شهد المغرب على طول تاريخه موجات متلاحقة من الأوبئة، لا يكاد يخبو واحد منها حتى يظهر وباء جديد يفتك بالناس وينشر الهلع؛ مما كان يسبب في جل الأحيان مجاعات ماحقة وقلاقل سياسية، تجبر الناس على الهجرة أو التكيف مع الأهوال المحدقة بهم. ويمكن تقسيم زمن الأوبئة في تاريخ المغرب إلى ثلاث فترات أساسية، ما قبل القرن الثامن عشر، ثم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فالقرن العشرين.

في هذا التقرير نسلط الضوء على تاريخ هذه الأوبئة، التي أعادها وباء كورونا العالمي إلى الأذهان.

1. ما قبل القرن 18.. كل الأوبئة «طاعون» يجلب الموت والظلام

في الواقع، لا يوجد الكثير من الكتابات التي توثق الأوبئة التي شهدها المغرب خلال فترة ما قبل القرن الثامن عشر، لكن النزر اليسير الذي وصلنا منها يفيد بأن المغاربة عاشوا الموت والظلام خلال تلك الحقبة بسبب الوباء، أو «الطاعون» الذي كانوا يطلقونه على الأمراض التي تفتك بهم جميعًا، وكانوا أيضًا يسمونه «المرض الوبل».

وفي هذا الصدد، يشير المؤرخ المغربي، حسن الوزاني، الذي عاش خلال القرن السادس عشر، في كتابه «وصف أفريقيا»، إلى أن أوبئة مرعبة كانت تجتاح المغرب دوريًّا كل 15 سنة تقريبًا. ويصف ابن عذاري المراكشي الآلام التي تكبدها المغاربة آنذاك، متحدثًا عن وباء ضرب البلاد سنة 1150م قائلًا: «نزل الوباء والطاعون بمدينة مراكش في شهر ذي القعدة، ولم يعهد مثله فيما تقدم من الأزمنة قبله، وانتهى عدد الأموات في كل يوم من 100 إلى 190 شخصًا أو أكثر من ذلك، حتى بات الناس لا يستطيعون حملهم إلى الجامع للصلاة عليهم».

2. القرنان 18 و19.. الطاعون والكوليرا يجتاحون المغرب

خلال هذه الحقبة ضربت المغرب خمسة أوبئة كبرى على الأقل، كان أقواها طاعون عام 1742م، وطاعون 1799م،  والكوليرا، تحدث عنها جميعًا المؤرخ محمد أمين البزاز بإسهاب في مؤلفه «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرن 18 و19م».

يذكر أمين البزاز، أن طاعون 1742 ظهر مباشرة عقب رياح هوجاء وأمطار طوفانية دمرت البيوت وأفاضت الوديان. وبدأ الزحف من مدينة فاس ومكناس، لينتشر في شمال المغرب بتطوان، وطنجة، ومناطق أخرى. فتفشى الخوف والغلاء، وعمت المجاعة البلاد.

ويقول البزاز في كتابه، كان «المصابون يعانون في بادئ الأمر من اضطراب شديد، ثم تأخذهم القشعريرة والدوران، فيتقيأون ويموتون». وإذا ما نجا أحدهم من هذه المرحلة «يصاب بحمى مرتفعة وانهيار تام، وبعطش لا تنفع له غلة، وبتصلُّب في الساقين وبالهذيان، وتظهر بعد ذلك عليه الدماميل في الإبط وأحيانًا في العنق والقفا، حتى يودي بحياته». وتفيد وثائق أوردها كتاب أمين البزاز، بأن الوباء في مدينة فاس كان يهلك من 160 إلى 400 ضحية في اليوم.

وشاع حينها أن هذا الوباء يأتي بسبب الإفراط في تناول الفواكه، كما روج لذلك يهودي من تطوان، لكن المؤرخين وثقوا فتك الوباء، ويرجحون أنه جاء مع قافلة تجارية محملة بالحرير قادمة من الشرق، وحملت العدوى إلى قرية بجوار فاس. استمر الطاعون حتى سنة 1744، غير أنه اشتعل من جديد في 1747 ووصل إلى سلا والرباط، ولم ينحسر سوى في سنة 1751.

مع مطلع القرن التاسع عشر، سيحل طاعون آخر ينكل بحياة الناس، يحكي عنه عبد السلام بن سليمان الفشتالي قائلًا: «فشا الطاعون بالمغرب أول ما ظهر بقبيلة لوداية، حتى فنى من شاء الله بمحلتهم، ودخل فاس، حتى تحيرت الناس وفتنوا من كثرة الموتى، وباتوا يرمون حوائجهم ولباسهم في الطرق». وقد انتشر الوباء إلى باقي مناطق البلاد بسبب تنقل الحميات العسكرية للسلطان.

مجتمع

منذ سنتين
كيف عانى أهل المغرب قديمًا من وباء الكوليرا؟

ويُبلِّغ القنصل الإنجليزي دجاكسون عن الوباء في مراسلة له، «إن المريض الذي كانت تأخذه القشعريرة ولم تكن تظهر عليه الدماميل، كان يموت في ظرف 24 ساعة، وكانت جثته تتعفن بسرعة». ويذكر القنصل أنه أودى بحياة الآلاف من الناس في كل من فاس، ومراكش، وآسفي، والصويرة، والرباط، وأفنى قرى بأكملها.

وتصف بعض المراسلات الأجنبية الفصول المأساوية التي كانت تجري في المدن، فكان «الناس يلقون بالجثث في حفر كبيرة، وقد يتركونها في العراء لتنهشها الكلاب والطيور الكاسرة. وأمام شبح الفناء عمَّ اليأس والاستسلام. وتهافت الموسرون في المدن على شراء الكتان لتلِفّ جثثهم حينما يأتي دورهم، كما عمدوا إلى تفريغ مطاميرهم وتوزيع ما تختزنه من أقوات على الفقراء، تحسبًا لمقرهم الأخير». وظل هذا الوباء يبرز ويخفت إلى سنة 1808م.

لاحقًا وفي عام 1818 ضرب المغرب طاعون آخر، استغله السلطان مولاي سليمان، للدعاية السياسية ضد القبائل المتمردة، مدعيًا أن الطاعون جاء «غضبًا من الله على العاصين لخليفته في الأرض»؛ فساعده ذلك في ترسيخ نفوذه وسلطانه.

بُعيد راحة دامت أكثر من عقد، استجمع فيها سكان المغرب قواهم والتأمت جروحهم، سيحل داء الكوليرا بالمغرب سنة 1835، بعدما اكتسح الشرق وأوروبا. وقد ابتدأت الكوليرا بفاس ومكناس، ثم زحفت على مناطق البلاد بالوسط والشمال، سموها المغاربة «الريح الصفراء» و«داء بوكليب».

وكانت الكوليرا تقضي على المصاب بها سريعًا، مما كان يسبب هلعًا شديدًا بين الناس؛ إذ يصف أعراضها عبد الرحمن الفاسي في «تذكرة المحسنين». قائلًا: «من الناس من يصيبه وجع بقلبه، وتنقطع معه أمعاؤه، وتبرد ذاته، وتغور عيناه، ويطلق بطنه من أعلاه إلى أسفله، فيمكث ساعة أو ساعتين فينقضي نحبه. ومنهم من يبدؤه الألم والبرد من رأسه فإذا وصل إلى قلبه مات».

مع ذلك، لم تخلف الكوليرا خسائر بشرية بالفداحة نفسها التي كانت تفعلها «الطواعين» السابقة، إذ حسب المراسلات الأجنبية، كان عدد ضحاياها في طنجة والرباط في حدود 40 إلى 60 شخصًا يوميًّا في أيام الذروة، كما أنها تنتشر ببطء. بيد أن خطورتها تكمن في دوراتها المتكررة، حيث عادت لتنقض على البلد في موجات متعاقبة في عام 1855 و1868 و1878، وأيضًا عام 1896.

3. القرن 20.. الاستعمار يكافح الأوبئة خوفًا من انتقالها إلى أوروبا

مع دخول القرن العشرين، ستستمر الأوبئة بالظهور في المغرب، لكن هذه المرة ستتم مواجهتها بالطب والعلوم، التي بدأ يصل صداها إلى البلد، عقب موجة الاستعمار الفرنسي، في النصف الأول من القرن نفسه، وتداعيات العولمة في نصفه الثاني.

في سنة 1912، زمن بداية «الحماية الفرنسية»، ظهر وباء التيفوس وحمى المستنقعات بالمغرب، وخلفا مئات الضحايا في كل يوم بربوع البلاد، ليخلفا 10 آلاف ضحية في منطقة الشاوية وحدها. بعدها وصلت الإنفلونزا الإسبانية إلى الدار البيضاء وطنجة عبر الجنود الفرنسيين القادمين من أوروبا الموبوءة آنذاك في عام 1918. وسيعاود التيفوس وحمى المستنقعات الظهور في 1928.

وخلال الثلاثينيات، ستظهر أوبئة أخرى في المغرب وتصيب الآلاف مثل الملاريا والجذام، ووباء الزهري، وداء السل، حيث كانت تسهل المستنقعات الملوثة انتقالها للإنسان عن طريق البراغيث والقوارض البرية.

وحسب الباحث أحمد الزيداني، فإن انتشار الأوبئة والأمراض المعدية، التي عرفها شمال المغرب بداية عهد الحماية (1912: 1956)، كانت من أهم أسباب التسريع بتنظيم قطاع الصحة بالمنطقة؛ خوفًا من انتقالها إلى الضفة الشمالية للمتوسط لتصل أوروبا، سيما بعد أن ازدادت تحركات الأشخاص والبضائع، إذ عمدت المصالح الإسبانية والفرنسية المستعمرة إلى استخدام طرقها الحديثة في مكافحة الأوبئة.

وهكذا عكفت كل من المصالح الإسبانية والفرنسية على بناء المستوصفات والمستشفيات في ربوع البلاد، وجلب الأطباء والباحثين للسيطرة على الأمراض والأوبئة المنتشرة بالمغرب حينئذ، فبدأ لأول مرة بالبلاد تداوي الناس بالعقاقير الطبية، وإطلاق حملات تلقيح، وبناء مصانع للأدوية واللقاح. وبالتوازي مع ذلك عملت على تنظيم الأسواق والهجرات الجماعية، وكذا توسعت البنية التحتية للصرف الصحي لتشمل مزيدًا من السكان.

تاريخ

منذ 8 شهور
«المجاعة السوداء».. عندما قضى الجوع والمرض على خُمس سكان الجزائر

كل ذلك ساهم في الحد من الأوبئة التي كانت تقض مضجع المغاربة بشكل مستمر، وسيزداد الأمر تحسنًا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بفعل تداعيات العولمة، ومجهودات منظمة الصحة العالمية، التي كانت تنسق حملات صحية منتظمة لصالح بوادي المغرب المنسية.

بحلول القرن الواحد والعشرين انتهى كابوس الأوبئة، الذي ظل يقض مضجع المغاربة طوال تاريخهم، قبل أن يأتي فيروس كورونا ليذكرنا ثانية بحجم الأهوال التي عاشها المغاربة، في زمن لم يكن فيه الطب الحديث موجودًا للعلاج، ولا التلفاز ولا الإنترنت حاضرًا ليعينهم على فهم الذي يحدث حولهم، أو على الأقل يرفه عنهم في غمرة اليأس والكرب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد