«القرامطة».. على مدار قرنيْن من الزمن، ابتداءً من النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، كان لتلك الكلمة وقعٌ يتجسّد فيه الرهبة والرعب، في بقعة واسعة من البلدان الإسلامية، تمتد من بلاد فارس شرقًا، إلى ضفاف النيل غربًا، ومن أعماق الشام شمالًا إلى نجد والحجاز جنوبًا، مرورًا بالعراق، الذي كانت تتوسطه آنذاك خلافة بغداد المتداعية، التي كان سلطانها لا يكاد يجاوز العاصمة وجوارها. 

بغداد، البصرة، مكة المكرمة، دمشق، حلب، القاهرة. كل حواضر الشرق الإسلامي الكبرى تلك، كان لها مع القرامطة قصة خاصة، تقاطعت فيها العقيدة والسياسة والحرب والمطامع. أثارت تجربة القرامطة شديدة الخصوصية، جدالات شديدة الاحتقان قديمًا وحديثًا، مال أغلبُها، خاصة المصادر الإسلامية السنية، إلى إدانة القرامطة باعتبارهم فرقة منحرفة، تاريخها السياسي والحربي ملطَّخ بالدماء، والجرائم المروعة.

في المقابل، ظهرت العديد من الآراء، خاصة في العصر الحديث، التي تحاول النظر بإيجابية إلى ثورة القرامطة، واعتبارها أول تجربة اشتراكية وشيوعية سبقت ظهور تلك النظريات بقرون، وأنها ناضلت من أجل المساواة التامة بين البشر، وإلغاء الفوارق الطبقية، والتخلص من الحكومات المستبدة.

في السطور التالية، سنطوف على محطات رحلة القرامطة العاصفة، في مجرى نهر تاريخ الأمة الإسلامية، ونترك للأحداث ومآلاتها أن ترسم الأحكام التي تستحقها.

القرامطة.. من الدعوة إلى الثورة

قرب منتصف القرن الثالث الهجري، وفي إحدى القرى الصغيرة شرق الكوفة، معقل الشيعة في العراق، وُلِد حمدان قرمط، الذي حمل القرامطة اسمه إلى الأبد. اختلِف في أصل اشتقاق تلك الكلمة. تحدَّث البعض عن أنها صفة جسمانية في حمدان، تتعلق بقصر الطول، أو احمرار العينيْن.. إلخ. لا يغير هذا من مسار الأحداث شيئًا. 

لم يكن مستغرَبًا أن تندلع ثورةُ القرامطة في هذا التوقيت، وفي تلك البقعة من العراق الملتهب، فقد كانت الظروف دائمًا مهيأةً للاضطرابات والثورات التي تتجدَّل فيها الخلفيات السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية. عام 255 هـ، اندلع بالعراق ثورة الزنج، والتي استمرَّت لأكثر من 20 عامًا، تخلَّلتها عشرات المعارك الحربية، بين الثوار -وجلُّهم من العبيد الذي كانوا يقاسون ظروف العمل القاسية في مزارع العراق- والذين كان يقودهم علي بن محمد، والذي ادعى انتسابَه إلى آل البيت، وجيوش الخلافة العباسية وأمرائها، الذين حاولوا قمع الثورة بقوة، فقد ارتأوْا فيها خرقًا كبيرًا لا يمكن التغاضي عنه.

 بالطبع أدى التكيز على «الحلول الأمنية»، دون البحث الجيد المنصف عن جذور وخلفيات تلك الأحداث، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية، إلى ترك المناخ جاهزًا لتكرار مثل هذا النموذج، فكانت ثورة القرامطة، والتي كان حظها في الوجود والاستمرارية أفضل من ثورة الزنج، حيث ظلَّ وجودها ودولتها على الساحة لحواليْ قرنيْن، لا عقديْن فحسب. وكانت كذلك أشد نكالًا على خصومها ومعارضيها.

«إن كانت ثورة الزنج هي ثورة العبيد، فإنّ الثورة القرمطية هي ثورة الفلاحين بلا منازع» * المفكر والفيلسوف اليساري حسين مروّة 

مذهبيًا، كان القرامطة ينتسبون إلى الشيعة الإسماعيلية. يتفق الإسماعيليون عمومًا مع الشيعة الاثنى عشرية -أكثر فرق الشيعة انتشارًا إلى يومنا هذا- في عصمة الأئمة الستة الأوائل من آل البيت، وهم علي بن أبي طالب، وابنيْه الحسن والحسيْن، فعلي بن الحسين، فابنه محمد الباقر، فابنه جعفر الصادق. يفترق المذهبان بعد جعفر الصادق، بين إمامة إسماعيل بن جعفر (وهؤلاء الإسماعيليون)، وإمامة موسى الكاظم بن جعفر (وهؤلاء الاثنا عشرية). 

بعد إسماعيل بن جعفر، انتقلت إمامة الإسماعيليين إلى ولده محمد بن إسماعيل، والذي تفجَّرت الخلافات بخصوص مصيره. بعض الإسماعيلية يرون أنه قد ترك ذرية، توارت عن الأنظار خوفًا من الاستهداف، وانتقلت إليهم الإمامة. وبالفعل بعد عشرات السنين من وفاة محمد بن إسماعيل، أعلن عبيد الله المهدي في إفريقية نفسه إمامًا، وبدأ الدعوة الفاطمية التي ما لبثت أن تحولت إلى دولةٍ كبرى، هيمنت في ذروتها على الشطر الغربي من العالم الإسلامي، ومصر، وأجزاءٍ من الشام، والحجاز.

لكن من الإسماعيليين من اعتقد بغيبة محمد بن إسماعيل -لا وفاته- وأنه الإمام الأخير، والمهدي المنتظر، وسيعود آخر الزمان ليملأ الدنيا عدلًا، بعدما ملئَت جورًا. كان أبرز هؤلاء القرامطة. وفي النصف الثاني من القرن الثالث الهجري طوّر القرامطة أشكالًا أكثرَ تعقيدًا في إيمانهم، فرأوْا أن تاريخ الكون سبعة حقب، لكل حقبةِ ناطق من الأنبياء، وأبرزهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. ولكل ناطق في مذهبهم وصي، يكمل مسيرته، ووصي محمد، هو علي بن أبي طالب. وخلف كل وصي سبعة أئمة، يعرفون العلوم الظاهرة والباطنة لكافة الشرائع السماوية السابقة، وآخرهم يكون الإمام الغائب، وهو لدى القرامطة كما ذكرنا محمد بن إسماعيل، والذي سيعود آخر الزمان لينسخ الإسلام، ويعلن الحقيقة الباطنة الكامنة في الشرائع. 

على أرض الواقع، استفاد القرامطة من البنية التحتية الباطنية للمذهب الإسماعيلي، والذي بثَّ العديد من دعاته سرًا في أنحاءٍ متفرقةٍ من العالم الإسلامي، كان أبرزها في خوزستان ببلاد فارس، وسلمية قرب حمص، بالشام. لكن كان الثقل الرئيس للدعوة الإسماعيلية القرمطية في سواد الكوفة بالعراق، حيث نشط حمدان قرمط.

في بداية دعوتِه، كان حمدان خاضعًا للقيادة المركزية السرية للدعوة الإسماعيلية العامة، وكان مقرها على الأرجح سلمية بالشام. استغلّ حمدان تفكك سيطرة الخلافة العباسية على جنوبي العراق، وانشغالها بثورة الزِّنج العنيفة، وبثّ دعاته في أرياف الكوفة، وجوارها، ليبدأ في الجهر بدعوته عام 278هـ، ويبني دارًا خارج الكوفة يعتبرها «دار الهجرة»، وبدأ في الصدام المباشر مع الدولة العباسية.

كان هذا النشاط بالعراق، بالتوازي مع بث دعاةٍ آخرين خارجه. فبدأت الدعوة في جنوب إيران عام 260هـ، وفي اليمن 268هـ (لكنها ظلت على ولائها المركزي الإسماعيلي العام)، وفي شرقي الجزيرة العربية عام 281هـ، حيث لاقت نجاحًا كبيرًا هنالك، وامتدت إلى عُمان واليمامة، والبحريْن الحالية، وأضحت تلك المناطق -خاصة الأحساء والبحرين- المعقل الرئيس للقرامطة، حيث تموقعت عاصمتهم فيما بعد (هجر).

من أبرز مفترقات الطرق في تاريخ القرامطة، الانقسام القرمطي – الفاطمي الذي بدأ عام 286هـ، والذي سنفصِّل فيه لاحقًا. وهنا يبرز الكثير من الغموض. فعندما أعلن عبيد الله المهدي الفاطمي الإمامة لنفسه، اعترض بعض أبرز الدعاة ومنهم حمدان قرمط، وعبدان. اختفى حمدان فجأة، واغتيلَ عبدان، ومنذ ذلك الحين لا يُعرَف إلى أينَ ذهب، أو ما مصيره. وإن كانت بعد المصادر الشيعية تذكر أنه سار خفيةً إلى عبيد الله المهدي، وبايعه، واكتسب معه هويةً جديدةً غير معلومة، ومضى يواصل سبيل الدعوة الإسماعيلية العامة. وقد أدى هذا الاختفاء إلى بلبلة واضطرابٍ كبيريْن لدى قرامطة العراق وفارس.

حاول الداعية القرمطي زكروية -وكان معارضًا بشدة للانشقاق الفاطمي- إحياء الدعوة في العراق، وأرسل بعض أبنائه داعيةً إلى الشام، فاستقطب بعض بدو سوريا للدعوة القرمطية. تميّزت أساليب زكرويه بالوحشية،  فهاجمَ قوافل حجاج فارس، ونهبها، وكانت القبائل الشامية المنتسبة لدعوته تجوس خلال المدن والقرى لتعمل السلب والنهب، حتى تجرأوا ذات مرة فأغاروا على دمشق، حاضرة الشام، وأغاروا أيضًا على مدينة الكوفة. بل وصلت الوحشية بزكرويه إلى حد الأمر بقتل أقارب عبد الله المهدي الفاطمي، وكانوا بالشام، انتقامًا من انشقاقه.

لم تمر أفعال قرامطة زكرويه، دون مقاومة، فحاربتهم جيوش بغداد غير مرة، وكانت المعارك سِجالًا. عام 291هـ تلقى زكرويه ضربة قوية، عندما هُزم أنصاره قرب سلمية بالشام، وقُتل كبير دعاته هناك. ثم ما لبث زكروية أن أصيب إصابة قاتلة، مات من جرَّائها بعد معركة شرسة مع العباسيين عام 294 هـ. وتفككت شبكة أنصاره، وانتهت عمليًا ثورة القرامطة في العراق والشام.

أما اليمن، فلم يدُم الوجود القرمطي فيه أكثر من 20 عامًا، تخللها الكثير من الاضطراب، واختلاف ولاء الدعاة الإسماعيليين بينَ القرمطية والفاطمية، ولم يعد من وجود يذكر للقرامطة هناك بعد عام 304هـ.

وأما فارس وبلاد ما وراء النهر، فانتشر بعض دعاة القرامطة فيها، لكن لم ينجحوا في تشكيل دولة لهم، وإنما اقتصروا على استقطاب بعض كبار رجالات الدويلات هناك، كما حدث مع نصر الثاني الساماني، والذي تأثر بكتابات داعية القرامطة النسفي، لكن ما لبث باقي رجال البلاط الساماني من السنة أن انتبهوا لهذا الاختراق القرمطي، وبدأوا في مقاومته، فعزلوا نصر الساماني، وألقي القبض على النسفي، وأُعدِم في مدينة بُخارى عام 332هـ. وظلّ الوجود القرمطي فرديًا متواريًا في تلك الأنحاء.

تأسيس «دولة الدم»

عندما حدث الانشقاق الفاطمي عام 286هـ، اعترض عليه أبو سعيد الجنابي، وكان من أبرز القرامطة في البحرين، وشرق الجزيرة العربية، فقتل الدعاة المرتبطين بالدعوة الإسماعيلية الفاطمية، وأعلن نفسه إمامًا، وهيمَن على تلك البقاع 15 عامًا، حتى قُتِل غدرًا على يد أحد غلمانه عام 301هـ، دون معرفة الدافع، وخلفه ابنه أبو القاسم، والذي حكم 10 سنين، تفاوض خلالها مع العباسيين على السلم والهدنة. 

خلف أبا القاسم في حكم القرامطة، أخوه أبو طاهر الجنابي، والذي يعتبر أبرز من قاد القرامطة على الإطلاق، وارتبط باسمه بعض أشهر غزواتهم المدمرة. عادت سياسة الاعتداء على قوافل الحجيج، وافتتح أبو طاهر عصرَه بغزوة مدمرة للبصرة، حاضرة الجنوب العراقي، عام 311هـ. اقتحم أبو طاهر أسوار البصرة ليلًا بصحبة 1700 من رجاله، واستباحوا المدينة، وظلوا 17 يومًا يعملون فيها القتل والتخريب والسلب والنهب. أعادت تلك الغزوة القرامطة إلى واجهة الأحداث، وبثَّت الرعب من القرامطة في آفاق العراق وجواره، لكن سيكون لهذا الرعب دافعٌ أشد خطورة بعدما فعله أبو طاهر وجنده عام 317هـ.

عزَّز أبو طاهر سلطانه في شرق الجزيرة العربية، وفتح عمان عام 318هـ، لكنه قام بفعلٍ غريب عام 319هـ، عندما تنازل عن سلطانه لفتًى من أصفهان اعتبره المهدي المنتظر -في مخالفة فجَّة لأصل المذهب القرمطي- لكن أساء هذا الفتى التدبير، وأظهر المجوسية، وسبَّ الأنبياء، واضطهد العرب،  وبدأ يقتل بعض قادة قرامطة البحرين، فعزله أبو طاهر، وقتله بعد ثمانية أيامٍ فقط من حكمه. لكن هزت تلك الاضطرابات الفكرية القرامطة كثيرًا، وألَّبت الكثير من دعاتهم خارج البحرين وشرق الجزيرة، ضد أبي طاهر، رغم إعلانه تبرأه مما حدث، وأنه خادم للمهدي المنتظر المستور.

حدث تطور لافت عام 327هـ، عندما اتفق أبو طاهر مع العباسيين على حماية قوافل الحجاج، مقابل مبلغٍ من المال. توفي أبو طاهر عام 332هـ، وخلفه مجلس حكم مؤلف ممن بقي من إخوته على قيد الحياة. وما لبث القرامطة أن أعادوا الحجر الأسود إلى مكة عام 339هـ، بعد أن حصلوا من أحد أمراء بغداد على مبلغٍ كبير من المال. لكن كيف وصل الحجر الأسود إلى يد القرامطة؟!

تخيل لو أنك تعيش العشرة الأواخر من رمضان بالعصر الفاطمي في مصر

عام 317هـ فعل القرامطة ما أثبتوا من خلاله أن وصمات بعض الأفعال لا تزول إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. الزمان هو يوم التروية، الثامن من ذي الحجة، والمكان هو الحرم المكي، أقدس أقداس المسلمين، بعد الروح المسلمة البريئة بالطبع. وكلا القُدسَيْن سيكونان على موعدٍ من أقسى مواعيد القدر. 700 فارس من القرامطة، يقودهم أبو طاهر القرمطي، يقتحمون مكة على حين غرَّةٍ من أهلها، وحجيجها، والخلافة المنكفئة على نفسها في بغداد، أو للدقة في قصر الخليفة ببغداد.

استباحة تامة للدماء والأموال، لا يحدُّها حد، ولا حتى أستار الكعبة. سقط آلاف الحجيج صرعى، وغطت برك الدماء أرض الحرم، وأزقة مكة الضيقة. وتعالتْ صيحات القرامطة الإلحادية، تسخر من الحجارة من سجيل، ومن الطير الأبابيل. حاول المهاجمون تحطيم الكعبة، لكن تصادف سقوط أحدهم صريعًا أثناء ذلك، فتوقفوا، واكتفوا بقلعِ الحجر الأسود، وأخذوه معهم إلى عاصمتهم ليظل أكثر من 20 عامًا هناك.

«أنا بالله وبالله أنا * يخلق الخلق وأفنيهم أنا» * أبو طاهر القرمطي، في خطبته في الحرم المكي، أثناء قيام جنوده بذبح الحجاج عام 317 هـ

عندما تمتزج الشيوعية بالتوحش الداعشي

ما يزال من الصعب بيان تصورٍ واضح جليّ لمذهب القرامطة، نظرًا للباطنية الشديدة في عقائدهم، وكون أكثرها حكرًا على كبار الأئمة والدعاة، أضف إلى ذلك الانغلاق الشديد وكذلك لأن الغالبية العظمى – إن لم يكن كل- ما وصلنا من وصفٍ للقرامطة، وأفكارهم، قد ورد في كتابات خصومهم الألدَّاء، خاصة أئمة المذهب السني ممن ركّزوا على مقارنة المذاهب، كالشهرستاني وغيره. 

لكن كانت الآثار السياسية والحربية والاجتماعية أكثر بروزًا، لأنها ارتسمت على أرض الواقع، وسجلتها كتب وصفحات التاريخ، وإن كانت تحمل شبهة أنه قد كتبها المنتصرون، والذين لم يكن منهم القرامطة بعد حين. ولو أردنا أن نلخص سياسات دولة القرامطة في تصنيفيْن غالبَيْن، مستخدمين الاصطلاحات الحديثة، لكانتا الشيوعية بالمفهوم الاقتصادي والاجتماعي، والتوحش الداعشي. 

بخصوص الشيوعية، فقد استغلّ القرامطة التفاوت الكبير في الطبقات في مجتمع العراق خاصةً، والأوضاع شديدة الصعوبة التي عانى منها جلُّ الفلاحين والعبيد وأصحاب الحرف، في تأليب هؤلاء، وضمهم إلى دعوتهم، التي كان من أهدافها الوصول إلى توزيع عادل للثروة دونما تفاوت، وهذا ما كانت تطمح إليه الشيوعية الحديثة، ومن هنا اعتبر بعض اليساريين المعاصرين دولة القرامطة تمثُّلًا مبكرًا للشيوعية والماركسية. 

وعلى الصعيد الاجتماعي، فقد حظيت المرأة بدور بارزٍ في مجتمع القرامطة، وبحريةٍ نسبية أكبر بكثير مما كانت تحظى به معظم النساء في ذلك الزمان. ويكاد يجمع خصوم القرامطة على أن أفكارهم قد تأثرت بالمذاهب الفارسية القديمة التي كانت لا ترى غضاضة في الإباحية الجنسية، خاصة من ذيوع أخبار مساواة توزيع كل شيء، ومشاعية الملكية، بين قرامطة شرق الجزيرة، فادعى خصومهم أن تلك المشاعية شملت النساء أيضًا. لكن ينافح المتعاطفون المعاصرون عن القرامطة في هذا السياق، ويرونها من الاتهامات التي ألصقها بهم الخصوم. ولا سبيل للتيقن من نتيجة حاسمة في هذا الجدل.

لكن ربما كان نظام حكم القرامطة أكثر «ديمقراطيةً» من النظم الشيوعية الحديثة، إن جاز التعبير، إذ كان هناك ما يشبه مجلس الشورى من كبار دعاة المذهب وأعيان البحرين وشرق الجزيرة، يساهم بدورٍ فعال في اتخاذ القرارات الصغرى والكبرى.

أما على صعيد التوحش الداعشي، فقط فاق الكثير مما فعله القرامطة، ما كان يرويه منظرو السلفية الجهادية الذي كتبوا عن «إدارة التوحش» في مرحلة التمكين لدولتهم. لم يكن القرامطة ينتظرون أن تحدث الفوضي، وما قد يصاحبها من توحش، لاستغلال حالة الرعب والبلبلة في التمكين لأنفسهم، كانوا كثيرًا ما يصنعون هم هذا التوحش، لإلقاء الرعب، وإضفاء هالة من الرهبة القاتلة حول اسم القرامطة وأفعالهم. وزعزعة قدرة المجتمعات المناوئة لهم على التحدي والمقاومة، فيسهل اختراقها، والسيطرة عليها. 

وكان من أبرز أمثلة ذلك التوحش، الاستهداف المتكرر لقوافل الحجيج خاصةً، وما ذكرناه للتو من استباحة البصرة عام 311هـ، ثم ذروة سنام التوحش القرمطي، بغزو مكة عام 317هـ. تلك الغزوة الصادمة التي يمر عليها أنصار القرامطة المعاصرون سريعًا في كتاباتهم، لصعوبة تقديم أي تبريرٍ لها سوى الإجرام الوحشي.

القرامطة يفشلون في قهر القاهرة

حدث الانشقاق الديني المبكر في الدعوة الإسماعيلية بين القرامطة والفاطميين عام 286م، عندما أعلن عبد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية، أنه من نسل محمد بن إسماعيل، وبدأ الدعوة لنفسه كالإمام الرضا من آل البيت في بلاد المغرب. رفض القرامطة المؤمنون بغيبة محمد بن إسماعيل، ومهديته، هذا الطرح، واستقلَّ حمدان قرمط بدعواه الخاصة.

لم يقتصر الأمر على التباين المذهبي بين إخوة الإسماعيلية الأعداء، إنما كان للسياسة ومطامعها نصيبٌ كبير من الحرب الضروس التي دارت بين الجانبيْن، خاصةً من أجل السيطرة على الكنز الاستراتيجي والاقتصادي المتمثل في الشام، وحواضره العامرة، لا سيما دمشق. 

انكفأ القرامطة في البحرين وجوارها بعد وفاة أبي طاهر الجنابي عام 332هـ، لكن ما لبثت غزواتهم المدمرة أن عادت مع ابن أخيه الحسن الأعصم، في منتصف القرن الرابع الهجري، فأغاروا على مناطق مختلفة من الشام وفلسطين، وأجبروا حكامها من الإخشيديين على دفع جزيةٍ كبيرةٍ لهم مقابل إيقاف هجماتهم.

حدث تطورٌ لافت عام 358هـ، عندما استولى الفاطميون على مصر، وأنشأوا عاصمتهم القاهرة بها، وأزالوا دولة الإخشيديين. انزعج القرامطة من هذا التمدد السياسي الكبير لخصومهم في المذهب، وجاءت الطامة عندما أرسل الفاطميون قائدهم جعفر بن فلاح للاستيلاء على الشام وضمه إلى سلطانهم.

حشد القرامطة جيوشهم لاستعادة نفوذهم بالشام، وتعويض الجزية الكبيرة التي كان يدفعها لهم الإخشيديون قبل سقوط دولتهم. نجح القرامطة عام 360هـ في سحق جيش جعفر بن فلاح، وقتله، والاستيلاء على دمشق حاضرة الشام، ونكاية في الفاطميين، أعلنت الخطبة للخليفة العباسي السني في دمشق، وغيرها من مناطق الشام التي استولى عليها!

زَعَمَتْ رِجَالُ الْغَرْبِ أَنِّي هِبْتُهَا *  فَدَمِي إِذًا مَا بَيْنَهُمْ مَطْلُولُ

يَا مِصْرُ إِنْ لَمْ أَسْقِ أَرْضَكِ مِنْ دَمٍ * يَرْوِي ثَرَاكِ فَلَا سَقَانِي النِّيلُ

*القائد القرمطي الحسين بن بهرام مهاجمًا الفاطميين، ومهددًا باجتياح مصر وسفك الدماء بها

استولى القرامطة سريعًا على كامل فلسطين، ثم اتجهت أنظارهم إلى مصر التي لم تستقرَّ بها أقدام الفاطميين بعد. انضمَّ إلى القرامطة بعض القبائل العربية، وفلول دولة الإخشيديين، واصطدموا بجيوش جوهر الصقلي، القائد الفاطمي الشهير، في منطقة عين شمس قرب القاهرة. كانت الغلبة في الأيام الأولى من الحرب للقرامطة وحلفائهم، ثم قام الجند المغاربة، وكانوا القوام الأساسي للجيش الفاطمي بهجومٍ مضاد عنيف كسروا به ميمنة القرامطة، فانهزموا، وطاردهم الفاطميون إلى فلسطين.

اضطر الحسن الأعصم عام 361هـ للعودة إلى قاعدة حكمه بالبحرين، لقمع بعض الاضطرابات الداخلية التي حدثت في فترة حربه الطويلة. ثم عاد في 363 هـ بجيشٍ كبير لغزو مصر، وانتزاعها من المعز لدين الله الفاطمي. 

شعر المعز بألا طاقة له بمجابهة القرامطة، وحشودهم المتضخمة بمن انضم إليهم من العرب، فلجأ إلى الحيلة، فقدم رشوة ضخمة إلى قائد العرب ابن الجراح، فانهزم أمام جيش الفاطميين، واضطرب جيش القرامطة رغم محاولة الحسن الأعظم الصمود، وانهزم بعد أن أُسر المئات من أصحابه، وضرب الفاطميون أعناقهم.

في السنوات التالية، استولى الفاطميون على فلسطين، وأجزاء عديدة من الشام، ثم تصالحوا مع القرامطة على عدم الاعتداء، مقابل جزية يحصل عليها القرامطة، فلا يغيرون على أطراف الشام وفلسطين. 

في عهد العزيز بالله بن المعز، عاد القرامطة للإغارة على ممتلكات الفاطميين، لكنهم هزموا، وتبع ذلك تلقيهم هزيمتيْن ثقيلتيْن على يد الشيعة البويهيين الذين كانوا سلاطين بغداد تحت الحكم الاسمي للخليفة العباسي، عندما حاولوا الهجوم على جنوبي العراق. أدت تلك الهزائم إلى انكفاء القرامطة إلى قواعدهم شرقي جزيرة العرب.

فصل النهاية

لم يكن من المعقول أن يستمر منحنى الصعود القرمطي طويلًا، في ظلّ وجود قائمة عريضة من الأعداء السياسيين والدينيين المتربصين، من كافة الدول والمذاهب المعاصرة لهم، حتى أشقاء المذهب الإسماعيلي الشيعي كالفاطميين. أدت الهزائم المتلاحقة في مصر والشام والعراق، إلى وأد التطلعات التوسعية لدولة القرامطة، فانكفأت في معظم أوقات النصف الثاني من دورة حياتها، في شرقي الجزيرة العربية، حيث معاقلها الرئيسة.

في منتصف القرن الخامس الهجري، كان الوهن في أوصال الدولة القرمطية قد بلغ منتهاه، وأوشك الشطر النازل من منحناها أن يبلغ خط الصفر. تزامن هذا مع فترة استثنائية من الصحوة في قوة بغداد، التي دخلها طغرل بك التركي السلجوقي عام ٤٤٧هـ، واستولى على منصب السلطنة بها، وأسس لهيمنة سلجوقية على مقاليد الخلافة، بلغت ذروة قوتها في عهد السلطان ملكشاه السلجوقي، ووزيره الشهير نظام الملك الطوسي.

ألّبت حكومة بغداد القبائلَ العربية في شرقي الجزيرة العربية، حيث المعقل الأخير القرامطة. نجح الثوار في انتزاع جزيرة البحرين عام 459هـ من القرامطة، ثم سحق الأسطول القرمطي في الخليج الفارسي. ثم كانت الطامة الكبرى على القرامطة بثورة شيخ بني مرة، عبد الله بن عويني، والذي دعمه السلاجقة بقوة، فاستولى على الأحساء عامي 469هـ و470 هـ. وهكذا انتقلت دولة القرامطة في كتاب التاريخ إلى صفحة الفناء. لكن كانت المفارقة أن الشيخ عبد الله ما لبث أن حوَّل ولاءه غربًا، ودعا على منابره للخليفة الفاطمي المستنصر.

خلال العقود التالية، وبجانب الوجود التقليدي للقبائل السنية، بدأ التشيع الاثنا عشري في الانتشار في تلك المناطق التي ظلت لقرنيْن من الزمان خالصة للقرامطة، وما يزال للإثنى عشرية تواجد لافت هناك خاصة في البحرين، وشرق السعودية. أما القرامطة، فأصبحوا بالأساس أثرًا في كتاب التاريخ.

جوهر الصقلي.. «الحلواني الذي بنى مصر» ثم ذاق من مرارتها

المصادر

عرض التعليقات