قادت «كتائب الشهيد عز الدين القسام» جهود المقاومة المسلَّحة الفلسطينية خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على الأقصى وحي الشيخ جراح، لتربط لأول مرة منذ زمن بعيد جغرافيا فلسطين المقسَّمة بفعل الاحتلال، وتوحِّد جهود المقاومة في فلسطين كلها ضد جيش الاحتلال وقواته.

وكشفت كتائب القسام في الحرب الأخيرة عن مجموعة من التطوُّرات العسكرية في ترسانة المقاومة، وبرزَت من جديد وجوه الكتائب: القائد العام لها، محمد الضيف، ومتحدِّثه الرسمي أبو عبيدة، ومن خلفهم مئات المقاومين الملثَّمين يطلقون صواريخَ فاجأت آلة الحرب الإسرائيلية وتجاوزت قبَّتها الحديدية.

فما قصة كتائب القسام؟ كيف بدأت، وكيف تغيَّر عملها العسكري في العقود الماضية؟

عودة المعركة لداخل فلسطين

منذ فرضِ الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1917، نظَّم الشعب الفلسطيني نفسه ضمن حركات سياسية وعسكرية حاربت الانتداب البريطاني ومطامع الحركة الصهيونية في فلسطين، إلا أن كل التحركات الفلسطينية لمنع قيام دولة الكيان الإسرائيلي باءت بالفشل، فبتاريخ 1948 قامت دولة الكيان بعد تهجير 750 ألف فلسطيني، رافقها حربٌ مع الجيوش العربية انتهت عام 1949 باحتلال جميع الأراضي الفلسطينية باستثناء قطاع غزة وما بات يُعرف لاحقًا بالضفة الغربية لنهر الأردن.

وبعد النكبة لم يتسنَّ للفلسطينيين إقامة كيان سياسي مستقل بسبب السياق العربي آنذاك، إذ أُتبعت الضفة الغربية للأردن عام 1950، وأقيمت حكومة «عموم فلسطين» تحت الإشراف المصري، وأريد لها أن تمثل جميع الأراضي الفلسطينية، إلا أنها لم تعمل في الحقيقة إلا على أرض قطاع غزة.

ولاحقًا في عام 1964، أسَّست جامعة الدول العربية منظمةَ التحرير الفلسطينية لتكون واجهةً تمثِّل الشعب الفلسطيني، وانضمَّ للمنظمة كثير من الفصائل الفلسطينية التي أطلقت تحت مختلف الأيديولوجيات والبرامج السياسية، وشاركت هذه الفصائل في أكثر من مواجهة مع إسرائيل، منها ما كان مشتركًا مع جيوش الدول العربية، مثل معركة الكرامة في الأردن عام 1968، وحرب الاستنزاف بين عامي 1967-1970، بالإضافة إلى محاربة العدوان الإسرائيلي على لبنان في عامي 1978 و1982. 

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 3 أسابيع
عز الدين القسام.. من هو الشيخ الذي يطارد شبحه الإسرائيليين حتى اليوم؟

وبعد خروج الفصائل الفلسطينية من لبنان  بسنوات، تطوَّر العمل الفلسطيني في داخل فلسطين، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 وظهور فصائل جديدة في الداخل، بينما كانت قيادات حركة «فتح» ومنظمة التحرير الفلسطينية في خارج البلاد؛ ما اضطر الفصائل جميعها لتركيز عملياتها على الداخل الفلسطيني.

وخلال العقود الماضية نشأت واندثرت فصائل أخرى وتراجع نفوذ بعضها، إلا أن أهم فصيل ظهرَ في الأراضي الفلسطينية بعد خروج الفصائل الفلسطينية من لبنان، هو «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)»، والتي نشأ منها ذراع عسكرية هي الأهم اليوم في فلسطين، وهي «كتائب الشهيد عز الدين القسام»، المسمَّاة باسم الشيخ عز الدين القسام، أوَّل دعاة المقاومة المسلحة في فلسطين، ضد الانتداب البريطاني وضد الحركة الصهيونية.

المقاومة المسلحة.. خطوة للأمام

كتائب الشهيد عز الدين القسام هي الذراع المسلحة لحركة «حماس»، التي تأسست عام 1987، وهو عام الانتفاضة الأولى نفسه أو «انتفاضة الحجارة»، ولكن لم يُعلن الانطلاق الرسمي لكتائب القسام حتى يوم 1 يناير (كانون الثاني) 1992، ولكن العمل العسكري سبق ذلك الإعلان بسنوات، أولًا في تنظيم «المجاهدون الفلسطينيون»، والذي تأسس عام 1984، على يد صلاح شهادة، ليشرف التنظيم على العمل العسكري، ومعه جهاز «مجد» للعمل الأمني، والذي تأسس في مطلع الثمانينيات، وتتهم إسرائيل يحيى السنوار، قائد حماس حاليًا، بإنشاء الجهاز.

كلا التنظيمين ابتدأ بهما العمل العسكري السابق للإعلان الرسمي عن تأسيس كتائب القسام، وكان للشيخ أحمد ياسين دورٌ وارتباطٌ بجميع القادة العسكريين المؤسسين للعمل العسكري، وتحديدًا من كانوا في غزة، حيث ولد وعاش ياسين واستشهد عام 2004 بغارة إسرائيلية، بعد اعتقاله من قِبل سلطات الاحتلال أكثر من مرة، ليعود من جديد ويُغتال خليفته الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بغارة أخرى بعد أقل من شهر.

Embed from Getty Images

الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس»

ما زلنا نجهل الكثير عن تفاصيل التاريخ التأسيسي للكتائب، نظرًا إلى سرية هذا العمل، ولأن كثيرًا من القادة إما استشهدوا أو يعيشون في الأسر الإسرائيلي، وإما أنهم ما زالوا نشطين في العمل المسلَّح. 

وبشكلٍ عام، مرَّت الكتائب بمراحل مختلفة من العمل العسكري، كان أهمها مرحلة العمليات الاستشهادية التي انتهت فعليًّا بعد سيطرة «حماس» بالكامل على قطاع غزة بعد الانتخابات عام 2006.

سلاحُ «العمليات الاستشهادية»

في حروب الحقبة الاستعمارية، وفي حروب فترة الحرب الباردة وما تلاها من تفرُّد الولايات المتحدة والمعسكر الغربي بهيمنة عالمية، قامت معظم هذه الحروب بمواجهات غير متكافئة بين جيوش ضخمة، بتسليح عالٍ وتفوق تكنولوجي ساحق، مقابل جيوش صغيرة وضعيفة، أو حركات مقاومة ومنظمات عسكرية تنقصها موارد الدولة ومضطرة في كثير من الأحيان للعمل السري في نطاق ضيق، وتحت أعين أجهزة أمنية تتفوق عليها بقدراتها.

في مثل هذه الظروف اضطرت حركات المقاومة إلى استبدال محاولة هزيمة جيوش الاستعمار بالطريقة الكلاسيكية، لتتبع طرقًا جديدة ومختلفة، تعتمد على الكلفة الزهيدة والفعالية التدميرية العالية، ما يُمكنها من إلحاق الضرر بجيوش الدول المعادية ومصالحها السياسية والاقتصادية، دون الحاجة للتسلُّح بمستوى تلك الدول نفسه.

وفي هذا السياق، كان سلاحا العمليات الفدائية، والصواريخ، ومختلف أساليب حرب العصابات والحروب الهجينة، أهمَ ما ظهر خلال القرن الماضي بيد قوى المقاومة لمواجهة قوى أعظم منها بكثير، وفي السياق الفلسطيني، وفي ظل استحالة خلق جيش نظامي كامل، اضطرت فصائل المقاومة لاتباع أساليب مختلفة للإضرار بأمن الكيان واقتصاده، كان أهمها في البداية سلاح العمليات الاستشهادية، وكلفته المتوفِّرة في يد المقاومة جعلته فعَّالًا مع قدراته التدميرية المرتفعة.

بدخول العمليات الاستشهادية على كتائب القسام، استطاعت نقل المعارك إلى قلب إسرائيل وهز أمنها، فللمرةِ الأولى منذ إنشاء الكيان، تتعرض الجبهة الداخلية وبشكل مستمر لخسائر في الأرواح والاقتصاد أوقعها الفدائيُّون الذين فجَّروا أنفسهم في جنود جيش الاحتلال، وفي وسائل النقل، مثل الحافلات، وفي المنشآت الاقتصادية والخدمية المختلفة، لتكون العمليات ردًّا مباشرًا على العدوان الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين. 

وضعت هذه العمليات فصائل المقاومة على الطاولة من جديد، وخلقت معادلة ردع، وإنْ كانت بسيطة؛ إذ رفعت من الكلفة على الاحتلال في كلِّ عدوان له.

ولهذه العمليات أثرٌ اقتصادي مباشر، بتعطيل المنشآت المستهدفة، وإلحاق الأضرار المادية بها، ولها أثرٌ أمنيٌّ باستهدافها للجبهة الداخلية للكيان بشكل مستمر، وتحطيم شعور المواطنين والجنود الإسرائيليين بالأمن. وبخلاف الإضرار بالاحتلال، رفعت هذه العمليات من رصيد الفصائل المنفذة لها عند الشعب الفلسطينيِّ على حساب سياسات التسوية التي بدأت المنظمة وحركة «فتح» بالترويج لها.

وابتدأ العمل العسكري الحقيقي للكتائب بعد فترة من بدء الانتفاضة الأولى، بالعمليات النوعية التي كان أبرزها من تخطيط القيادي عماد عقل، باستهدافه لجنود جيش الاحتلال والمتخابرين معه، وتبرزُ من تلك الفترة عملية «مسجد مصعب بن عمير»، أولُ عملية موثَّقة ومصورة، وثَّق منفذوها مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين في عملية درامية، يظهرُ فيها أحد الجنود وجسده متدلٍّ من (الجيب) العسكري، وآخر مقتولٌ داخل السيارة، والثالث مقتولٌ أمامها، ويقول أحدُ منفذي العملية إنَّ توقيتها كان مقصودًا للرد على مفاوضات أوسلو ومساعي «فتح» للتسوية.

صورة نشرتها كتائب القسام لتوثِّق عملية «مسجد مصعب بن عمير»، نفَّذها وأشرف عليها القائد عماد عقل. مصدر الصورة: موقع كتائب القسام

وبدخول مرحلة العمليات الاستشهادية برزت أسماء عدة قادة في كتائب القسام، برزوا في صناعة العبوات المتفجرة والأحزمة الناسفة، واشتهر معظمهم بلقب «المهندس»، فكانت بداية هذه العمليات من تخطيط القيادي الأبرز، يحيى عياش، مهندس الكتائب الأول، الذي يُعتقد أنه مَن أدخل سلاح العمليات الاستشهادية للعمل العسكري في فلسطين.

وكان عيَّاش المطلوب الأول لقوات الاحتلال الإسرائيلي قبل أن تغتاله في 5 يناير (كانون الثاني) 1996، وأدت عملياته النوعية إلى مقتل أكثر من 50 إسرائيليًّا، وطاردته قوات الاحتلال لسنوات في الضفة الغربية، حيث ولد ونشأ، حتى اغتالته في قطاع غزة أثناء تخطيطه للعودة للضفة الغربية لاستئناف تنسيق العمليات الاستشهادية.

ونفذت كتائب القسام سلسلةَ تفجيرات ضخمة ردًّا على اغتيال العياش، فيما عرف بـ«عمليات الثأر المقدس»، والتي خطط لها حسن سلامة، الأسير في سجون الاحتلال، وهو كما يظهر في مذكراته، من رفاق عياش وتلامذته، ويذكرُ أنه تلقى تدريبًا عسكريًّا خارج فلسطين (لم يُحدد المكان) لمدة عامين، وانعكس هذا التدريب على العمليات بارتفاع قوتها التفجيرية وشدتها، وانتقالها لمرحلة متطوِّرة تجاوزت مرحلتها البدائية السابقة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 أسابيع
«رجل المستحيل».. لماذا أطلقت حماس اسم يحيى عياش على أخطر صواريخها؟

مهندس الكتائب الثاني، محيي الدين الشريف، استشهد بعد سنتين من اغتيال عياش، بتاريخ 29 مارس (آذار) 1998، وهو من تلامذة عياش، وقد استدعاه في عام 1995 لغزة لتدريبه على تصنيع المتفجرات وتفخيخ السيارات، وكان أول من أدخلَ تقنية التفجير عن بُعد للكتائب، وهو متهمٌ بالمشاركة في عمليات الثأر المقدس مع الأسير حسن سلامة.

وتتهم كتائب القسام جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية بقتل المهندس الشريف أثناء التحقيق معه، وما زال ملف استشهاده مغلقًا حتى الآن، وحقَّقت السلطة الفلسطينية فيه بعد نفي الاحتلال الإسرائيلي تورطه في مقتله.

وتوالى الشهداء من مهندسي القسام بعدها، فاستشهد أيمن حلاوة، المهندس الثالث في الكتائب، في أكتوبر (تشرين الأول) 2001، وكانَ قائد الكتائب في نابلس، وتبعه المهندس الرابع، وقائد الكتائب في نابلس أيضًا، الشهيد مهند الطاهر، في منتصف عام 2002، وتسبَّبت العمليات الاستشهادية التي خطَّطا لها بمقتل أكثر من 140 إسرائيليًّا، ما جعلهما من أخطر المطلوبين لجيش الاحتلال الإسرائيلي حينها.

ومع اندلاع الانتفاضة الثانية اشتدَّت قوة العمليات الفدائية، فحسب بحث أُجري في قسم الاقتصاد بجامعة «هارفارد» ونُشر عام 2007، نفذَّت فصائل المقاومة 151 عملية استشهادية بين عامي 2000-2005 موقعة 515 قتيلًا في صفوف الإسرائيليين، وحسب البحث نفسه نفَّذ مقاتلون تابعون للقسام الحصة الأكبر من هذه العمليات بنسبة قاربت 40% منها. 

ومن أشهر مهندسي المتفجرات في الانتفاضة الثانية من القسام، المهندس عبد الله البرغوثي، الذي يقضي حكمًا مؤبدًا بـ67 سنة في السجون الإسرائيلية، وهو أطول حكم في تاريخ إسرائيل، وقد أسر البرغوثي عام 2003 بعد عامين من المطاردة، وله مذكراتٌ يحكي فيها تفاصيل عمله العسكري.

Embed from Getty Images

مقاتلون في كتائب القسام، الصورة من عام 2016 

وتطولُ القائمة لتشملَ الشهيد محمود أبو هنود، الذي تتهمه إسرائيل بالتخطيط لعمليات تعد من أشد العمليات فتكًا في تاريخها، مثل العملية المزدوجة في حي «محانيه يهودا»، والتي قتل فيها 16 إسرائيليًّا، وعملية تفجير في شارع «ابن يهودا» قُتل فيها خمسة إسرائيليين، وعملية ثالثة في القدس، ونفَّذت جميع هذه العمليات عام 1997، بالإضافة إلى عدة عمليات استهداف وإطلاق نار، واستشهد عام 2001 بعد محاولات إسرائيلية فاشلة لاغتياله كان أهمها محاولة اغتياله في بلدة عصيرة عام 2000.

وفي قائمة للعمليات، منشورة على موقع «الجزيرة»، توثِّق العمليات الاستشهادية التي نفذتها الفصائل بين 1994-2004، وأهمها وأضخمها عملية الشهيد عبد الباسط عودة، التي قتل فيها 36 إسرائيليًّا عام 2002، ويتهم الاحتلال القائد الأسير عباس السيد بالتخطيط لها، وهو محكوم عليه مؤبدًا بـ36 عامًا.

وكما يشير البحث المذكور عن جامعة «هارفارد»، انخفضت حدة العمليات الاستشهادية بعد الانتخابات الفلسطينية عام 2006، وأحداث ما يُعرف بالانقسام الفلسطيني بين حركتي «فتح» و«حماس»، لتسيطر الحركة الإسلامية على قطاع غزة، وحركة «فتح» على الضفة الغربية، وبدأ الحصار الإسرائيلي الخانق على القطاع لضرب قدرات المقاومة، ولقلب الرأي العام الفلسطيني ضد حكم «حماس».

وأطبقت السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة «فتح» سيطرتها على الضفة الغربية، وبالتنسيق الأمني مع إسرائيل وبالضربات المتتالية ضد المقاومة، أوقفت العمل العسكري بشكل شبه كامل في الضفة الغربية، إلا بعض العمليات الفردية ضدَّ أهدافٍ إسرائيلية. 

كتائب القسام.. من العمليات الفدائية إلى الصواريخ

بعد سيطرة الحركة على قطاع غزة، بدأت في بناء البنية التحتية للمقاومة العسكرية انطلاقًا من القطاع المحاصر، وبدلًا من العمليات الاستشهادية التي صارت شبه مستحيلة بفعل التنسيق الأمني في الضفة الغربية، وبسبب الانفصال الجغرافي بين قطاع غزة وباقي الأراضي الفلسطينية، اضطرت المقاومة إلى تغيير إستراتيجيتها.

وجاء سلاح الصواريخ، زهيدة الكلفة، للردِّ على سلاح الجو الإسرائيلي المتفوق حتى على جيوش الدول العربية، وأصبحَ التعويل الأكبر على الصواريخ لتوسِّع من معادلة الردع ضد العدوان الإسرائيلي، ويمد من قدرتها على ضرب الجبهة الإسرائيلية الداخلية.

وصارت ترسانة المقاومة من الصواريخ سلاحها الأساسي لمواجهة العدوان الإسرائيلي في أربع حملات كبرى على قطاع غزة، بالإضافة لمواجهات أخرى، هدفها شلُّ قدرات المقاومة والتخلص من قدراتها الصاروخية وإسقاط حركة «حماس». 

عسكريَّان من القسام، هما نضال فرحات وتيتو مسعود، كانا أول من فكَّر بصناعة الصواريخ وإطلاقها من غزة، فمثلًا أطلقا أول صاروخ في شهر يونيو (حزيران) عام 2001، ولم تكن لهذه الصواريخ قدرة تدميرية عالية بالمرَّة، إلا أنها كانت البداية لما شهدناه في المعركة الأخيرة من صواريخ يصلُ مداها لأقصى جنوب وشمال فلسطين، رغمَ أن هذه الصواريخ كانت محطَّ تندر واستسخافٍ مستمرٍّ من تيارات عربيَّة متعاطفة مع الاحتلال، ومن عسكريين إسرائيليين، وفي النهاية اضطر جيش الاحتلال لتطوير القبة الحديدية بمعونة أمريكية.

حروب قطاع غزة

وبعد ثلاث سنوات من انسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة عام 2005، قررت الحكومة الإسرائيلية برئاسة إيهود أولمرت شنَّ أول حرب على قطاع غزة، بهدف إنهاء إطلاق الصواريخ من القطاع، واستمرَّت طوال الفترة من 27 ديسمبر (كانون الأول) 2008 وحتى 18 يناير 2009، ورغم دخول الهدنة ومرور 22 يومًا من بدئها، فشلت إسرائيل في إنهاء إطلاق الصواريخ من القطاع أو في الإضرار بالبنية التحتية للمقاومة وكتائب القسام.

وفشل الاحتلال في تحرير الأسير جلعاد شاليط، الذي اختطفته المقاومة الفلسطينية في عملية مشتركة عام 2006 واحتفظت به كتائب القسام بنجاح وسرية حتى عملية مبادلة الأسرى عام 2011.

وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى استشهاد 1440 فلسطينيًّا ومقتل 13 إسرائيليًّا على الأقل خلال حرب 2008، وتخللها محاولة اجتياح القطاع بريًّا دون نجاح العملية ولكن بكُلف بشرية عالية، ووفقًا للموقع الرسميِّ لكتائب القسام أطلقت الكتائب 546 صاروخًا تتنوَّع بين صواريخ قصيرة المدى محلية الصنع، ومتوسطة المدى تمثلت بصواريخ الغراد ذات الأصل السوفيتي، والتي وصلت حتى بئر السبع، و397 قذيفة هاون خلال المعركة.

حرب 2012.. صواريخ المقاومة تصل إلى تل أبيب والقدس المحتلَّة

اندلعت الحرب الثانية عام 2012 باغتيال الاحتلال لنائب القائد العام للكتائب، أحمد الجعبري، واستمرَّت ثمانية أيام، لتضرب كتائب القسام عمق إسرائيل وتصل صواريخها لأول مرة إلى تل أبيب والقدس ردًّا على اغتياله، وجرى قصف الكيان بما مجموعه 1500 صاروخ بحسب إسرائيل، وقُتل فيها ستَّة إسرائيليين على الأقل، واستشهد 174 فلسطينيًّا بقصف الاحتلال، ويُذكر أن الجعبري هندسَ صفقة تبادل الأسير الإسرائيلي شاليط، التي عرفت بـ«صفقة وفاء الأحرار».

حرب 2014: العدوان الأطول والأعنف

وشنَّت إسرائيل عدوانًا آخر عام 2014 استمرَّ 51 يومًا، استشهد فيه 2322 فلسطينيًّا، وقُتل 68 جنديًّا إسرائيليًّا في محاولة الاجتياح البرية، وأطلق أكثر من 4500 صاروخٍ باتجاه الكيان، وفشلت محاولة الاجتياح البري وأُسر فيها جنديَّان إسرائيليان خلال الحرب.

ونفَّذت كتائب القسام عمليات نوعية في هذه الحرب، منها عملية اقتحام برج للجيش الإسرائيلي شرق الشجاعية في منطقة «ناحل عوز»، نفَّذها تسعةٌ من قوات النخبة في كتائب القسام، وصوَّروها ثم بُثت أثناء الحرب، ويظهر فيها قتل عدد من جنود الاحتلال، وصراخ أحدهم، ويوثِّق اغتنام رشاشٍ منهم.

مقاطع من عملية «ناحل عوز» في حرب عام 2014

وكشفت الكتائب في هذا العدوان عن قوة الضفادع البشرية، وهي قوات بحرية تابعة للقسام، نفَّذت عمليةً في موقع «زيكيم» العسكري الإسرائيلي، وقالت إنها قتلت وجرحت عددًا من جنود جيش الاحتلال في الموقع.

أيار الطويل.. العدوان على الشيخ جراح والأقصى والرد من غزة

جاءت الحرب الأخيرة في مايو (أيار) 2021 بعدَ الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على القدس وحي الشيخ جراح، وقد حذرت المقاومة الاحتلال الإسرائيلي من استمرار العدوان على القدس، وأنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاءه، لتبدأ الحرب بقصف المقاومة للقدس المحتلَّة وتل أبيب.

ورغم التقديرات الإسرائيلية التي قلَّلت من عدد صواريخ المقاومة وجاهزيتها، فإنها تفاجأت بقدرة المقاومة على إطلاق رشقات تزيد على مئة صاروخ في الضربة الواحدة، ما أضعف فاعلية القبة الحديدية وقدرتها.

وأعلنت فصائل المقاومة، بقيادة القسام، أنها قادرةٌ على متابعة القصف بالمعدل نفسه لستَّة شهور متواصلة، بالإضافة إلى استخدام أسلحة وتكتيكات جديدة متمثلة بالمسيَّرات الاستطلاعية والانتحاريَّة، والاستخدام المكثَّف لراجمات الصواريخ دون قدرة الاحتلال على استهدافها، واستخدام صواريخ كورنيت المضادة للدروع ثلاث مرات خلال 10 أيام.

وسدَّدت المقاومة ضربات إستراتيجيَّة، باستهدافها مثلًا لمنصات الغاز الإسرائيلية في الأبيض المتوسط، بغواصة مُسيَّرة عن بعد، وبلغ عدد ضحايا العدوان 232 شهيدًا، كما قتل 12 إسرائيليًّا خلال الحرب.

من هم أبرز قادة الكتائب اليوم؟

  • محمد الضيف: القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام، أهم المطلوبين لجيش الاحتلال الإسرائيلي منذ 25 سنة، وليس له إلا صورة قديمة، وحاولت إسرائيل اغتياله عدَّة مرات، منها مرتان خلال الحرب الأخيرة، بحسب ادِّعاءات جيش الاحتلال، وأصبح الضيف القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام بعد اغتيال قائدها السابق الشهيد صلاح شحادة، المسؤول عن مئات العمليات ضد الكيان.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 3 أسابيع
محمد الضيف.. رجل الظل القسامي ومطوِّر المقاومة الفلسطينية
  • مروان عيسى: نائب القائد العام لكتاب القسام، وخليفة القيادي أحمد الجعبري، ولا صور متوفرة له، وهو عضو بالمكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس.
  • نشرت بعض التقارير الإسرائيلية في أعقاب اغتيال الشهيد أحمد الجعبري قائمةً بأسماء الخلفاء المحتملين له، وهم مروان عيسى، وأحمد غندور، ومحمد أبو شمالة الذي استشهد لاحقًا، ومحمد السنوار قائد منطقة خانيونس، وأيمن نوفل، قائد منطقة المخيمات في وسط غزة.

أهم عمليات أسر الجنود الإسرائيليين

محاولة خطف الجنود الإسرائيليين لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين من أهم أهداف الكتائب، وكان أنجحها خطف الجندي جلعاد شاليط عام 2006، ومبادلته بـ1050، أسيرًا فلسطينيًّا عام 2011 بصفقة وفاء الأحرار، وتاليًا أهم محاولات أسر الجنود والضباط التي نفذتها الكتائب: 

  • أسر الرقيب آفي سبارتوس، عام 1988، ووجد مقتولًا بعد 3 أشهر.
  •  أسر الجندي إيلان سعدون عام 1989، ووجد مقتولًا بعد 7 سنوات.
  • أسر الرقيب الأول نسيم طوليدانو، عام 1992، لمبادلته بالشيخ أحمد ياسين، وقُتل لاحقًا لعدم استجابة الاحتلال لمطالب الكتائب.
  • أسر عضو الشاباك ساسون نورائيل، عام 2005، وقُتل ورُمي في بلدة بيتونيا، قرب مدينة رام الله.
  • أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2006.
  • أسر الجندي شاؤول آرون في حرب عام 2014.

أهم محطات تطور صواريخ القسام: 

في حرب غزة 2008 لم تمتلك الكتائب وقتها إلا صواريخ قسام البدائية، والتي لا يتجاوز مداها 17 كم، وصواريخ غراد بمدى 40 كم، ثم في حرب غزة 2012 فاجأت الكتائب إسرائيل بتطويرها محليًّا لصاروخين جديدين بأمدية مختلفة.

  • صاروخ M75: نسبة إلى القائد القسامي إبراهيم مقادمة، وكان أول صاروخ يستهدف مطار بن غوريون.
  • صاروخ سجيل 55: ويبلغ مداه 55 كيلو مترًا، وهو أول صاروخ استهدف مدينة اللد.

أما في حرب 2014، توالى تطوير الصواريخ محليًّا في قطاع غزة، وأعلنت الكتائب حينها عن تطويرها لصاروخين جديدين خلال الحرب، وهما: 

  • صاروخ J80: نسبة إلى قائد الكتائب السابق أحمد الجعبري، ويبلغ مداه 80 كم، وهو أول الصواريخ التي تضرب تل أبيب، وقد تحدت الكتائب إسرائيل على اعتراض الصاروخ ولم تتمكن القبة الحديدة من اعتراضه. 
  • صاروخ R160: نسبة إلى قائد حماس السابق في غزة، عبد العزيز الرنتيسي، ويبلغ مداه 160 كم، وهو أول صاروخ يضرب مدينة حيفا.

وفي حرب 2021 كشفت الكتائب عن ثلاثة صواريخ جديدة، شهدت تطورًا لا في مداها فحسب، وإنما على مستوى القدرة التدميرية: 

  • صاروخ A120: نسبة إلى القائد العسكري في الكتائب رائد العطار، ويبلغ مداه 120 كم وبقدرة تدميرية عالية، وهي الصواريخ التي استخدمت في ضرب مستوطنات القدس. 
  • صاروخ SH85: نسبة إلى القائد العسكري في الكتائب محمد أبو شمالة، ويبلغ مداه 85 كم، وهو الصاروخ الذي استخدم لضرب مطار بن غوريون وتعطيل الحركة فيه خلال الحرب الأخيرة.
  • صاروخ عياش 250: نسبة إلى مهندس القسام الأول يحيى عياش، ويبلغ مداه 250 كم، وله القدرة على استهداف كل نقطة في فلسطين المحتلة، وهو الصاروخ الذي استخدم لضرب مطار رامون في جنوب الكيان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد