في أحد محلات الأنتيكات بمنطقة وسط البلد بالعاصمة المصرية القاهرة، يجلس عادل بوجوس الرجل الستيني الأرمني الأصل على كرسي خشبي أمام باب محله، يبدو عادل وكأنه خارج الزمن ينصت بكامل حواسه إلى الموسيقى المُنبعثة من الأسطوانة التي وضعها بجهاز الجرامافون القديم الموجود بمحله، يتابع بعينيه أجيالًا جديدة تسير في الشارع خارج جدران محله الصغير ذهابًا وإيابًا، ويلتفت إلى طريقة كلامهم وتحركهم وتصرفاتهم، ويشاهد التنافس المحموم بين البائعين حول اجتذاب الزبائن لشراء بضائعهم، وتصل إلى أذنيه في أحيان كثيرة الألفاظ النابية التي يوجهونها بعضهم إلى بعض، يردد عادل لنفسه «الحياة لم تعد نفس الحياة»، مُقارنًا بين الوقت الحالي ومنذ 30 عامًا حينما كانت الناس تهتم بما لديه من حكايات، وما لديه من ثقافة مُختلفة عنهم، خارج المحل لا يهتم أحد بكون عادل أرمني، هو بالنسبة للجميع المسيحي العجوز وكفى!

نشأ بوجوس في بيت أرمني بالعاصمة المصرية، لم ير أرمينيا ولم يذهب لزيارتها ولو لمرة واحدة، ولكن جده قضى عمره هناك، وأباه ذهب للزيارة عدّة مرات، والد عادل ووالدته من الأرمن، كانت الأم حريصة أن ينشأ عادل وإخوته كما لو كانوا يعيشون في أرمينيا، تعلموا في مدارس أرمنية، تربوا على إجادة أكثر من لغة وعلى معرفة تاريخ أرمينيا جيدًا حتى  لا ينسوا موقعهم من التاريخ ولا يفقدوا بوصلتهم الجغرافية وإن قضوا أعمارهم في بلد ليست هي بلدهم الأم، عليهم أن يتعايشوا ويتكيفوا، عليهم أن يعملوا ويُكونوا صداقات ومعارف، لكن عليهم أيضًا مقاومة الانصهار، والوقوف بحزم ضد موجات النسيان.

«مُعافرة» للوقوف في وجه الزمن

لا زالوا يُلحقون أبناءهم بالمدارس الأرمنية، فقد تأسست أول مدرسة أرمنية في مصر عام 1818 وهي مدرسة يجيازاريان الدينية في منطقة بين الصورين ونقلت عام 1854 إلى درب الجنينة وتغير اسمها إلى «خورنيان» على اسم المؤرخ الأرمني موڤسيس خوريناتسي، وفي عام 1904 نقل رجل الأعمال بوجوس نوبار المدرسة إلى بولاق، وفي 1907 أسس مدرسة كالوسديان ڤارجان الأرمينية التي ضمت أيضًا روضة أطفال والتي بقي منها اليوم مبنى واحد وساحة في شارع الجلاء في وسط القاهرة.

ولا زال الأرمن أيضًا في محاولة «المُعافرة» للوقوف في وجه الزمن حتى لا تجرفهم الأيام خارج جلودهم، فيقول مظلوميان، وهو عضو في لجنة إحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمينية، أن الأرمن يفضّلون الزواج من أفراد الجالية فقط نظرًا لقلة العدد، وحفاظًا على اللغة، مما قد يدفع أحدهم إلى تأجيل زواجه للأربعين وربما للستين بحثًا عن فتاة الأحلام الأرمينية.

فيديو حول حكايات الأرمن في مصر

ووفقًا لقانون الأحوال الشخصية لطائفة الأرمن الأرثوذكس التي تضمّ أكثر من 83% من الجالية الأرمنية المصرية، يُشترط لعقد الزواج أن يكون العاقدان من الأرمن الأرثوذكس، وألا يقل عمر الرجل عن 18 سنة وعمر المرأة عن 16، ولا بد من رضا العاقدين، وعندما تنطبق الشروط السابقة على الراغبين في الزواج، يصرح لهما المطران بالزواج، ويقام سر الزواج علانية في كنيسة الأرمن الأرثوذكس وبحسب طقوسها، وذلك بواسطة كاهن من الطائفة مرخّص له من وزارة العدل وبحضور الإشبين والإشبينة وشاهدين.

نيللي عادل طفلة في أحد المدارس الأرمنية بالقاهرة، لا تعرف نيللي عن مدرستها التي لا زالت في سنوات دراستها الأولى بها إلا أنها تُجبرها وزميلاتها على الالتزام الشديد في الزي وفي مواعيد الحضور والانصراف، ولدت نيللي لأبوين من الأرمن، وقد حدثتها أمها عن أرمينيا كثيرًا، لكنها عندما تتحدث مع جاراتها التي تلعب معهم لا يفهمون شيئًا مما تقول، ولا يعرفون كيف ينطقون كلمة «أرمينيا» من الأساس، فتشعر بالسعادة أنها لا تعرف كيف تنطقها بشكل صحيح فقط، بل إنها أيضًا من تلك البلد التي لا تتمكن رفيقاتها حتى من النطق باسمها بشكل صحيح.

على النقيض من هذا زميلات نيللي في المدرسة، فكثيرات من بينهن يعرفن جيدًا ما هي أرمينيا، فهن أرمنيات أيضًا، تعرف نيللي أنها تسمت بهذا الاسم نسبة للفنانة الاستعراضية نيللي، هي ممثلة مشهورة وقد كانت تُقدّم رقصات استعراضية، هذه هي حدود معلومات نيللي الصغيرة عن الكبيرة، والمعلومة الأهم التي تعرفها الصغيرة أن نيللي الفنانة التي تحمل اسمها هي من أصل أرمني أيضًا.

يحبون أن يكونوا مصريين أرمن وليسوا أرمن مصريين!

أما عن انتمائهم فيقول الدكتور جورج نوبار، عميد كلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان، في تصريح صحافي: «احنا مصريين أرمن، مش أرمن مصريين». ويوضح: «ولدت في مصر، وأنا مصري الثقافة والهوية، وخدمت في الجيش؛ ووالد جدي هو من جاء إلى مصر هربًا من الإبادة والمذبحة التي حدثت للأرمن عام 1915»

يؤكد نوبار: «نحن ننتمي إلى مصر 100% وننتمي إلى هويتنا الأرمنية التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا؛ فمثلا لو مصر بتلاعب أرمينيا في ماتش كورة أكيد هشجع مصر، لأني منتمي لمصر ولنواديها».

فيديو يحكي عن حياة الأرمن وتاريخ في مصر

لقد أحب الأرمن مصر، هذا هو السبب الذي يراه عميد كلية الفنون التطبيقية وراء قدرتهم على الاندماج في المجتمع. يقول: «لأن مصر احترمت رغبتهم في الحفاظ على هويتهم؛ وتركت لهم حرية إنشاء الكنائس الأرمنية والمدارس، والنوادي الثقافية، والجمعيات الخيرية».

لا أستطيع ترك الحلم بالزواج

تقول«ل.س» موظفة بأحد الشركات الخاصة وهي أرمنية، «أحيا كمصرية في كل جوانب حياتي، أنا مصرية منذ خروجي من بيتي وحتى عودتي إليه، لا يفرق شكلي عن المصريات كثيرًا، هي بلدي وأعرف كيف أتعامل جيدًا كفتياتها، ولكن قلبي وعقلي يُدركان جيدًا أنني أرمنية، كل ما يفرقني عن الفتيات المصريات أنني لا أترك نفسي كثيرًا لحلم الزواج والبيت والأسرة والأطفال».

أسباب «ل»وراء هذا تعود إلى أن الحصول على شاب أرمني ترتضيه وتحبه هو أمر نادر الحدوث وعسير جدًا، تخطت الآن عامها السادس والثلاثين، وما زال لديها أمل في البحث وإن كانت يائسة تمامًا من النتائج، تُعاني «ل»،التي فضّلت عدم الإفصاح عن اسمها،  دومًا من مشاعر الأقلية وسط أغلبية لا تعلم عن ظروفها شيئًا، ورغم هذا الشعور لا تفكر «ل» في المغادرة وترك مصر، عن هذا تحكي «ل» لـ«ساسة بوست»: «كثيرون من الأرمن الذين أعرفهم قد سافروا بالفعل، لكنني لا أحب ولا أعرف كيف سأعيش إذا تركت كل ذكرياتي وسنوات حياتي وراء ظهري لأبدأ من جديد، حتى لو كانت هذه البداية في مكاني الأصلي الذي أنتمي إليه، قد يبدو هذا غريبًا لكثيرين، لكن اختلاف قدراتنا في الحياة مثل اختلاف ملامح وجوهنا بالضبط».

تتفق «ل» مع نوبار في أن ما يُهون عليها الأمر كثيرًا هو وجود الكنائس والمدارس والنوادي الثقافية الأرمنية، تشعر «ل» بالارتواء ففي هذه الأماكن تستطيع أن توفق بين البلد التي عرفها عقلها والبلد التي عاش بها جسدها، وألا تحرم قلبها من أحدهم.

فلدى الأرمن 52 ناديًا ثقافيًا بالقاهرة والإسكندرية، مثل نادي «هوسابير الثقافي بمصر الجديدة» و«نادى الفن الأرمني» بوسط البلد، ونادي «ديكران يرجات» بالإسكندرية، وفي تلك النوادي يقيم الأعضاء حفلات للحفاظ على التراث الثقافي للأرمن.

روبرت فيسك: من أرض المذابح.. محاولات للعثور على آخر الأرمن في تركيا

بدايات الجالية الأرمنية في مصر

يُمكننا العودة إلى الوراء بعض الشيء، فمنذ ما يزيد عن 100 عام عن تلك اللحظة التي نحن فيها الآن، يُمكننا أن نرصد البداية الحقيقية المؤثرة لتاريخ الجالية الأرمنية في مصر، فقد تلّقت الجالية أعدادًا كبيرة من اللاجئين؛ فزادت أعدادهم في مصر حتى وصلت ذروتها، فيُقال أن عددهم قد وصل إلى نحو 17 ألفًا، وقد كان أغلبهم يتركزون في القاهرة والإسكندرية، فمنذ العصر الفاطمي في القرن الحادى عشر، بدأت الهجرة الطوعية للأرمن من سوريا وسائر بلاد الشام إلى مصر حيث تمتعوا بكامل حرياتهم، وقد ارتبط نزوح الأرمن بشخص محمد علي وظروف حكمه التي سمحت لهم بالعمل بالحرملك مترجمين وأطباء، وأدار الأرمن الثروات الخاصة للأسرة العلوية.

حلقة صاحبة السعادة عن تاريخ الأرمن بمصر

بحسب كتاب «تاريخ الجالية الأرمنية في مصر» للباحث محمد رفعت الإمام، وهو عميد كلية الآداب جامعة دمنهور وأحد أوائل الباحثين الذين خاضوا غمار الدراسات الأرمنية في مصر، فإن الأرمن في القرن التاسع عشر كانوا يُمثلون نخبة مُنتقاة وجالية مُتميزة اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا.

وفي تلك الحقبة البعيدة برزت العديد من الأسماء الأرمنية في مصر، فهناك بدر الدين الجمالي: وهو مملوك من أصل أرمني استعان به الخليفة المستنصر الفاطمي في 1073 لمساعدته عندما ضعفت مصر بسبب الفتنة الداخلية والمجاعة والجفاف، وسنان باشا: وهو المهندس المعماري للإمبراطورية العثمانية الذي بنى المسجد التاريخي في بولاق، وسوق القاهرة للحبوب، وحمام بولاق العام.

يُشير الإمام إلى أن نزوح الأرمن القسري لمصر جاء نتيجة ما سمّاها بـ«سياسة الإبادة» التي انتهجتها السلطات العثمانية ضدهم حتى لا يطالبوا بأية امتيازات سياسية، فتعرض الأرمن لسلسة من الاضطهادات والمذابح التي أودت بحياة الآلاف منهم وشُتت آخرون، ورغم أن مصر كانت جزءًا من الدولة العثمانية وقتها إلا أنها أصبحت بلدًا مهمًا لهجرة الأرمن الذين دخلوها وعاشوا بها آمنين لتصبح مصر هي الدولة الأفريقية الوحيدة التي استوعبت الأرمن النازحين، وقد عاش الأرمن في مصر بنفس ميراثهم وسلوكهم دون أن ينصهروا في المجتمع المصري، لكنهم نجحوا نسبيًا في التكيف معه.

هل تتسبب قضية الأرمن في توتر العلاقات التركية الألمانية التاريخية؟

من بينها إدخال «اليوسفي».. التغيير الذي أحدثه الأرمن في مصر

لم يكن مجرد الانخراط في المجتمع المصري هو الشيء الذي يهدف إليه الأرمن في مصر، بل أحدثوا الكثير من التغيرات وشاركوا في تطوير الكثير من الصناعات بما في ذلك بناء السفن وصناعة النسيج مع شركات الغزل والنسيج والنجارة والحدادة ونحت الحجر، والأحذية والمجوهرات، والزراعة، والتبغ.

وتأسس أكبر مصنع للتبغ في مصر على يد الإخوة ماتوسشين، وعمل 70 ألف عامل أرميني في مصانع تبغ ماتوسشين بين عامي 1895-1896، وحمل 90% من إنتاج السجائر في مصر، وحصل على العلامة التجارية من المصانع المملوكة الأرمينية.

وفي الربع الأول من القرن الـعشرين، توسعت صناعة التبغ الأرمينية لدرجة أنها سيطرت على أسواق مصر والسودان. وكان هناك مجال آخر من مجالات الصناعة التي هيمن عليها الأرمن، وهي صناعة الأحذية لبراعتهم في الفن والتصميم، وكان كريكور بابازيان إسكافي العائلة المالكة وأوساط النخبة، وكانت هناك شركة متخصصة شهيرة تدعى «سوكياسشين» للدباغة ومعالجة الجلود وصناعة الأحذية.

فيديو حول ناظرة مدرسة الأرمن الكاثوليك

وفي مجال النشر والطباعة، أنشأت الطائفة الأرمنية المصرية المطابع في القاهرة والإسكندرية لنشر الصحف والدوريات والكتب المختلفة، ففي القاهرة، أسس سركيس داربينيان صحيفة «أرارات» في 1895، وفي الإسكندرية، وفي عام 1899 أنشأت نازاريتيان صحيفة «نازاريتيان» ثم افتتحت ماري بيليريان دار «أرديميس للنشر» ومجلة للمرأة كانت تحمل الاسم نفسه في عام 1902.

وفي عام 1824 أحضر وزير التجارة بوجوس بك يوسفيان إلى مصر 40 أسرة أرمنية لديها مهارة الزراعة لتعليم المصريين، وفي أقل من عامين أصبحت منتجات الزراعات النيلية أهم الصادرات المصرية.

وبدأت زراعة وتصدير واسع النطاق للمندالين (اليوسفي) وهي فاكهة جرى تعريفها عن طريق بوجوس يوسفيان والمعروف بـ «يوسف أفندي الأرميني»، إذ اشترى وجلب معه شجيرات المندارين من جزيرة مالطة، وزرعت في بستان محمد علي، وأصبحت فاكهة شعبية حتى أطلق عليه اسم «يوسف أفندي».

بالصور، هكذا أحيت أرمينيا ذكرى المذابح وسط حضور دولي كبير

مشاهير الأرمن

ومن مشاهير الأرمن الذين عرفتهم مصر: نوبار باشا أول رئيس لوزراء مصر والذي يعود له الفضل في إنشاء أول خطوط للسكك الحديدية في مصر، ومُوقّع عقد مقاولة حفر قناة السويس مع الفرنسي فرديناند ديليسيبس عام 1863.

كذلك هناك بعض مشاهير الفنانين مثل: الفنانة لبلبة وهي فنانة وممثلة استعراضية مصرية اسمها الحقيقي نينوشكا مانول كوبليان، ولدت في مدينة القاهرة في عام 1945 لأسرة أرمنية من أصول سورية، وفيروز واسمها الحقيقي بيروز كالفايان وهي الأخت الكبرى للفنانة نيللي وابنة عمة الفنانة لبلبة، والفنانة نيللي وهي ممثلة وفنانة استعراضية مصرية وملكة الفوازير الرمضانية من أصل أرميني، فهي من أصول أرمينية من حلب بسوريا، والفنانة أنوشكا وهي مغنية وممثلة مصرية من أصول أرمينية، ولدت في حي مصر الجديدة بمدينة القاهرة لأب مصري وأم أرمينية والتحقت بمدارس كالوسديان الأرمينية بحي بولاق أبو العلا من مرحلة الحضانة إلى المرحلة الثانوية.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!