووصفها لسان الدين بن الخطيب وزير غرناطة حينها في رسالة وجهها حاكم غرناطة إلى سلطان المغرب، مؤكدًا أنه أراد بهذه الإغارة رفع الظلم عن مدينة الإسكندرية و«لنقوم بفرض الكفاية المُرضية» وكان شعارهم في هذا الهجوم «يا لثارات أهل الإسكندرية».

كما يحكي المؤرخ السكندري محمد بن قاسم النويري الذي عاصر هذه الفترة حكاية رجل من قرية مليج -التي تقع اليوم في المنوفية بمصر- كان في الإسكندرية ليبيع بعض بضاعته كما اعتاد ووقع أسيرًا لجنود ملك قبرص، وكان من نصيب رجل نقله معه إلى مدينة جيان، ووقع أسيرًا بعد ذلك لجنود سلطان غرناطة محمد الخامس الغني بالله، فعرفه بنفسه وأخبره أنه مسلم من أهل مصر، فأطلق سراحه وعاد الرجل ليحكي كيف قال له السلطان: «لو كنا بالقرب من قبرص لكانت أكلة رجل من أهل الأندلس».

ويحكي النويري أيضًا أن جماعة من الحجاج الأندلسيين الذين قابلهم وهم في طريقهم إلى مكة أخبروه أن ملك قشتالة طلب الصلح مع سلطان غرناطة بسبب هجماته المتكررة على مدنه لكنه رفض قائلًا: «لا كان ذلك أبدًا حتى تُرد أموال الإسكندرية مع أسراها ويأتيني كتاب صاحب مصر بأنكم اصطلحتم معه لأنه خادم الحرمين الشريفين وأنا لهذا خادمه».

ملوك غرناطة يأملون في مساعدة المماليك في مصر

تمكنت أساطيل وجيوش السلطان الأشرف برسباي- وإن بعد حين- من السيطرة على جزيرة قبرص وأسر ملكها جانوس لوزجنان عام 826 هـ (1426م)، غير أنها اصطدمت بقوى جديدة أخرى وحوصرت بين خطرين؛ الأتراك العثمانيين في الشرق، والبرتغاليين في الغرب.

وحين تلمّست غرناطة دعم مصر فأرسل سلطانها محمد بن يوسف الأيسر إلى سلطان مصر الظاهر جقمق عام 844هـ – 1440م وأرسل الفقيه الأندلسي أبا علي محمد بن الأزرق إلى السلطان الأشرف قايتباي عام 1495م يطلب منه نجدة الأندلس، لكن البحر كان عائقًا كبيرًا أمام المماليك الذين كانت قوتهم برية بالأساس كما كان السلطان بيبرس يقول لملك قبرص بعد هزيمة جنوده في البحر معبرًا عن ذلك: «خيولكم المراكب ومراكبنا الخيل».

تغيّرت بعد ذلك موازين القوى في شبه الجزيرة الإيبيرية بعد اتحاد مملكتي أراجون وقشتالة بزواج الملك فيرناندو ملك أراجون بالملكة إيزابيل ملكة قشتالة، ما كان إيذانًا بقرب سقوط مملكة غرناطة التي كان بقاؤها لما يزيد على قرنين من الزمان بفضل الخلاف بين المملكتين.

وسعى السلطان قايتباي إلى محاولة إنقاذ غرناطة بضغط دبلوماسي، إذ أرسل عام 1489م سفارة إلى الملكين الكاثوليكيين يهدد باضطهاد مسيحيي الشرق إن استمرت هجماتهما على غرناطة، لكنها باءت بالفشل وسقطت غرناطة عام 1492م، وأرسل الملكان بعدها سفارة إلى سلطان مصر قنصوه الغوري عام 1501م حاول فيها السفير الإسباني بدرو مارتير استرضاءه وتقديم الضمانات الكافية لحماية الرعايا المسلمين واحترام عقيدتهم، وكان هذا آخر فصل رسمي في تلك العلاقة إذ سقطت بعدها بأعوام قليلة دولة المماليك على أيدي العثمانيين عام 1517م.

شتات أندلسي في شمال مصر

كانت مصر إحدى وجهات أهل الاندلس بعد سقوط مدنها، وتركّز أغلب القادمين منهم في شمال الدلتا وخاصة شمال إقليم الغربية (محافظة كفر الشيخ حاليًا) التي كانت كثافتها السكانية قليلة، وأنشؤوا هناك عددًا من القرى أطلقوا عليها أسماء قريبة من مدنهم. مثل الحمراء وإسحاقة وأريمون ومحلة موسى وسيدي غازي وكفر الشيخ وسدّ خميس والناصرية ومحلة دياي وقطور، وكانت إحدى أشهر حارات الإسكندرية تُسمى حارة البَلّقَطُرِيَّة نسبة إلى أبناء القَاطُورِيِّين، وهو الاسم الذي أُطلق على الموريسكيين في مصر نسبة إلى صناعة تقطير الزّهر التي برعوا فيها واحتكروها.

عمّر الأندلسيون عدة قرى في شمال مصر – مصدر الصورة

كما لا تخفى آثار تواجدهم في مدينة الإسكندرية حيث سُميت بعض الأحياء بأسماء تُسب إليهم مثل: حيّ الشَّاطبي، نسبة إلى شاطِبة، والمنشية، نسبة إلى لاَ مَانْشَا، وفي الإسكندرية تحديدًا كان حضورهم قويًا حتى أن سكان بعض المناطق اشتكوا إلى السلطات المركزية في القاهرة من أن «المغاربة القادمين من المغرب بنوا بيوتهم بجزيرة الثغر حتى تعدّوا على المقابر» وجاءت أوامر الباشا بعدم التعرض لهم.

«يد أندلسية» باقية

بقيت آثار أخرى لا تزال قائمة تشهد على هذه العلاقة المميزة التي جمعت البلدين وهي العمارة في مصر ، وقد أغرت سوزانا كالفو وخوان كارلوس رويز وهما أستاذان في تاريخ الفن في كومبلوتنسي مدريد بالبحث، وأبرزها مسجد أحمد بن طولون في القاهرة والذي كان مركز استقبال المغاربة، ويقول رويز إن هناك «يدًا أندلسية» يمكن رؤيتها في مئذنة المسجد.

مئذنة جامع أحمد بن طولون في القاهرة – مصدر الصورة

كان أحمد بن طولون معجبًا بالأمويين والأندلسين رغم تبعيته للخلافة العباسية، وقد ارتحل عدد من علماء الأندلس إلى مصر في عهده ووجدوا ترحيبًا منه، وعُين بعضهم في مراكز مهمة في الدولة، وكان الغرباء منهم يقيمون في جامع أحمد بن طولون الذي ارتبط حينها بالجالية المغربية في مصر، وتحمل قنطرة تصل بين الجدار الشمالى للمسجد والمئذنة، نقوشًا قرطبية، كما يشبه طراز المحراب في المسجد محراب جامع قرطبة.

ويرجّح أن فنانًا قرطبيًا نزح إلى مصر بعد سقوط قرطبة في أيدي القشتاليين هو من تولى تجديد المئذنة في العصر المملوكي بمشاركة فنانين مصريين فوضع بصماته الأندلسية عليها، كما تحمل المآذن في مسجد الناصر محمد بالنحاسين، وضريح الأميرين سلار وسنجر الجاولي ومدرسة المنصور قلاوون تأثيرًا أندلسيًا واضحًا، بقي دليلاً على تاريخ طويل من العلاقات التاريخية بين الحكام والناس في مصر والأندلس.