لا زالت الأرض تكشف لنا تاريخ أجدادنا الذي نحيا لندرسه، وفي كل عام تظهر كشوف أثرية قد تعيد كتابة التاريخ، وفيما يخص الآثار بالذات، مرور الأعوام على كتب التاريخ لا يعد نقطة في صالحها؛ لأنه مع مرور الأيام تتضح لنا الصورة أكثر وأكثر عن تاريخ البشر المفقود، وفي هذا التقرير نقدم لك أربعة اكتشفات قد تعيد كتابة التاريخ، وتجيب عن تساؤلات مهمة، من بينها: هل عرف الإنسان الحجري الدين؟ هل عرف الإنسان الخبز قبل الزراعة؟ أين تقع  العاصمة الآشورية المفقودة منذ آلاف السنين؟

حقيقة المقبرة الغامضة في الإسكندرية.. لعنة الفراعنة أم مجرّد مياه صرف صحيّ؟

 

 

1- هل عرف الإنسان البدائي الدين؟

 

ما نعرفه عن الإنسان البدائي عادة لا يتخطى الصورة الذهنية للرجل مشعث الشعر مبعثر الهيئة، والذي يتناول اللحوم نيئة، ولا تتسم حياته بالتطور الاجتماعي أو الثقافي، وربما يكون من الصعب تخيل هذا الإنسان يمارس طقوسًا دينية كما نعرفها الآن، سواء كانت سماوية، أو من ابتكار البشر من خلال عبادة الأسلاف كما يظن البعض أن الدين بدأ بين البشر، ولكن في عام 2018 كان هناك اكتشاف «أذهل» العلماء كما وصفته شبكة قنوات «ناشونال جيوجرافيك».

الإنسان البدائي

رونيت مع القناع الذي اكتشفوه حديثًا. مصدر الصورة موقع «بي بي سي»

في نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2018؛ عثر علماء الآثار الإسرائيليون على قناع مصنوع من الحجر الرملي الأصفر والوردي،  وعمره 9 آلاف عامًا في صحراء يهودا بجنوب فلسطين، والذي يعود للعصر الحجري الحديث.

هذا القناع يعتبر من القطع نادرة الوجود في العالم، كما أنه يثير العديد من التساؤلات حول الغرض من تصنعيه في ذاك الزمن البعيد، وفي تصريح لها لشبكة «بي بي سي» صرحت عالمة الآثار رونيت لوبو أن صناعة هذا القناع دقيقة للغاية، ويمكن تحديد ملامح الوجه التشريحية من عظام الوجه والإتقان في صنع الأنف.

الإنسان البدائي

مصدر الصورة «بي بي سي».

ما يميز هذا القناع عن الأقنعة التي اكتشفت سابقًا خلال العام 2014 هو  التصميم الدقيق والذي يسمح للإنسان أن يرتديه على وجهه وكأنه صُنع لأجل هذا العرض بالذات، على عكس باقي الأقنعة الرملية، والتي كانت ملامحها لا تشابه الملامح المعروفة للبشر؛ فيصعب على الإنسان ارتدائه ارتداءً سليم، بينما هذا القناع مناسب تمامًا لهذا الغرض كما أكدت رونيت قائلة : «إنه كشف رائع، لقد أوشكت على البكاء من السعادة حينما رأيته».

وتلك السعادة التي تصفها رونيت لا تتعلق فقط بجمال القناع من وجهة نظرها، بل لكونه كشف قد يعيد كتابة تاريخ البشر كما لا يعرفه العلم الحديث، فهذا القناع هو دليل على الفترة التي بدأ فيها البشر تنظيم أنفسهم في مجتمعات مستقرة، بدلًا عن التنقل والترحال حيث يتوفر الصيد والطعام.

وهذا التحول الجذري من اقتصاد قائم على الصيد والجمع إلى الزراعة وتربية الحيوانات قد صاحبه بالضرورة تغير جذري في البنية الاجتماعية، والأهم ظهور الشعائر الدينية، والذي يصدق العاملين على تحليل القناع من أثريين؛ أن الغرض الأساسي من تصنيع قناع مثل هذا في ذاك الوقت هو ارتدائه أثناء أداء الشعائر الدينية؛ الأمر الذي قد يخبرنا أن الإنسان البدائي قد عرف مفهوم الدين من  قديم الأزل.

من جانبه يرى آلان سيمونز أستاذ الأنثروبولوجي في «جامعة نيفادا» أن هذا التفسير هو الأقرب للمنطق، فالإنسان حينما يستقر في مكان واحد يزيد عدد سكان هذا المجتمع الصغير، ومع الوقت تظهر الحاجة للسيطرة الإجتماعية على هؤلاء الأشخاص الذين يعيشون في مكان واحد، فكان من البديهي ظهور فكرة الدين في ذاك الوقت، رغم بساطة تفكير إنسان العصر الحجري، وقلة موارده الفكرية،  ولذلك يرى سيمونز أن هذا القناع قد يكون غرضه شعائر دينية جنائزية، والتي تؤكد بدورها على أهمية هذا الكشف.

«الجارديان»: كشف أثري «مذهل» قد يرفع الستار عن «سر التحنيط» عند الفراعنة

 

2- الإنسان عرف الخبز قبل الزراعة

 

الخبر الذي يتناوله البشر الآن والمتعارف عليه في العالم، يُخبز بالقمح، وتلك معلومة بديهية للكثير من البشر، ولذلك ظن علماء الآثار طوال هذه السنوات أن الإنسان عرف الزراعة في البداية، ومن ثم عرف الخُبز، ولكن خلال العام 2018 عثر علماء الآثار على حفريات تخبرنا بغير ذلك، وتعيد كتابة تاريخ البشر في الأزمان القديمة.

في عمّان بالأدرن تمكن مجموعة من الأثريين الذين يعملون في هذا الموقع من العام 2012 من العثور على حفريات متفحمة لخبز يعود عمره لما يزيد عن 14 ألف عام، وهو الأمر الذي يغيّر الترتيب التاريخي للعادات الغذائية لدى البشر في العصور القديمة؛ فقد ظن الأثريون هذا الكشف أن الإنسان عرف الزراعة، ومن ثم عرف الخبز من 10 آلاف عام، وهذا الكشف يؤكد أن الإنسان عرف الخبر قبل ما سُجل بالفعل في كتب الآثار بـ4 آلاف عامًا.

يعتقد الباحثون – وفقًا للكشف – أن الإنسان في تلك المنطقة قد زرع حرفيًا بذور الثورة الزراعية في العصر الحجري الحديث قبل 5 آلاف عام من بدايتها في الشرق الأدني، وهذا لإيمانهم أن هذه الأرغفة الأولى التي صُنعت بدائيًا ربما تكون واحدة من القوى الرئيسة المحركة وراء الثورة الزراعية في وقت لاحق.

وجنبًا إلى جانب عمل أثريون من «جامعة كوبنهاجن» و«جامعة كامبردج»؛ على تحليل 24 قطعة من البقايا المتفحمة من هذا الخبز والتي عُثر عليها في حفر صُنعت لإشعال النار في هذا الموقع بذاك الوقت، وبعد التحليل المجهري الإلكتروني في «جامعة كاليفورنيا» كشف الباحثون أن هذا الخبز صُنع من الشوفان والذرة والشعير.

ووضح دوريان فولر أستاذ علم الآثار في معهد الآثار بـ«جامعة كاليفورنيا» أن صناعة هذا الخبز شملت معالجة مكثفة تطلبت عمالة كبيرة لإزالة القشور وطحن الحبوب والعجب والخبز؛ الأمر الذي عزز الرغبة داخل الإنسان بإنتاج المزيد من هذا المنتج بسهولة أكبر، وربما هذا – يوضح دوريان – ساهم في قرار الإنسان ببدء زراعة الحبوب، مضيفًا أن هذا الكشف الأثري يعد استثنائيًا؛ لكونه دليل على معرفة الإنسان للمنتجات المخبوزة قبل فترة طويلة من تطور الزراعة.

إنسان الكهف كان يأكل الفشار! إليك أغرب الأطعمة التي اكتشفت في المناطق الأثرية

 

3- حطام سفن يعيد كتابة تاريخ إبحار البشر

 

مشاهدة السُفن الغارقة قد تكون مُقبضة للبعض، ولكنها للاثريين تعتبر مثل رحلة عبر الزمن، أو الانتقال إلى عالم آخر أكثر روعة، ولذلك حينما يجد أثري سفينة غارقة لم تتحطم، ولم يصبها التلف، فهي بمثابة كنز للبشرية؛ لأن كل شبر في تلك السفينة الغارقة تحكي لك فصلًا من التاريخ. خلال العام 2018 استطاعت مجموعة عالمية من الأثريين البحريين العثور على ما يقرب من 60 سفينة غارقة في قاع البحر الأسود.

هذا الكشف كان في إطار مهمة بحثية دامت لما يزيد عن ثلاث سنوات في قاع تلك المياه؛ لاكتساب فهم أكبر لتأثير التغيرات في مستوى سطح البحر في عصور ما قبل التاريخ، ولكن هذا الكشف المذهل كان من نصيبهم، و تضمنت تلك السفن المُكتشفه سفينة تجارية يونانية يعود عمرها إلى ما يزيد عن 2400 سنة، وقد عثر عليها بالقرب من الساحل البلغاري.

وتلك السفينة التي يبلغ طولها 23 مترًا؛ أكد الباحثين أنها أقدم سفينة قد عُثر عليها في تاريخ البشرية، وأكد جون أدامز رئيس الفريق البحثي في مشروع الآثار البحرية بالبحر الأسود، أن بقاء تلك السفينة على حالتها منذ أن أبحرت للمرة الأولى في العصر الكلاسيكي أمر لم يكن يصدق حدوثه على الإطلاق.

وهو كشف يعيد كتابة التاريخ الذي عرفه البشر عن بناء السفن والإبحار في العالم القديم بحسب أدامز الذي يوضح أن السفينة لازلت على حالتها منذ أن غرقت ولم يدمرها ضغط المياه، واحتفظت السفينة بكل بضائعها والحمولة التي أبحرت بها، والذي يعكف الأثريون الآن على دراستها، متوقعين أن تخبرهم تلك السفن الجديد  أكثر عن تاريخ البشر.

برج «بيزا» لم يعد مائلاً.. آثار فقدت مكانتها المميزة بفعل الطبيعة أو البشر

 

4- المدينة المفقودة في العراق منذ آلاف السنين

 

مدينة مردامان ذُكرت في المصادر البابلية القديمة ويعود تاريخها للعام 1800 قبل الميلاد، وتعتبر المملكة التي عاشت في تلك المدينة، والتي تعود للعصر البرونزي، مملكة مهمة وعاصمة للآشوريين في الفترة ما بين 1200 و2200 قبل الميلاد.

ومن النصوص المسمارية التي ذكرت تلك المدينة؛ يظهر لنا أنها كانت مدينة مزدهرة كما كانت المقر الإداري للحكم الآشوري، ولكن ما لم يستطع الأثريون معرفته حتى العام 2018 هو الموقع الدقيق لتلك المدينة داخل العراق.

الإنسان البدائي

رسم تخيلي للمدينة المفقودة، مصدر الصورة موقع بنترست

 

خلال العام 2017 استطاع عالم الآثار بيتر فالتزنر وفريق بحثه من العثور على 92 لوحًا طينيًا في موقع مستوطنة كبيرة من العصر البرونزي، والذي يقع الآن في قرية باسيكي بالعراق، ومن خلال دراسة تلك الألواح في منتصف العام 2018 أعلن الأثريون العاملون على تحليل تلك الألواح عن تمكنهم من تحديد موقع مدينة ماردما، والتي أُطلق عليها لفترة طويلة لقب «المدينة المفقودة».

تلك المعلومات تكشف عن مقاطعة جديدة غير معروفة من قبل للإمبراطورية، والتي تمتد على أجزاء كبيرة من شمال بلاد ما بين النهرين وسوريا في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وسيمكن هذا الكشف الأثريين من تتبع تاريخ مردامان إلى أبعد من ذلك، إلى الفترات المبكرة من حضارة بلاد ما بين النهرين، إلى جانب أن هذا الاكتشاف قد يوفر أدلة على مواقع المدن القديمة الأخرى في بلاد ما بين النهرين.

 

«تاريخ الخراب».. القصة شبه الكاملة لعلاقة الدولة والآثار في مصر

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!