«إكرام الميت دفنه»، جملة نعرفها جميعًا وتبدو منطقية لنا اليوم، ويعرف الكثيرون منا قصة الغراب الذي أرسله الله؛ كي يعلم قابيل ابن النبي آدم كيف يواري جثة أخيه هابيل بعد أن قتله. فكيف كان البشر يتعاملون مع جثث موتاهم قبل ذلك؟ ومتى وكيف ظهرت المقابر؟ وهل تختفي في المستقبل؟

في البدء.. كان الدفن للمنبوذين فقط!

في بدايات التاريخ البشري، لم يكن البشر يدفنون موتاهم على الإطلاق، بل كان لأسلافنا القدماء طرقًا أخرى كثيرة لإرسال موتاهم إلى مثواهم الأخير. منها على سبيل المثال، ترك جثثهم في الكهوف، أو في الأشجار، أو على قمم الجبال، أو إغراقها في البحار، أو إحراقها، والأدهى من ذلك أن البعض كان يتناولها.

ومع أن معظم هذه الممارسات تبدو غريبة اليوم، فإنها كانت في نظرهم طريقةً لتكريم الموتى. ولكن متى جرى دفن الجثث للمرة الأولى؟ وكيف تقبل الناس هذه الفكرة؟

فنون

منذ 3 سنوات
يطعمونهم بعد الوفاة! من غانا لأستراليا.. 5 من أغرب طقوس دفن الموتى في العالم

ظهرت أولى المدافن المعروفة قبل نحو 120 ألف عام، ويعود تاريخ الدفن في الأرض عن طريق حفر خندق في الأرض من أجل الجثة، أو تغطيتها بالصخور أو التراب، إلى العصر الحجري القديم الأوسط على الأقل.

بعض قبائل الإسكيمو كانت تغطي جثث موتاها بأكوام من الحجارة، أو في حالة عدم توفر الحجارة تضعها في كوخ جليدي صغير. أما الشعب الإسكندنافي القديم فكانوا يغطون الجثث بركام من التراب الذي كان يصل أحيانًا إلى ارتفاعات هائلة. وفي شرق أمريكا الشمالية، كانت تلال الدفن الكبيرة مميزة للثقافات الهندية في الفترة من عام 1000 ق.م إلى 700 م.

ولكن الدفن كان على الأرجح للأشخاص المنبوذين؛ لاستبعادهم عن الطقوس المعروفة لتكريم الموتى. مع ذلك، أظهرت المدافن عدة مزايا أفضل من غيرها من الممارسات، مثل حماية الجثث من الحيوانات المفترسة والعوامل الجوية، ووقاية أهل المتوفى من رؤية عملية تحلل الجثة. وربما تكون هذه المزايا قد أحدثت تغييرًا في نظرة الناس إلى المقابر، ورؤيتها وسيلةً لتكريم الموتى؛ وبذلك أصبح دفن الموتى أكثر شيوعًا. وفي بعض الأحيان، احتوت المقابر على أشياء عملية تُوحي بالإيمان بالحياة الآخرة، حيث سيحتاج الموتى إلى هذه الأشياء.

«وادي السلام».. أقدم وأكبر مقبرة في العالم بالعراق

ظهرت المدافن المشتركة للمرة الأولى في شمال أفريقيا، وغرب آسيا قبل نحو 10 إلى 15 ألف سنة، تقريبًا في الوقت ذاته الذي ظهرت فيه المستوطنات الدائمة في تلك المناطق للمرة الأولى. وقد أوجدت تلك المدافن أماكن دائمة لإحياء ذكرى الموتى. وعادةً ما كان يجري تمييز المقابر في ثقافات العالم القديم بحجر يحمل صورة الشخص واسمه، أو بمقبرة خاصة مثل أهرامات مصر، أو مقابر ثولوس في اليونان.

وفي بعض الحضارات مثل بلاد ما بين النهرين، كانت تُشيد القبور والمقابر في الأرض على أمل أن تصل روح المدفون بسهولة أكبر إلى الحياة الآخرة، التي كان يُعتقد أنها موجودة تحت الأرض.

بدأ الدفن في بلاد ما بين النهرين حوالي عام 5000 ق.م في سومر القديمة، حيث كان يُدفن الطعام والأدوات مع الموتى. يقول المؤرخ ويل ديورانت: «آمن السومريون بالحياة ما بعد الموت. لكنهم مثل اليونانيين تصوروا العالم الآخر على أنه مسكن مظلم من الظلال البائسة، التي ينحدر إليها جميع الموتى دون تمييز».

Embed from Getty Images

وفي بلاد ما بين النهرين أيضًا توجد واحدة من أقدم وأكبر المقابر في العالم، ألا وهي مقبرة «وادي السلام» في مدينة النجف العراقية، والتي يرقد فيها أكثر من 5 ملايين شخص على مساحة تبلغ ستة كيلومترات مربعة، ويعود تاريخ تشييدها إلى أكثر من 1400 عام.

وتضم المقبرة رفات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقبور بعض الأنبياء مثل صالح، وهود. كذلك، دُفن فيها ملوك الحيرة وقادتها من العصر الساساني (637- 226)، وعدد من الصحابة، والملوك، والسلاطين، والأمراء. وتعد مقبرة وادي السلام المقبرة الوحيدة في العالم، التي ما تزال عملية الدفن مستمرة بها حتى اليوم منذ تشييدها.

الدفن في العصور القديمة

في مصر القديمة، دُفن الموتى أيضًا تحت الأرض، ومن أشهر المقابر المعروفة، الأهرامات مثل تلك الموجودة في الجيزة. وكان القبر هو المثوى الأخير المعتاد، حيث يُدفن المتوفى مع بعض البضائع الجنائزية التي تعينه في الحياة الآخرة.

وامتدت ممارسات الدفن المصرية إلى الحيوانات الأليفة، فيروي المؤرخ الإغريقي هيرودوت ما فعلته أسرة مصرية بعد أن فقدت قطها الأليف، فحلقت حواجبها ودخلت فترة حداد مساوية لوفاة إنسان. وكان يجري تحنيط القطط، والكلاب، وغيرها من الحيوانات الأليفة الأخرى، وتطبق عليها الطقوس الجنائزية عند وفاتها.

واستخدم اليونانيون القدماء أيضًا الدفن تحت الأرض، وحرصوا كذلك على تزويد موتاهم بالحجارة المنحوتة؛ لتذكير الأحياء بمن هم المتوفون، وما التكريم الذي ما يزال مستحقًّا لهم. وكان اليونانيون القدماء أول من استخدم كلمة «مقبرة (cemetery)»، والتي تعني حجرة النوم (sleeping chamber)، وبنوا أيضًا الأضرحة في المقابر على أطراف المدن.

Embed from Getty Images

أما في روما القديمة، فكانت ممارسات الدفن الرومانية دائمًا ما تجري في الليل؛ وذلك لمنع تعطيل الأنشطة اليومية للمدينة؛ إذ كانت مسيرة الجنازة تبدأ في المدينة، وتنتهي خارج أسوار المقبرة. ولم يكن من الممكن دفن أحد داخل المدينة؛ وذلك من أجل الحفاظ على الحدود بين الأحياء والأموات، وأيضًا لمجرد المخاوف الصحية. أما عن مصير الجثة، فكانت تُحرق ويُجمع رمادها في جرة، أو تُدفن في قبر.

وفي الهند القديمة، كما هو الحال طوال تاريخ الهند، كان حرق الجثث الممارسة الشائعة لتكريم الموتى. مع ذلك ، لم تكن تلك الطريقة الوحيدة التي يُرسل بها الموتى إلى العالم الآخر. فقد ورد أيضًا أن كبار السن غالبًا ما يختارون التجديف في منتصف نهر الجانج، حيث يقذفون أنفسهم في المياه المقدسة وينجرفون بعيدًا. ولكن غالبية الجثث تُحرق، ويُنثر رمادها في مياه نهر الجانج، الذي يُعتقد أنه مصدر كل أشكال الحياة.

وفي الصين القديمة، كانت ممارسات الدفن تجري من خلال احتفالات طقسية، وإدراج الممتلكات الشخصية في قبر المتوفى. ووفقًا للمتحف البريطاني «كانت ممارسات الدفن الصينية مكونة من عنصرين رئيسيين: المقابر ومحتوياتها، والاحتفالات لتكريم الموتى التي يؤديها أقاربهم في المعابد وقاعات القرابين».

ويعد قبر تشين شي هوانج دي، الإمبراطور الأول للصين، أشهر مثال على ممارسات الدفن الصينية في العالم القديم. صُممت مقبرة شي هوانج دي؛ لترمز إلى العالم الذي ترأسه في حياته الدنيا، وتضمنت كل ما سوف يحتاجه في الحياة التالية، بما في ذلك جيش الطين المعروف أيضًا بـ«جيش التيراكوتا» المؤلف من أكثر من 8 آلاف رجل.

أما عن شعوب المايا، فكانوا ينظرون إلى الحياة بعد الموت على أنها عالم كئيب محفوف بالمخاطر والظلام. وتركزت طقوس دفنهم على توجيه الروح في الطريق الصحيح، نحو التحرر من العالم السفلي. وكان الموتى يُدفنون مع وضع الذرة في أفواههم؛ رمزًا لإعادة ميلاد أرواحهم، وأيضًا غذاءً لرحلة الروح عبر الأراضي المظلمة في العالم السفلي.

ممارسات غريبة قد تحل محل الدفن التقليدي في المستقبل

في مدن العصور الوسطى الأوروبية، وفَّرت الكنائس مساحات لاحتواء الموتى، والتي استضافت أيضًا في الوقت نفسه الأسواق والمعارض وغيرها من الفعاليات. حتى إن المزارعين كانوا يرعون مواشيهم فيها، معتقدين أن أعشاب المقبرة وجدت لجعل الحليب أكثر حلاوة!

وكانت المقابر المزخرفة محجوزة للأثرياء وأصحاب النفوذ، أما القبور الفردية العادية كانت متاحة لأفراد الطبقتين الوسطى والعاملة. وكان الناس يزورون المقابر في الجنائز، والمناسبات، وأيام العطل، أو في بعض الأحيان عصرًا في الهواء الطلق.

في أواخر القرن 19، ومع ظهور المزيد من المتنزهات والحدائق العامة؛ بدأت المقابر تفقد زوارها. واليوم، صارت كثير من المقابر القديمة خاوية على عروشها. يجذب بعضها الزوار للقيام بجولات سياحية، أو حفلات غنائية، وغيرها من وسائل الجذب.

وحاليًا، تعاني بعض المدن الكبرى مثل لندن، ونيويورك، وهونج كونج من تناقص المساحات المخصصة للدفن. وحتى في الأماكن التي تتوفر فيها مساحات كبيرة، فإن المقابر دائمًا ما تشغل الأراضي، وتجعلها غير صالحة للزراعة أو الاستغلال بأي صورة أخرى؛ إذ تستهلك المقابر التقليدية موادًا مثل المعادن، والحجارة، والإسمنت، التي يمكن أن تلوث التربة والمياه الجوفية بالمواد الكيميائية السامة.

وفي ظل تزايد الوعي بالأضرار البيئية، بدأ التفكير في البحث عن بدائل أخرى للدفن التقليدي، مثل حرق الجثث. وبالإضافة إلى ذلك، ظهرت ممارسات جديدة مثل إطلاق الجثث في الفضاء، أو استخدامها في تلقيح الأشجار، أو تحويلها إلى مجوهرات، أو ألعاب نارية، وقد تحل هذه الممارسات محل الدفن التقليدي في المستقبل.

منوعات

منذ سنتين
«ادفنوني في علبة برنجلز».. 5 من أغرب الوصايا في التاريخ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد