الطقوس الاحتفالية جزءٌ لا يتجزأ من حياة البشر، أيًا كانت ثقافتهم، أو مكانتهم الاجتماعية، فالطقوس والتفاصيل تختلف، ولكن الرغبة في الاحتفال موجودةٌ داخل كل إنسان. عند الزواج نحتفل، وفي ميعاد مولد من نحبهم نحتفلُ، ونحتفلُ بحلول عام جديد وانصرام آخر، ونحتفلُ بالأعياد الدينية على اختلاف عقائدنا. 

ولكل احتفال طقوس مختلفة، وملابس مختلفة، ووجبات مختلفة أيضًا، ونلتزم – نحن البشر – بتلك المعايير، وكأنها قانون! لكنه قانون لا تطبقه الدولة، بل يطبقه المجتمع. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يحتفل البشر؟ وهل نعلم كيف بدأت طقوس الاحتفال في التاريخ؟

الاحتفالات والشعائر بين دورة حياة الفرد ودورة حياة المجتمع

في المعاجم العربية تأتي كلمة احتفال بمعنى «اجتماع على فرح ومسرّة»، أي أن ما نحتفل – بل هو شيء – يجلب لنا السعادة. لكن الاحتفال الآن نقوم به بشكل آليّ، ولا نفكر في أسبابه الاجتماعية والإنسانية، ولذلك من خلال «علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)» سنحاول أن نشرح لك ما الذي دفع الإنسان منذ الأزل للتجمع والاحتفال، بما يتضمنه من طقوس وشعائر.

تشير لفظة «طقس» إلى الكيفية التي يجري بها أداء الأنشطة المقدسة، وتنظيمها في إطار احتفالي، ومن حيث الأصل اللغوي تأتي لفظة «Rite» في اللاتينية من «Ritus» وهي تعني مجموع «الأنشطة والأفعال المنظمة التي تتخذها جماعة ما خلال احتفالاتها»، فالطقس هو عبارة عن مجموعة من «القواعد» التي تنتظم بها ممارسات الجماعة، إما خلال أداء شعائرها التي تعد مقدسةً، أو من خلال تنظيم أنشطتها الاجتماعية والرمزية، وضبطها وفق «شعائر» منتظمة في الزمان والمكان، أما في اللغة العربية فيشمل مضمون «الطقس» الدلالة على «الشعيرة».

ويندرج تحت بند أي احتفال ما يعرف بالطقوس والشعائر، كما نسمع كثيرًا في التلفاز جملة «نقل شعائر الاحتفال بكذا»، على اختلاف الاحتفالات التي تُبث على الشاشة.

والشعائر في تاريخ البشر يقسمها علم الأنثروبولوجيا إلى قسمين: شعائر المرور التي تتمحور حول دورة حياة الفرد، أي مولده أو موته، مثل الاحتفال بعيد الميلاد الفرد بين الأسرة والأصدقاء، أو الاحتفال بذكرى وفاة شخص بعينه، كما نرى على شاشات التلفزيون احتفالًا بذكرى وفاة فنان معين من خلال عرض أعماله الفنية. وسُميت تلك الاحتفالات بشعائر المرور تعبيرًا عن مرور الشخص من الحياة إلى الموت، أو من عالم الأرواح إلى الدنيا عند الولادة.

والقسم الثاني شعائر التعضيد أو التقوية، ويظهر هذا النوع من الشعائر الاحتفالية في الأزمات المجتمعية، مثل المجاعات، أو عدم سقوط الأمطار، أو الحروب، حيث يشترك أعضاء المجتمع في شعائر جماعية تستهدف إبعاد هذا الخطر، ويغلب على هذا الاحتفال طابع الرغبة، والخشوع، والإيمان بأن الأزمة في طريقها إلى الاختفاء.

وتعمل تلك الاحتفالات – شعائر التعضيد – على استمرار القيم والمعايير الاجتماعية، ويرى علماء الاجتماع أن تلك النوعية من الاحتفالات قد تكون الأولى في حياة البشر نظرًا لأن الإنسان في سنواته الأولى على الأرض لم يكن يدرك الكثير من أسرار الكون، ولم يفهم الكثير من الظواهر الطبيعية، ولذلك عادة ما كان يجتمع البشر من أجل اتقاء شر قوى الطبيعة الغامضة، سواء من خلال إشعال النار، أو الغناء لها، أو حتى الرقص.

على جانب آخر هناك نوع من الاحتفالات يرتبط بالتغيرات البيئية، مثل تعاقب الليل والنهار، والشهور والفصول، أي يرتبط بالأحداث التي تحدث بصفة متكررة في المجتمع، وبذلك يمكن أن نطلق عليها احتفالات تخص دورة حياة المجتمع، كما هو الحال في المجتمعات الزراعية، حين يحتفل المجتمع برمي بذور الزرع، ومرة أخرى عند الحصاد، مثلما فعلت الشعوب القديمة في بلاد الرافدين وسوريا، حين كانت تحتفل بأعياد الحصاد والزرع. والغرض من هذه الاحتفالات هو إظهار البهجة للحصاد، وإظهار الاحترام والخضوع للقوى فوق الطبيعية.

واشتراك أفراد الجماعة في تلك الاحتفالات يعكس مدى التضامن الاجتماعي والتماسك والتعاون بين أعضاء الجماعة، وهو التضامن الذي يعرف باسم «التضامن الآلي» الذي يوجد في المجتمعات التقليدية كما وصفه عالم الأنثروبولوجيا إميل دوركايم.

«تجييش الوعي الجمعي»: الاحتفال استعدادًا لمواجهة الأزمات

ممارسة البشر للتجمع والاحتفال تعتبر – وفقًا لدوركايم – إعدادًا لهمِّ لمواجهة الأزمات، كما يزيد من اعتمادهم على القوى فوق الطبيعية، مثل الاحتفالات الدينية، سواء قديمًا من خلال تقديم القرابين للآلهة، أو حتى الآن من خلال التضحية بالذبح، فتلك الاحتفالات الدينية التي تناجي القوى فوق الطبيعية تعمل على تخفيف القلق والتوتر.

ويعد الاحتفال بشم النسيم – الذي لم يزل البشر يحتفلون به حتى الآن – من الاحتفالات المجتمعية التي تتم في المجتمع القروي والحضري، ويرتبط هذا الاحتفال بتناول أطعمة معينة، مثل الأسماك المملحة والترمس، وهو عادة مصرية قديمة؛ إذ كان المصريون القدماء يحددون بداية السنة عندما يبدأ فصل الربيع؛ ويتساوى الليل مع النهار.

وكان الملك يخرج في احتفال عظيم مع كبار الدولة، وكان يعد يوم راحة، يخرج فيه المصريون عند الفجر، يحملون أواني الجعة، ويحتفلون بصيد السمك والطيور، ويعلقون حزم البصل حول أعناقهم. ويعد هذا الاحتفال من الاحتفالات التي توضح مدى ترابط البشر مع الطبيعة منذ آلاف السنين، وتأثير الطبيعة على تشكيل طبيعة الاحتفالات لدى البشر، وهو الرابط الذي يؤكد عليه علم الأنثروبولوجيا تحت عنوان «الإيكولوجيا والاحتفالات المجتمعية»، أي تأثير التغيرات البيئية في رغبة البشر في الاحتفال.

أوضح تقرير نشرته منظمة اليونسكو أن الممارسات الاجتماعية، والطقوس، والاحتفالات، أنشطة اعتيادية تنتظم حولها حياة المجموعات والجماعات، ويشارك فيها الكثير من أفراد المجتمع، وتكون لها أهمية كبيرة عندهم، وتكمن أهمية تلك الاحتفالات لمن يمارسها في كونها تأكيدًا على هوية الجماعة والمجتمع، فنجد أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمناسبات المهمة، سواء كانت احتفالات خاصة، مثل حفل زفاف داخل أسرة، أو احتفالات عامة، مثل الاحتفالات الوطنية والدينية.

تلك الفعاليات الرمزية والطقوس الاحتفالية يطلق عليها علم الإنسان وعلم الاجتماع اسم «تجييش الوعي الجمعي» وتعبئته؛ إذ تحتاج كل مجموعة، أو مجتمع، إلى تقوية الوعي الجمعي من خلال الاحتفال بمناسبات محددة، سواء كانت وطنية أو دينية، فعلى سبيل المثال: الاحتفال بانتصارات أكتوبر في مصر من خلال إعادة سرد الحروب بين مصر والاحتلال الإسرائيلي يمرر من جيل إلى جيل الهوية الوطنية للمصريين، ولذلك فبالرغم من عقد معاهدات السلام مع إسرائيل، يظل المجتمع متخذًا موقفًا منعزلًا عن القرارات السياسة، ويكون ذلك نابعًا من الوعي الجمعي.

وسواء كانت التجمعات لآلاف المسلمين في الحج، أو التقاء جماعات من اليهود في المعابد، أو المسيحيين في الكنائس، للاحتفال بذكرى الميلاد، أو قيامة المسيح، أو حتى تجمع رياضي كبير لتشجيع فريق الكرة المفضل لهم، فتلك الاحتفالات وطقوسها تصاحبها مشاعر جماعية، وتمنح الوعي الجمعي قوة وثباتًا، كما تدعم انتماء الفرد إلى النظام الأخلاقي القائم.

التغذية النفسية: «بدون الاحتفال نذبُل»

يقول الطبيب النفسي الأمريكي كريس جونستون إن البشر يدركون أهمية الطعام؛ لأن بدونه يذبل الجسد وقد يموت الإنسان، ولكننا أيضًا – يوضح – نحتاج التغذية النفسية، والروحية، والعاطفية، ومن وجهة نظره فإن الاحتفال يعد واحدًا من أهم مصادر الغذاء النفسي والروحي للبشر على مر التاريخ، وباختلاف ثقافتهم، وبدون الاحتفال يذبل البشر، وقد يرى البعض أن الاحتفال مضيعة للوقت، وبلا هدف، ولكن أهميته النفسية في التماسك الاجتماعي، واستمرارية وجود البشر، كبيرة للغاية.

وما يؤكده علم النفس أن شعور الاحتفال يساعد في تلبية احتياجات الأشخاص للاندماج، والابتكار، والتقدير، والتعاون؛ فقد صممت أدمغة البشر لتكون اجتماعية، وهو ما ظهر واضحًا في بحث أجراه عالم الأعصاب مات ليبرمان بجامعة كاليفورنيا، والذي وضح أن الشعور بالعزلة الاجتماعية تنشط مناطق عصبية في المخ هي نفس المناطق التي تنشط استجابة للألم الجسدي، بما يعني أن عدم التواجد وسط مجموعة اجتماعية ينتمي إليها الفرد، وممارسة الاحتفال بشيء يجمعهم سويًا قد يكون – حرفيًا – مؤلمًا له.

وتلك الحاجة المهمة للاحتفال والتجمع مغروسة في اللاوعي البشري، حتى دون أن يدرك البشر مدى تأثيرها بشكل واع، وأكبر دليل على ذلك هو مخاطرة البشر بالاحتفال بالأعياد والزيارات الأسرية حتى بعد ظهور وباء عالمي يفرض التباعد الاجتماعي، ومع ذلك استمر البشر في الاحتفال، وقد تكون سمعت بعضهم يقول إن «الحياة لن تقف»، في ربط فطري بين الاحتفال والبقاء على قيد الحياة.

وحتى الآن وعلى الرغم من انتشار التحذيرات من التجمعات والاحتفالات، تجد المهرجانات تُقام، والموالد تُنصب، وأعياد الميلاد يعلو صوتها من خلف أبواب المنازل؛ ما يؤكد لنا أن الاحتفال شيء متأصل في النفس البشرية، وربما يكون قد بدأ بغرض الخوف من الطبيعة، أو اتقاء شرها، إلا أنه الآن لا يقام لغير الفرح والسعادة، كما ورد في المعجم العربي «اجتماعٌ على فرح ومسرّة».

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد