أصبحت آن بولين في أواخر مايو (آيار) عام 1533، ملكةً لإنجلترا عقب زواجها من الملك هنري الثامن (1491 ـ 1547)، وذلك بعد أن طلق زوجته كاثرين أراجون لأنها لم تنجب له سوى بنت واحدة، وكان يرغب في وريث للعرش. ولأن الطلاق مُحرمٌ في الديانة المسيحية، فقد راسل الملك هنري الثامن البابا كليمنت السابع ليطلب منه الموافقة على طلاقه من كاثرين! لكن البابا رفض منح ملك إنجلترا صك إبطال الزواج، فاستغل الملك وفاة كبير الأساقفة، وعيَن أحد أعوانه ويُدعى كرانمر، بعد الاتفاق معه على قيامه بالمهمة، وبالفعل أبطل كرانمر زواج الملك من كاثرين أراجون؛ ليحصل بذلك على الطلاق الذي طالما انتظره.

وردًا على ما اقترفه هنري الثامن، اتخذ البابا كليمنت السابع قرارًا بالحرمان الكنسي ضد ملك إنجلترا؛ لتبدأ بذلك القطيعة بين كنيسة إنجلترا والكنيسة الكاثوليكية. وفي عام 1534، مرر البرلمان الإنجليزي قرارًا أصبح بموجبه الملك هنري على رأس كنيسة إنجلترا، وأمر بحل جميع الأديرة الكاثوليكية، ومصادرة ممتلكاتها؛ لتبدأ إنجلترا باعتماد سياسة إصلاح ديني جديدة.

تسببت حادثة الطلاق هذه في تسلسل عدة أحداث، فقد أشعلت حروبًا دينية سياسية دموية بين الكاثوليك والبروتستانت، وأدت خطوات الملك هنري الثامن وأبنائه من بعده إلى هيمنة الدولة على الدين، وفصله عنها، وبالتالي بداية مسار العلمنة. 

هذه القصة مثال على الكيفية التي أثرت بها قوانين الطلاق على مجريات الأحداث في دولة عظمى كإنجلترا، فمتى ظهرت أولى قوانين الطلاق؟ وكيف تغيرت عبر العصور؟ وكيف أثرت وتأثرت بالأحداث الكبرى عالميًا على مر التاريخ؟ هذا ما نتناوله في السطور التالية.

بلاد ما بين النهرين.. من هنا بدأت أولى قوانين الطلاق

غالبًا ما نظمت السلطات الدينية أمور الزواج والطلاق، فأخذ المسلمون يطبقون أحكام القرآن في القرن السابع الميلادي. وفي أوروبا، سيطرت الكنائس المسيحية على الطلاق منذ القرن 11، بما فيها الكنيسة الكاثوليكية التي حظرته تمامًا، في حين سمحت به الكنائس البروتستانتية في ظروف محددة.

Embed from Getty Images

ولكن تاريخ قوانين الطلاق يرجع إلى أبعد من ذلك بكثير، إذ عُثر على أقدم قوانين معروفة للطلاق مكتوبة على ألواح طينية في بلاد ما بين النهرين حوالي عام 2000 ق.م.

ومنذ ذلك الحين وضعت المجتمعات عبر المكان والزمان قواعد لربط وحل الأزواج رسميًا أو غير رسميًا. ولطالما كانت المخاطر المتعلقة بمن يمكنه الحصول على الطلاق ولماذا عالية، وشكل الطلاق ساحة معركة لبعض قضايا المجتمع الأكثر إلحاحًا، بما فيها دور الكنيسة، والدولة، وحقوق الفرد، وحقوق المرأة.

وفي أواخر القرن 18، حدثت سلسلة من التغييرات شكلت في النهاية قوانين الطلاق في مختلف أنحاء العالم، بعد قرون من الصراع الديني الذي دفع الأوروبيين إلى فصل السيطرة الدينية عن الدولة. واستحوذت المحاكم العلمانية تدريجيًا على التعليم، والرعاية الاجتماعية، والصحة، والزواج، والطلاق.

قوانين الطلاق من المؤسسات الدينية إلى المحاكم العلمانية

في فرنسا، كان يُنظر للزواج على أنه رباط مغلف بسترة دينية تخضع لسلطة الكنيسة لا يمكن لأحد كسره. وكان الانفصال القانوني السبيل الوحيد للخروج من الزواج في ظل ذلك النظام. وعشية الثورة الفرنسية، أصبحت هذه السترة الدينية موضع تساؤل، وتضاعفت الكتابات المؤيدة للطلاق، والتي رأت ذاك النظام بعيدًا كل البعد عن ضمان حرية الأفراد على النحو المحدد في إعلان حقوق الإنسان والمواطن في عام 1789.

وأدى هذا الوضع إلى تبني الجمعية الوطنية في 20 سبتمبر (أيلول) 1792 تشريعًا ألغى الأحكام التي وضعتها الكنيسة، وجعل الزواج قانونًا مدنيًا يمكن إلغاؤه بالطلاق. وأطلقت الثورة الفرنسية أولى قوانين الطلاق الجديدة، والتي سمحت للرجل والمرأة بالطلاق لعدد من الأسباب منها، الزنا، والعنف، والهجر، أو لمجرد موافقة الطرفين على الطلاق.

ومع أن التقدم في هذا الأمر كان متفاوتًا، إلا أن هذا النوع من التشريعات انتشر في أوروبا، وأمريكا الشمالية، وبعض المستعمرات الأوروبية في القرن 19.

وعندما طلّق نابليون بونابرت عام 1809 زوجته الأولى الإمبراطورة جوزفين، حاول الامتثال للتشريع الزوجي الذي وضعه بنفسه مع القانون المدني لعام 1804. فنظرًا لعدم إنجابها له وريثًا للعرش، قرر نابليون التنصل من زوجته التي جمعته بها واحدة من أشهر قصص الحب في التاريخ، بعد زواج دام نحو 15 عامًا. 

Embed from Getty Images

وحتى تبدو الموافقة المتبادلة سببًا وجيهًا لطلاقهما، طُلب من جوزفين أن تعلن كتابةً وبيدها، أنه لم يعد لديها أي أمل في إنجاب الأطفال، وأنها موافقة على فسخ الزواج الذي أصبح من الآن فصاعدًا عقبة أمام مصلحة فرنسا. وبالفعل أُعلن الطلاق في ديسمبر (كانون الأول) عام 1809. 

وفي اليوم التالي أكد مجلس الشيوخ الطلاق بالتراضي. وفي شهر أبريل (نيسان) من العام التالي، تزوج نابليون من ابنة إمبراطور النمسا ماري لويز، التي أنجبت له صبيًا، حمل عرش أبيه وأصبح نابليون الثاني.

ومن فرنسا إلى المملكة المتحدة، حيث أصدر البرلمان قانون القضايا الزوجية لعام 1857، الذي سمح للناس العاديين بالطلاق.

وقبل ذلك، كان الطلاق مفتوحًا إلى حد كبير للرجال فقط، وكان لا بد من منحه بموجب قانون صادر عن البرلمان؛ الأمر الذي كان مكلفًا للغاية؛ وبالتالي كان متاحًا للأثرياء فقط. وبموجب ذلك القانون كان على النساء اللاتي يرغبن في الطلاق بسبب ارتكاب أزواجهم الزنا إثبات أن أزواجهن غير مخلصين، وأيضًا إثبات أخطاء إضافية مثل القسوة، والاغتصاب، وزنا المحارم.

قوانين الطلاق المُجحفة تشجّع على تزييف الخيانة!

ظل حصول المرأة على الطلاق مقيدًا مقارنةً بالرجل؛ فكان باستطاعة الرجل تطليق زوجته بتهمة الزنا فقط، بينما كان يتطلب من المرأة تقديم دليل على الزنا، بالإضافة إلى جريمة أخرى لتطليق زوجها. وفي بعض الأحيان، كُتبت هذه المعايير المزدوجة في قوانين الطلاق، وفي أحيانٍ أخرى فرضت المحاكم القوانين على نحوٍ غير متساوٍ.

ولم يكن يُنظر للعنف المنزلي الذي يمارسه الرجل ضد زوجته سببًا للطلاق حتى القرن 20. ومع أن القوانين الجديدة وسعت أسباب الطلاق إلا أنها احتفظت بالأيديولوجية الأساسية لسابقتها الدينية، وهي أن الزوجين لا يمكن أن ينفصلا إلا إذا ظلم أحدهما الآخر بطرق معينة. 

ضاق البعض بهذه الشروط، ما جعل بعض الأزواج في الولايات المتحدة في القرن 20 يلجؤن إلى توظيف ممثلين للجلوس مع أحد الزوجين بكامل ملابسهم في السرير، والتقاط الصور معًا لاستخدامها كدليل على الخيانة.

وفي الستينات والسبعينات اعتمدت عديد من الدول قوانين الطلاق بدون أخطاء، والتي يمكن من خلالها للشخص أن يطلق زوجته دون إثبات الضرر، وبدون موافقة الطرف الآخر.

أحد أشهر هذه القوانين كان «قانون إصلاح الطلاق» لعام 1969، والذي سمح للأزواج بالطلاق بعد انفصالهما لمدة عامين، أو خمس سنوات إذا أراد طرف واحد منهما الطلاق. وسمح أيضًا بإمكانية إنهاء الزواج إذا انهار بشكل لا رجعة فيه، وأعفى كلا الطرفين من ضرورة إثبات خطأ أحدهما.

الطلاق الغربي.. طوائف ترفضه وعقبات تواجه ضحاياه

طرأت عدة تغيرات على قوانين الطلاق بعد ذلك، وتشكلت بروح عصرها، وسمات مجتمعها. ولكن حتى اليوم، لا تعترف الكنيسة الكاثوليكية بحالات الطلاق التي يمنحها القانون. وتنظر بعض المجتمعات مثل بعض الأجزاء من الهند إلى قوانين الطلاق الغربية على أنها إرث استعماري، وتمارس الطلاق وفقًا لقواعدها الدينية. 

وعلى الجانب الآخر يمكن أن يجعل التحيز في النظام القانوني، أو الوصمة المجتمعية، أو ضغوط المجتمع الطلاق أكثر صعوبة لبعض الأشخاص – غالبًا من النساء – مع أن القانون قد يسمح بالمساواة في الحصول على الطلاق.  

وحتى في الأماكن التي لا تكون فيها المرأة محرومة بموجب القانون أو غيره، غالبًا ما تجعل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الطلاق أكثر صعوبة بالنسبة للمرأة. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، تتعرض النساء لخسارة اقتصادية أكثر بكثير من الرجال بعد الطلاق. 

وخلاصة القول إنه في أفضل الحالات، يسمح الطلاق بدون سبب للزوجين بترك زيجاتهم غير السعيدة. ولكن حل رباط الزواج ليس ببساطة إرسال شخصين إلى طريقين منفصلين، بل إن ما يدين المُطلقون به لبعضهم البعض، وكيف يديرون جوانب الحياة التي تشاركوها سابقًا مرة أخرى تظل قضايا معقدة عاطفيًا وفلسفيًا.

العائلة

منذ سنة واحدة
أصدقاء بعض الطلاق.. 9 نصائح تجعل تجربة طلاقك إيجابية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد