تزامن انتشار حالات الإصابة بفيروس «كورونا» الجديد (كوفيد – 19) مع مشكلة أخرى لا تقل أهمية؛ انتشار الأخبار الزائفة والمعلومات الخاطئة، والأخطر من ذلك هو نظريات المؤامرة. كان المثال الأبرز هو تلك النظرية التي تقول إن انتشار فيروس «كورونا» في الصين كان نتيجة لسلاح بيولوجي أطلقته الولايات المتحدة هناك.

وظهرت نظرية ثانية تقول: إن فيروس «كورونا» الجديد كان جزءًا من برنامج الأسلحة البيولوجية الصينية، وربما يكون الفيروس فد تسرب من معهد مدينة أوهان لعلم الفيروسات، وهو ما تسبب في تفشي المرض بدءًا من هذه المدينة تحديدًا. هذه النظرية كان وراءها ضابط مخابرات عسكري إسرائيلي سابق يدعى داني شوهام، نقل حديثه في بعض وسائل الإعلام، لكن دون تقديم أي دليل على هذا الادعاء.

وبالبحث عن نظريات المؤامرة، نكتشف أن لها تاريخًا طويلًا في حياة البشر، لكن المصطلح الفعلي «نظرية المؤامرة» ظهر وتداول في الآونة الأخيرة فقط وارتبط بدلالات مهينة وغير جيدة، فإطلاق وصف صاحب، أو مروج نظرية مؤامرة على شخص ما، يعد بمثابة إهانة له. والسؤال هنا: كيف بدأ هذا المصطلح ومن أول من استخدمه ولماذا؟ فربما أنت لا تعلم أيضًا أن هناك نظرية مؤامرة وراء ظهور مصطلح «نظرية المؤامرة».

نظرية مؤامرة وراء «نظرية المؤامرة»

حتى تكتمل النظرة الغريبة لنظريات المؤامرة، قد لا يكون من المفاجئ أن تكون هناك نظرية مؤامرة حول أصل مصطلح «نظرية المؤامرة» ذاته. تدعي إحدى نظريات المؤامرة أن «وكالة المخابرات المركزية (CIA)»، اخترعت هذا المصطلح عام 1967 بهدف إقصاء أولئك الذين شككوا في الرواية الرسمية لاغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي، وشككوا في أن قاتله لي هارفي أوزوالد تصرف بمفرده.

ولمن لا يعرف هذه الحادثة الشهيرة، فقد اغتيل جون فيتزجيرالد كينيدي، الرئيس الخامس والثلاثين للولايات المتحدة، في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1963، عندما كان يجلس في موكبه الرئاسي في ولاية تكساس. أصيب كينيدي برصاصة قاتلة من قبل جندي البحرية الأمريكي السابق لي هارفي أوزوالد من مبنى قريب. بعدها بيومين، بينما كانت كاميرات التليفزيون الحية تغطي انتقال أوزوالد من سجن المدينة إلى سجن المقاطعة، أصيب برصاصة قاتلة في قبو مقر شرطة دالاس وفارق الحياة. ولم تزل تدور العديد من الأسئلة حول هذه الحادثة التي تعتبر اللغز الأكبر في التاريخ الحديث.

هناك نسختان من نظرية المؤامرة هذه. تزعم النسخة الأكثر تطرفًا أن «سي آي إيه» اخترعت حرفيًا المصطلح، بمعنى أن الكلمتين «مؤامرة» و«نظرية» لم يتم استخدامهما من قبل. بينما تذكر النسخة الأكثر اعتدالًا من النظرية أن المصطلح كان موجودًا من قبل، لكنها تدعي أن «سي آي إيه» قد اخترعت عن قصد دلالاته السلبية، وبالتالي حولت التسمية إلى أداة للدعاية السياسية.

النسخة الأكثر اعتدالًا من نظرية المؤامرة

كانت النسخة الأكثر اعتدالًا شائعة بشكل خاص في السنوات الأخيرة لسببين. الأول أنه من السهل دحض الادعاء الأكثر تطرفًا بأن «سي آي إيه» اخترعت المصطلح بالفعل. إذ إن محرك البحث «جوجل» (تحديدًا قسم كتب «جوجل») يكشف تاريخيًا أن مصطلح «نظرية المؤامرة» ظهر واستخدم حوالي عام 1868، وبدأ استخدامه بشكل متكرر أكثر خلال خمسينات القرن العشرين. حتى أن أصحاب نظرية المؤامرة المتشددة يواجهون صعوبة في تجاهل هذا الأمر.

السبب الثاني يتعلق بتلقي النسخة الأكثر اعتدالًا دفعة كبيرة من الشعبية قبل بضع سنوات عندما نشرها عالم السياسة الأمريكي لانس ديهافن سميث في كتاب تحت عنوان «نظرية المؤامرة في أمريكا» نشرته مطبعة جامعية شهيرة.

وعلى الرغم من أنهم يقدمون ادعاءات مختلفة حول أصل هذا المصطلح وتطوره، إلا أن مؤيدي كلا الإصدارين يشيرون دائمًا إلى وثيقة «سي آي إيه» تحت عنوان «نقد بشأن تقرير وارن» باعتباره دليل على أن المخابرات الأمريكية هي من كانت وراء هذا المصطلح بشكل ما. التقرير صدر عام 1976 بعد أن طلبت صحيفة «نيويورك تايمز» ذلك بموجب قانون حرية المعلومات.

وتعرب الوثيقة عن القلق بشأن العدد الكبير من الأشخاص الذين شككوا في التحقيق الرسمي في مقتل كينيدي «لجنة وارن»، التي وجدت أن لي هارفي أوزوالد تصرف بمفرده. كما تهدف إلى تزويد اتصالات وكالة المخابرات المركزية بالحجج ضد أولئك الذين يتحدون النتائج والنسخة الرسمية للحدث. على سبيل المثال: يشدد التقرير على أنه لا أحد في عقله الصحيح كان سيختار شخصًا غير مستقر مثل أوزوالد كشخص في مؤامرة أكبر. ويشير إلى المغالطات المنطقية لهذه الأفكار البديلة.

«نظرية مؤامرة» غير منطقية بالمرة

قد يجد المرء أن محاولة «سي آي إيه» للتأثير على الرأي العام هي أمر يمكن أن يكون أمرًا مقبولًا أو مرفوضًا إلى حد ما. لكن المؤكد أنه لا توجد جملة واحدة في هذه الوثيقة تشير إلى أن «سي آي إيه» كانت تهدف إلى تقديم مصطلح «نظرية المؤامرة» لإقصاء الانتقادات. في الواقع لم تستخدم كلمة «نظرية المؤامرة» بشكل مفرد في الوثيقة. واستخدمت «نظريات المؤامرة» في صيغة الجمع مرة واحدة فقط، في الفقرة الثالثة.

تاريخ وفلسفة

منذ 10 شهور
يخفي آلة زمن وأسرار المسيح.. 5 من أبرز نظريات المؤامرة عن قبو الفاتيكان السري

تقول هذه الفقرة تحديدًا «لقد ألقت نظريات المؤامرة مرارًا وتكرارًا الشك في منظمتنا، على سبيل المثال: من خلال الادعاء الكاذب بأن لي هارفي أوزوالد عمل لدينا». يتضح من هذا أن مؤلفو الوثيقة استخدموا المصطلح بطريقة عرضية للغاية ومن الواضح أنهم لم يشعروا بالحاجة إلى تعريفه. يشير هذا إلى أنه لم يكن مصطلحًا جديدًا، ولكنه مستخدم بالفعل على نطاق واسع في ذلك الوقت لوصف أفكار بديلة. ولم يوص المؤلفون في أي وقت باستخدام «نظرية المؤامرة» لوصم التفسيرات البديلة لاغتيال كينيدي. هذا يشير إلى أن المصطلح لم يكتسب بعد نفس مستوى السلبية الذي يمتلكه اليوم.

أصل تسمية «نظرية المؤامرة»

وبالعودة للحديث عن نظرية المؤامرة بعيدًا عن نظريات المؤامرة؛ فالمصطلح كان متداولًا منذ عام 1868، أي قبل 100 عام تقريبًا من اغتيال الرئيس كينيدي، وما يقرب من 80 عامًا قبل وجود «سي آي إيه» نفسها.

بالطبع كانت هناك نظريات مؤامرة منذ العصور القديمة للبشرية، وهي بمثابة وجهات نظر بديلة للتاريخ تفسر الأحداث على أنها نتاج مؤامرات سرية مصممة لإخفاء الحقيقة. واحدة من أشهر هذه النظريات القديمة هي الفرضية القائلة بأن الإمبراطور نيرو، لسبب أو لآخر، دبر سرًا حريق روما العظيم عام 64 ميلاديًا. بينما يعتقد العلماء المعاصرون أن الحريق ربما بدأ عن طريق الصدفة.

ولكن في حين أن المؤامرات (الحقيقية والمتخيلة) كانت دائمًا جزءًا من التاريخ البشري، إلا أنه لم تسجل عبارة «نظرية المؤامرة» بشكل مكتوب بهذه المفردات حتى القرن التاسع عشر. واحدة من القصص الأولى التي استخدمت هذا المصطلح كانت قصة إخبارية في صحيفة «بوسطن بوست» في 16 أبريل (نيسان) 1868، والتي جاء فيها: «لقد بعثرت شهادة الجنرال شيرمان نظرية المؤامرة الخاصة بالجنرال بتلر في مهب الريح. وبطبيعة الحال، كان توقعًا مؤكدًا لمثل هذه النتيجة أنه اعترض بشدة وثبات على كل سؤال طرحه محامي الدفاع تقريبًا لإخراجه».

تم الإدلاء بهذه الشهادة في محاكمة مجلس الشيوخ للرئيس الأمريكي أندرو جونسون. وفي وقت لاحق من العام نفسه، نشرت دورية بريطانية العبارة في مقال حول زيارة رئيس الوزراء بنيامين دزرائيلي للملكة فيكتوريا في قلعة بالمورال في أسكتلندا، والتي جاء فيها: «قد يبدو أنها تمنح رئيسها الحالي درجة من تفضيلها، بالنظر إلى مدى تعاملها المباشر، يبدو أنها تشير إلى تعاطفها مع سياسته، لكنها تدرك بالتأكيد أن نظريته التآمرية هي مجرد معركة حزبية».

وفي سبعينيات القرن التاسع عشر وما بعده، أصبحت أمثلة استخدام مصطلح «نظرية المؤامرة» أكثر شيوعًا. ففي أبريل 1870، على سبيل المثال، استخدمت دورية بريطانية أخرى (مجلة العلوم العقلية)، المصطلح في الرد على الادعاءات بأن المرضى العقليين يتعرضون للضرب المبرح من قبل الحراس في المصحات. قدمت المجلة فرضية أخرى لتفسير إصابات المرضى، ووصفت مزاعم الضرب بأنها «نظرية مؤامرة».

العديد من هذه الأمثلة في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر تعلق بالقصص الإخبارية حول الجرائم وإجراءات المحكمة. في مثل هذه المقالات، عادة ما كان المصطلح يعني فرضية أن الفعل ارتكب من قبل أكثر من شخص واحد.

نظرية المؤامرة والاغتيالات الرئاسية الأمريكية

كان أول استخدام لمصطلح «نظرية المؤامرة» في إشارة إلى اغتيال رئاسي هو المتعلق بإطلاق النار على جيمس غارفيلد، الرئيس العشرين للولايات المتحدة، من قبل تشارلز جيتو في 2 يوليو (تموز) 1881، وهو ما تسبب في وفاته بعد أسابيع. ظهر هذا العنوان الصغير في تقرير إخباري: «الرئيس غارفيلد وكل حكومته يرفضون نظرية المؤامرة». وقالت الصحيفة إن استدعاء محققين من شرطة نيويورك إلى واشنطن جعل هناك إحساسًا بوجود مؤامرة لقتل الرئيس.

كان المصطلح جيدًا لدرجة أنه استخدم بعد ذلك بـ20 عامًا في حادثة اغتيال رئيس آخر. يوم 8 سبتمبر (أيلول) 1901، بعد يومين من إطلاق النار على الرئيس الأمريكي ويليام ماكينلي، بدأ مصطلح «نظرية المؤامرة» يظهر في الأخبار. النظرية هنا كان أن إطلاق النار كان مؤامرة أناركية، لكن لم تثبت هذه النظرية أبدًا. لكن كان لها بعض المصداقية؛ إذ اعترف القاتل أنه استوحى الأمر من كتابات الأناركيين الآخرين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد