غيرت الزراعة تاريخ البشرية، حتى إنه يمكن اعتمادها محطة تاريخية فاصلة في تطور الجنس البشري؛ إذ اختلفت حياة الإنسان قبل الزراعة، عن حياته بعد أن عرفها.

وليس للزراعة تاريخ واحد بسيط معروف يمكن الرجوع إليه والوقوف عنده، فقد دجنت مجموعة مختلفة من النباتات، والحيوانات، بشكل مستقل في أوقات مختلفة، وفي أماكن عديدة.

بدأت الزراعة منذ حوالي 10 آلاف عام، على أرض أصبحت تعرف باسم الهلال الخصيب. وهي منطقة في الشرق الأوسط تشمل العراق الحديث، والأردن، وسوريا، وفلسطين، وجنوب شرق تركيا، وغرب إيران، وقد افترض العلماء منذ فترة طويلة أن هؤلاء المزارعين الأوائل كانوا مجموعة متجانسة تتاجر وتتبادل الأدوات، ثم لم يلبثوا أن بدأوا في زرع أعشاب برية، بما في ذلك نوع من أنواع الشعير، وأنواع من القمح.

وكان يُعتقد لفترة طويلة أن الزراعة قد بدأها مجموعة من أسلاف البشر. لكن دراسة جديدة تفيد بأنه ربما كانت مجموعات متعددة من الناس، في الهلال الخصيب هي أول من بدأت الزراعة. وكانت هذه المجموعات مختلفة وراثيًّا بعضها عن بعض. أي إنهم لم يختلطوا في ذلك الوقت، على الأقل ليس لبضع سنوات. فعاشوا في منطقة مشابهة تقريبًا لكنهم كانوا معزولين بعضهم عن بعض.

Embed from Getty Images

وعليه، وبحسب الدراسة المذكورة، حلل فريق من العلماء الحمض النووي القديم لبقايا أربعة أفراد، عاشوا قبل 10 آلاف عام على الأطراف الشرقية للهلال الخصيب. وقارنوا الحمض النووي لهؤلاء مع الحمض النووي للهياكل العظمية التي كانت أصغر بألفي عام. وعُثر عليها على الطرف الآخر من الهلال الخصيب، وكانت المجموعتان مختلفتين وراثيًّا.

بدأ الصيادون في السفر إلى هذه المنطقة، منطقة الهلال الخصيب، بحثًا عن الطعام، فحصدوا الحبوب التي وجدوا أنها تنمو هناك، ونثروا الحبوب لزراعة المزيد من المحاصيل.

ولأن الزراعة تعني أن الناس لا تحتاج إلى السفر للحصول على الطعام، فقد أصبح الناس يعيشون في مجتمعات مستقرة، وزرعوا المحاصيل، وقاموا بتربية الحيوانات على الأراضي المجاورة، وبنوا منازل قوية، وحموها بجدران.

لكن.. لماذا بدأ الإنسان الزراعة؟

عندما يتندر إنسان اليوم، يقول لماذا لا أعيش مثل الإنسان الصياد، صحته كانت جيدة جدًّا، ويعمل لفترة قليلة، وأمامه الكثير من المحاصيل. حقًّا لماذا تحول الإنسان من حياه الدعة والفراغ، إلى حياة الزراعة؟

وفقًا لدراسة من جامعة كونيتيكت كان التحول عن الصيد، نحو الزراعة أمرًا محيرًا منذ فترة طويلة. وتوصل الباحثون إلى نظريتين، أولاهما: إنه في أوقات الوفرة، يكون لدى البشر وقت لبدء تدجين نباتات مثل القرع، وعباد الشمس والتي دجنها السكان الأصليون في ولاية تينيسي منذ حوالي 4500 عام.

Embed from Getty Images

وتقول النظرية الأخرى إن التدجين ربما حدث بدافع الحاجة إلى استكمال النظم الغذائية في الأوقات العجاف، وذلك بسبب بدء ندرة الغذاء لأسباب مثل الاستغلال المفرط للموارد، أو تغير المناخ.

لكن هل كان هناك بعض الاختلال في التوازن بين الموارد والسكان مما أدى إلى التدجين؟ ربما. ففي عام 9000  قبل الميلاد تقريبًا، كان الناس يخزنون الحبوب خلال الشتاء، ثم يزرعونها، وبحلول عام 8000 قبل الميلاد اكتشف المزارعون أفضل الحبوب للزراعة. وأنتجوا أطعمة أكثر مما يحتاجونه. وحدث تبادل سلع الأطعمة مقابل سلع زخرفية.

بداية التدجين ومعرفة الحيوانات المستأنسة

دجن الإنسان النباتات، والحيوانات، فاختار أفضل البذور ليزرعها، واختار حيوانات ليربيها، فربى الماشية البرية، لأنها سهلة الانقياد. وكانت الكلاب هي أولى الحيوانات المدجنة، فقبل ما يزيد على 12 ألف عام، كانت الكلاب تنحدر من الذئاب البرية. وتعلمت الكلاب العيش مع عائلات بشرية، فكانوا يطعمونها، ويلاعبونها. وبعدها بدأ المزارعون في إدارة القطعان البرية من الغزلان، والأغنام، والماعز، ويقتلون الأضعف للحصول على الطعام.

كيف أصبحت الزراعة بالشكل الذي نعرفه الآن؟

يتضمن تطوير الزراعة تكثيف العمليات المستخدمة، لاستخراج الموارد من البيئة: فيمكن الحصول  على المزيد من الغذاء والأدوية والألياف والموارد الأخرى من خلال تشجيع الأنواع النباتية والحيوانية المفيدة وتثبيط الأخرى.

ومع زيادة إنتاجية الموارد المحلية، استعد الناس للسفر من أجل الاستفادة من العناصر المتاحة موسميًّا. وأصبح السكان في النهاية أكثر استقرارًا، وانخفض التنقل، ونتيجة لذلك، زاد عدد السكان.

وبسبب الزراعة تطورت المدن والعلاقات التجارية، بين مختلف المناطق. مما مكن من تقدم المجتمعات، والثقافات البشرية، فكانت الزراعة جانبًا مهمًّا من جوانب الاقتصاد، على مر القرون التي سبقت الثورة الصناعية وما بعدها.

ولماذا تواجه الزراعة الآن خطر الاندثار؟

تواجه الزراعة العالمية انخفاضًا خطيرًا بسبب الاحتباس الحراري، وتواجه البلدان النامية انخفاضات أكثر من البلاد ذات الدخل المرتفع، فقد انخفض إجمالي الدخل من الزراعة، بشكل حاد في المملكة المتحدة عام 1995. وفي عام 2000 كان دخل المزارع عند أدنى مستوى له منذ دخول السياسة الزراعية المشتركة. كما يُظهر التعداد الزراعي لعام 2017 الذي صدر في الولايات المتحدة الأمريكية انخفاضًا شاملًا في عدد المزارعين، والأراضي الزراعية.

وهناك خمسة عوامل تؤثر بها الزراعة في البيئة:

1. تدهور الأرض، فتدهور الأرض هو مصدر قلق بالغ يهدد استدامة الزراعة.

2. تآكل التربة وتدهورها.

3. إزالة الغابات، والتنوع البيولوجي.

4. مشكلة الآفات.

5. التخلص من المخلفات الصناعية والزراعية.

وعلى الجانب الآخر فاليوم يعاني ما يقرب من 800 مليون شخص في العالم من الجوع. ويعاني مليارا شخص من سوء التغذية، ويعد الفقر وانعدام الوصول إلى الغذاء من الأسباب الرئيسية لانعدام الأمن الغذائي. ويؤدي تزايد عدد سكان العالم وارتفاع الدخل إلى زيادة الطلب على المنتجات الزراعية. ومع اندثار الزراعة ستعاني هذه العائلات التي تعاني بالأساس من انعدام الأمن الغذائي لأن حياتهم قائمة على الأنشطة الزراعية.

عام

منذ 3 سنوات
مترجم: مصر ستفقد 50% من الزراعة.. تعرف على آثار سد النهضة خلال 3 سنوات

إذن.. كيف يمكن أن ننقذ الزراعة؟

هناك بعض الممارسات الزراعية التي تخلق أنظمة بيئية صحية بدلًا من تدميرها، فتمتص الغازات الدفيئة بدلًا من انبعاثها، وتبني تربة خصبة بدلًا من استنزافها، وتساهم في التنوع البيئي بدلًا من الإضرار به.

وتشمل هذه الممارسات زراعة أكثر من محصول، بدلًا من الزراعة الأحادية، وعند القيام بذلك فإن النباتات تدعم نمو بعضها بعضًا، وتقلل بشكل كبير من الأضرار الناجمة عن الآفات.

أيضًا الزراعة الحرجية بمعنى زراعة الأشجار في الحقول، يزيد ذلك من المحصول، ويقلل بشكل كبير من مشكلات الجفاف، وتعرية الرياح. هناك أيضًا الرعي المخطط فأكثر من 60% من الأراضي الزراعية في العالم هي أراضي رعي، وغالبًا ما يؤدي الرعي إلى تدهور الأرض، ويمكن إن حدث تخطيط للرعي أن يعود بالنفع على الأرض.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد