«أريد أن أتخلص من المشكلة الهندية. لا يتعين على البلاد أن تحمي فئة من الأشخاص الذين يستطيعون الوقوف بمفردهم. هدفنا ألا يوجد هندي واحد في كندا لم يجر استيعابه في الدولة. لا أريد مطالب هندية ولا هيئة معنية بشئون الهنود». * دنكان كامبل سكوت، نائب مدير إدارة الشؤون الهندية، عام 1920

هكذا تحدث مسؤول حكومة المستعمرين الجدد عن السكان الأصليين، إذ لم يكتفِ المستعمرون بسرقة أراضيهم ومواردهم، فأنشأوا نظامًا تعليميًّا لأطفال السكان الأصليين تحت اسم المدارس الكندية السكنية (الداخلية)، أشبه بمعسكرات الاعتقال والتعذيب؛ لمحو ثقافة السكان الأصليين للأبد، عن طريق أخذ الأطفال قسرًا وخطفهم من أهاليهم. في هذا التقرير نحاول التعرف إلى المدارس الكندية الداخلية الهندية، ولماذا نشأت؟ وكيف كانت الحياة فيها؟ وما شكل الانتهاكات والاعتداءات التي تعرض لها أطفال السكان الأصليين في هذه المدارس؟ وكيف استمرت آثارها المدمرة في الأجيال الجديدة للسكان الأصليين؟

المدارس السكنية الكندية الهندية.. إبادة ثقافية

نشأ نظام المدارس الداخلية جزءًا من خطة «الاستيعاب العدواني»، واستعمار الشعوب الأصلية في كندا. فقد اتبعت الحكومة الكندية سياسة الإبادة الثقافية من أجل إعفاء نفسها من التزاماتها القانونية والمالية تجاه السكان الأصليين، والسيطرة على أراضيهم ومواردهم.

ترجع أصول مدارس السكان الأصليين إلى منتصف القرن السادس عشر، حين بنت الكنائس مدارس خاصة لأطفال السكان الأصليين، ثم نشأ نظام المدارس الداخلية عام 1830 عن طريق الكنائس، حتى تطور عام 1883 إلى نظام المدارس الداخلية الفيدرالية، برعاية الحكومة وإدارة الكنائس، واستمر بعد ذلك حتى أغلقت آخر مدرسة عام 1996.

طورت كندا نظامًا يحاكي المدارس في الولايات المتحدة والمستعمرات البريطانية؛ إذ تستخدم الحكومات الاستعمارية المدارس الصناعية الكبيرة لتحويل أطفال الفقراء والسكان الأصليين إلى كاثوليك وبروتستانت، وتدريبهم ليكونوا «عمالًا جيدين»، واستُخدمت هذه المدارس في أيرلندا، وجنوب أفريقيا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وكذلك في السويد، وسيلةً للمستوطنين الجدد للمطالبة بالأراضي التي يعيش ويعمل بها السكان الأصليون. اعتمدت كندا هذا النموذج من أجل فرض تبني التقاليد واللغات وأساليب الحياة الأوروبية الكندية المسيحية على السكان الأصليين.

المدراس الداخلية الكندية –  المصدر: مكتبة ومحفوظات كندا 1927

أخذت وخطفت الحكومة أكثر من 150 ألف طفل من أطفال السكان الأصليين قسرًا، وعندما حاول أهاليهم التمسك بهم أو إخراجهم من المدارس واجهوا الاعتقال، وحظرت المدارس على الأطفال التحدث بلغاتهم أو الاعتراف بتراثهم وثقافتهم الأصلية، وعوقب الأطفال بشدة عند خرق قواعد المدرسة الصارمة. تحدث الطلاب السابقون في المدارس السكنية عن انتهاكات مروعة على أيدي موظفي المدارس السكنية؛ شملت انتهاكات جسدية، وجنسية، وعاطفية، ونفسية.

مدارس تعليمية أم معسكرات اعتقال؟

كان الغرض من المدارس الداخلية هو القضاء على جميع جوانب ثقافة السكان الأصليين. فقد قصوا شعر الطلاب،  وأرغموهم على خلع ملابسهم التقليدية وارتداء زيٍّ موحد، وغالبًا ما كان يستخدم موظفو المدرسة الأرقام للإشارة إلى الطلاب بدلًا من أساميهم، بالإضافة إلى ذلك، جرى فصل الأولاد عن البنات، حتى إن الأخوة والأخوات نادرًا ما قابلوا بعضهم بعضًا، ما أدى إلى إضعاف الروابط الأسرية. يروي رئيس جمعية الناجين من المدارس الهندية بوبي جوزيف: «أنه لم يكن لديه أي فكرة عن كيفية التفاعل مع الفتيات، ولم يعرف أخته».

بالإضافة إلى ذلك، مُنع الطلاب تمامًا من ممارسة عادات أو تقاليد السكان الأصليين، أو التحدث بلغاتهم الأصلية، رغم أن العديد من الأطفال لا يعرفون أي لغة أخرى، وعوقب المخالفون بأساليب قاسية، منها الوخز بالإبر في اللسان، وجرى حصر كتابة الرسائل للأهل باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، رغم عدم قدرة الكثير من آباء الأطفال وأمهاتهم على قراءة خطاباتهم.

صورة لعمل الفتيات بالمدراس السكنية الكندية. المصدر: مكتبة ومحفوظات كندا

لم يحصل طلاب المدارس السكنية على التعليم نفسه الذي يحصل عليه عامة السكان في نظام المدارس العامة؛ إذ كان المنهج الذي يدرسونه يرتكز على تعلم الطلاب القراءة والكتابة إما باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وأساسيات الرياضيات والتعاليم المسيحية. بالإضافة إلى أن معظم المعلمين كانوا غير مؤهلين.

ونظرًا إلى ضعف التمويل القادم من الحكومة، اضطر الطلاب لقضاء نصف يومهم في العمل بصيانة المباني المدرسية، وزراعة الطعام، والنجارة، والبناء. واضطرت الفتيات للعمل بالطبخ والتنظيف، والخياطة وغسيل الملابس، (استمر نظام العمل هذا حتى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي)، وعندما غادر الطلاب المدرسة، لم يكن لدى معظمهم المهارات التي يحتاجونها لإيجاد وظيفة بأجر جيد.

انتهاكات جنسية واعتداءات جسدية بحق أطفال السكان الأصليين

كانت الإساءات في المدارس منتشرة على نطاق واسع. كان الإيذاء النفسي والعاطفي ثابتًا، وكان الإيذاء الجسدي عقابًا، وكان الإيذاء الجنسي شائعًا أيضًا. يتذكر الناجون تعرضهم للضرب والربط. قُيِّد بعض الطلاب في أسرَّتهم؛ وعُوقب بعضهم بالوخز في ألسنتهم بسبب التحدث بلغاتهم الأصلية.

كانت الانتهاكات منتشرة على نطاق واسع؛ تعرض الأطفال للضرب والحبس في أماكن صغيرة، والتقيد والربط بالسرير، وعُوقب بعضهم بالوخز بإبر في ألسنتهم بسبب التحدث بلغاتهم الأصلية، وذكر موقع «سي بي سي»، أن بعض المدارس أجرت تجارب غذائية على الطلاب الذين يعانون من سوء التغذية، في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي بمعرفة الحكومة الفيدرالية، بالإضافة إلى تعرض العديد من الطلاب للاعتداء الجنسي من قبل الموظفين أو طلاب آخرين.

«اغتُصبت بشكل متكرر بغرفة الخزانات، كنت أتمنى أن يأتي أحد ليتفقدني، لكن لم يأت أحد أبدًا. أعتقد أن جميع الأطفال تعرضوا للاغتصاب مثلي» *شهادة أحد الناجين من المدارس السكنية 

وعندما قُدمت بلاغات الاعتداء الجنسي، كان رد المسؤولين الحكوميين والكنيسة، في أحسن الأحوال، غير كافٍ. ونادرًا ما تم الاتصال بالشرطة، وحتى إذا قرر مسؤولو الحكومة أو الكنيسة أن الشكوى تستحق، فغالبًا ما كان رد الفعل إقالة الجاني، وفي أوقات أخرى، سمحوا للمعتدي بالاستمرار في التدريس.

أدت هذه الانتهاكات، إلى جانب سوء الأحوال المعيشية، وعدم كفاية الغذاء، وسوء الرعاية الصحية، إلى ارتفاع عدد الوفيات بشكل مروع. في عام 1907، أفاد المفتش الطبي الحكومي بيتر برايس بأن 24% من أطفال السكان الأصليين يموتون في المدارس الداخلية. ولا يشمل هذا الرقم الأطفال الذين توفوا في المنزل، حيث كان يجري إرجاع كثير من الأطفال إلى منازلهم عند سوء حالتهم الصحية. وذكر برايس أن نسب الطلاب الذين توفوا بعد خروجهم من المدارس الداخلية بفترة قصيرة تتراوح بين 47% إلى 75%. وأشارت بعض التقديرات إلى أن الوفيات كانت أكثر من 6 آلاف شخص، وأشارت تقديرات أخرى إلى أن إجمالي الخسائر بلغت 18 ألفًا.

ذكر بعض الطلاب السابقين أن الكهنة والراهبات الذين أداروا المدارس، تعاملوا مع الطلاب بأفضل طريقة ممكنة في ضوء الظروف، إلا أن الإطار المؤسسي وحجم العمل هزما حتى أفضل النوايا. فغالبًا ما يؤدي عدم الصبر إلى عقوبة مفرطة، وحتى التجارب الجيدة حدثت ضمن إطار يهدف إلى تدمير ثقافات السكان الأصليين.

وهنا يبرز سؤال: ما مدى معرفة إدارة الشؤون الهندية ومسؤولي الكنيسة بهذه الانتهاكات؟ خلصت اللجنة الملكية للشعوب الأصلية، إلى أن مسؤولي الكنيسة والدولة كانوا على دراية تامة بالانتهاكات والمآسي في المدارس. وأعرب بعض المفتشين والمسؤولين في ذلك الوقت عن جزعهم إزاء معدلات الوفيات المرعبة، لكن الذين تحدثوا ودعوا إلى الإصلاح قوبلت جهودهم عمومًا بالصمت ونقص الدعم، ووعدت وزارة الشؤون الهندية بتحسين المدارس، لكن الظروف استمرت كما هي.

كيف استمرت آثار المدارس الداخلية حتى بعد إغلاقها بعشرات السنين؟

«كانت المدارس السكنية أكثر الأفعال الاستعمارية تدميرًا للسكان الأصليين في كندا على الأرجح؛ لأن عواقبها ما تزال تؤثر في حياتهم حتى اليوم» *جون ميلوي، كتاب جريمة وطنية

قد يظن كثير من القراء أن نظام المدارس السكنية جزء من ماضٍ بعيد منفصل عن مسار الحياة الحالي، وهذا الظن لم يأخذ في الاعتبار أن العديد من القادة والمدرسين والآباء والأجداد من مجتمعات السكان الأصليين حاليًا من الناجين من المدارس السكنية. فقد تناقلت الكثير من المشكلات بين الأجيال؛ إذ وضعت المدارس السكنية الأساس للعنف الأسري والعنف ضد النساء والأطفال في أسر السكان الأصليين.

فقد نشأت أجيال من الأطفال دون حياة أسرية، لذلك يفتقر الكثير منهم إلى مهارات الأبوة والأمومة، بالإضافة إلى تأثير سوء معاملتهم في الصغر على إساءة معاملة أطفالهم وأفراد أسرهم. إذ يؤدي ارتفاع معدل العنف المنزلي بين عائلات السكان الأصليين إلى تدمير العديد من الأسر، مما يديم دورة سوء المعاملة على مر الأجيال.

صورة لبعض أطفال السكان الأصليين بجانب الراهبات في إحدى المدارس الداخلية الكندية – المصدر

ويرى العديد من المراقبين أن الشعور بعدم القيمة الذي غرسه نظام المدارس الداخلية في الطلاب، ساهم في تدني احترام الذات، فغالبًا ما كان يستخدم موظفو المدرسة الأرقام للإشارة إلى الطلاب بدلًا من أسمائهم. أدت هذه التجارب السلبية إلى ارتفاع معدلات إدمان الكحول، وتعاطي المخدرات، والانتحار، وأدى انتشار تعاطي المخدرات بالحقن لارتفاع معدلات انتشار مرض الإيدز بينهم كذلك.

ويعد الانتحار والإصابة الذاتية هي السبب الأول للوفاة بنسبة 40% بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و44 عامًا، وتحاول نساء الشعوب الأصلية الانتحار أكثر من النساء الكنديات بثمانية أضعاف، ويحاول رجال الشعوب الأصلية الانتحار بمعدل أعلى خمس مرات أكثر من الرجال الكنديين الآخرين.

وقد نشأ العديد من أطفال السكان الأصليين وهم يشعرون بأنهم لا ينتمون إلى أي من العالمين؛ فهم لم يعودوا كالسكان الأصليين، ولا هم جزء من المجتمع الكندي المهيمن. إنهم يكافحون من أجل مواجهة التمييز من كلا المجتمعين. بالإضافة إلى ذلك، عززت المدارس السكنية وغيرها من التجارب السلبية المتعلقة بالتعليم الذي ترعاه الدولة عدم الثقة في التعليم بشكل عام؛ مما جعل من الصعب على مجتمعات السكان الأصليين والأفراد كسر دائرة الفقر.

متى بدأت دعوات تعويض الضحايا؟

في التسعينيات، بدأ الناجون من المدارس الداخلية يتحدثون علانية عن الإساءات التي تعرضوا لها في المدرسة. ورفع القضايا ضد الحكومة الفيدرالية والكنائس، وطالبوهم بقول الحقيقة حول ما حدث وتعويض الناجين. في عام 1991 أنشأت الحكومة لجنة ملكية للشعوب الأصلية، استقبلت قصص العديد من ضحايا المدارس السكنية، وأوصى تقرير اللجنة لعام 1996 بإجراء تحقيق عام منفصل في المدارس السكنية، لكن هذا التحقيق لم ينفذ.

سياسة

منذ سنتين
الوجه الشرير لـ«كندا» نصيرة اللاجئين: تاجرة السلاح وصانعة الحرب في الشرق الأوسط

في عام 2008، اعتذرت الحكومة الفيدرالية رسميًّا للناجين من المدارس السكنية، وتبع ذلك المزيد من الاعتذارات، من الحكومات الإقليمية وكذلك الكنائس، وتأخرت الكنيسة الكاثوليكية بالاعتذار، رغم أنها أشرفت على ثلاثة أرباع المدارس السكنية الكندية، فقد اعتذرت آخر كنيسة رسميًّا في 29 أبريل (نيسان) 2009.

في عام 2007، صاغت الحكومة الفيدرالية حزمة تعويض بقيمة 1.9 مليار دولار. واستُخدمت بعض هذه الأموال لإنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة (TRC). وفي 30 سبتمبر (أيلول) 2013، جرى تعويض 105.548 حالة بمجموع تعويضات بلغ 1.6 مليار دولار، وتمكن الناجون من سرد قصصهم للجنة الحقيقة والمصالحة. وفي عام 2015، أصدرت اللجنة تقريرًا موجزًا ​​بنتائجها، رُفِع 94 طلبًا إلى رئيس الوزراء جاستين ترودو.

المصادر

تحميل المزيد