تضفي الألوان على حياتنا البهجة والروح، سواء كانت المحيطة بنا في الطبيعة، أو تلك التي صنعها البشر. ويمكن للعين البشرية أن ترى ما يقارب 10 ملايين لونًا مختلفًا، ليس لها أسماء بالضرورة.

وللألوان حكايات وغرائب، سواء خاصة بحياتك ومرتبطة بذكرياتك وحدك، أو حكايات غريبة خاصة باللون ذاته، تسرد نشأته وربما نهايته.

فيما يلي نتناول خمسًا من الحكايات والغرائب عن الألوان.

1. الأرجواني لون الأثرياء لعدة قرون

لقرون عديدة كانت قيمة الصبغة الأرجوانية أعلى من الذهب، وكان استخدامه حكرًا على الملوك والنبلاء، فخلال الإمبراطورية الرومانية كان من الممكن إعدام أي شخص غير نبيل تجرأ على ارتداء اللون الأرجواني. ومنعت الملكة إليزابيث الأولى أي شخص من ارتدائه، باستثناء أفراد العائلة المالكة.

كان يُعتقد أن هذا اللون الأرجواني المحمر يشبه الدم الجاف، ويربط أفراد العائلة المالكة بفكرة السلالة الإلهية؛ لذا أصبح استخدامه شائعًا بين الطبقة الحاكمة في مصر، وبلاد فارس أيضًا.

الأرجواني أصبح في متناول الجميع

الأرجواني أصبح في متناول الجميع.

سبب ندرة الصبغة الأرجواني هو أن انتاجها كان صعبًا ومكلفًا للغاية، وكانت مدينة صور الفينيقية هي المنتج الرئيس للصبغة، والتي كانت تسمى أرجوانية صورية، أو أرجوانية ملكية.

لاستخراج الصباغ، كان لا بد عن جمع مئات الآلاف من حلزونات البحر وتعريضها لأشعة الشمس. تطلبت هذه العملية ما يصل إلى 9 آلاف حلزون مقابل جرام واحد من الصبغة؛ مما جعلها باهظة التكلفة بالنسبة للجميع تقريبًا.

اتخذ اللون الأرجواني منحى مختلف منذ عام 1856، حينما اخترع الكيميائي الإنجليزي ويليام هنري بيركين، عن طريق الخطأ، صبغة أرجوانية أرخص بكثير أثناء عمله على علاج مضاد للملاريا. ساعدت هذه الصبغة الجديدة في أن يصبح اللون الأرجواني متاحًا للجميع.

2. أشد سوادًا من فانتا بلاك!

في عام 2014 اخترع باحثون بريطانيون مادة فانتا بلاك، وبعد فترة وجيزة أُعلن أنها أحلك مادة أُنتجت في المختبر على الإطلاق، فلديها القدرة على امتصاص 99.96% من الأشعة فوق البنفسجية، والطيف المرئي، والأشعة تحت الحمراء.

منذ ذلك الحين قام الفريق الذي يقف وراء الاختراع من شركة «Surrey NanoSystems» بزيادة سواده، وفي أوائل عام 2016 أعلن أنه لا يوجد مقياس طيف في العالم قوي بما يكفي لقياس مقدار الضوء الذي يمتصه.

قناع وجه ثلاثي الابعاد تختفي معالمه تمامًا بعد الطلاء بفانتا بلاك

قناع وجه ثلاثي الابعاد تختفي معالمه تمامًا بعد الطلاء بفانتا بلاك

الفانتا بلاك عبارة عن طلاء خاص مصنوع من ملايين الأنابيب النانوية الكربونية، يبلغ قياس كل منها حوالي 20 نانومترًا، أي أن مساحة 1 سم مربع من فانتا بلاك تحتوي حوالي مليار من هذه الأنابيب النانوية.

عندما يُسلط الضوء على فانتا بلاك، فإنه يدخل الفجوات بين الأنابيب النانوية، ويُحاصر، ويُمتص على الفور تقريبًا أثناء ارتداده بينها.

في عام 2019 توصل الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عن طريق المصادفة، إلى مادة جديدة – لم تُسمَّ بعد – تنقل السواد إلى مستوى جديد، يمكنها امتصاص 99.995 من الضوء، أي أنها أعلى من فانتا بلاك، وبمعنى آخر يمكنها عكس ضوء أقل 10 مرات من أشد المواد اسودادًا. وتستخدم المواد فائقة السواد في الأدوات البصرية مثل الكاميرات والتلسكوبات.

3. بني المومياوات.. مومياوات حقيقية لطلاء اللوحات

بدأ ظهور طلاء يعرف باسم «بني المومياوات» في القرن السادس عشر في الفن الأوروبي، ولم يكن الاسم مجرد مصادفة، وإنما لأن الطلاء بالفعل مصنوع من حطام المومياوات المصرية. كانت صبغة بني المومياوات محببة لدى رابطة رسامي «ما قبل الرفائيلية» في القرن التاسع عشر.

لإنتاج الطلاء، تُخلط بقايا المومياوات المطحونة مع الزفت البيضاء وشجرة المر، وتكون النتيجة لون بني جذاب وشفاف، ولكنه كان عرضة للبهت، إلا أن هذا لم يُغير اهتمام الفنانين به وحرصهم على استخدامه.

ربما نشأت ممارسة صنع صبغات اللون من المومياوات من ممارسة غريبة أخرى مماثلة. في أوروبا، خلال القرنين 16 و17، كانت تصنع من المومياوات مواد تستخدم في الطب، قد يبتلعها المرضى أو يدهنونها موضعيًا.

بعد مرور بعض الوقت، توقف الطلب على المومياوات في الطب، ولكن حملة نابليون إلى مصر من 1798 إلى 1801 وفك رموز حجر رشيد، أعلنت عن بداية جنون آخر حول أي شيء في مصر. وأصبحت المومياوات ذات شعبية متزايدة مرة أخرى؛ إذ جلب السائحون مومياوات كاملة إلى منازلهم لعرضها في غرف معيشتهم، وأصبحت حفلات فك المومياء شائعة.

لم يكن كل الفنانين الذين استخدموا لون بني المومياوات يعلمون أن أساسه قائم على مومياوات حقيقية، وانزعج بعضهم حينما علموا بذلك، وسارعوا إلى وقف استخدام اللون.

4. أبيض الرصاص.. صبغة تسمم مستخدميها

منذ القرن الرابع قبل الميلاد، كان الإغريق والرومان والمصريون القدماء يستخدمون صبغة بيضاء سميكة مصنوعة من الرصاص للماكياج، والطب، والطلاء. وكانت عملية صنعها بسيطة وتتلخص في نقع معدن الرصاص في الخل، ثم كشط المسحوق الأبيض الذي تشكل.

تعرض المصنعون ومستخدمو الصبغة إلى تسمم الرصاص، وهو ما أطلقوا عليه آنذاك «مغص الرسام». فالرصاص يمكن أن يدخل الجسم مباشرة، ويخترق الجهاز العصبي عند استنشاقه، أو بلعه، أو ملامسته، ويمكن أن يسبب ضررًا طويل المدى للدماغ والكلى، كما يعطل الرصاص الوظيفة الطبيعية للكالسيوم في الجسم، ويمكن أن يسبب إعاقات عقلية، وارتفاع ضغط الدم.

على الرغم من أنه كان واضحًا أن هذا الطلاء كان مميتًا، لم يتمكن الفنانون من العثور على تطابق جيد مع كثافته، وشفافيته، ودرجاته الدافئة، واستخدموه حتى حُظر رسميًا في السبعينات.

5. أخضر الزرنيخ.. الموضة القاتلة

في عام 1814 طورت شركة ألمانية صبغة خضراء جديدة تكاد تنبض بالحياة اكتسحت المجتمع الفيكتوري الراقي. تهافتت النساء على ارتداء الملابس المصبوغة بتلك الصبغة التي تشبه الزمرد، كما انتشر استخدامها في أوراق الحائط والسجاد.

لسوء الحظ صُنعت الصبغة الجديدة من الزرنيخ النحاسي الذي يحتوي على عنصر الزرنيخ المميت. النساء اللواتي ارتدته امتلأن بالبثور والتقرحات، وبدأت العائلات تتقيأ في غرف المعيشة الخضراء.

فنون

منذ 3 سنوات
سحرُ الجمال.. بعض الأشخاص يمكن أن يسمعوا الألوان!

وكانت أبشع الميتات المسجلة عن هذه الصبغة تعود للشابة ماتيلدا شورير، وهي امرأة تبلغ من العمر 19 عامًا كانت تضع صبغة الزرنيخ الخضراء على زهور مزيفة. توفيت ماتيلدا بطريقة أرعبت السكان في عام 1861، فقد تقيأت القيء الأخضر، وتحول بياض عينيها إلى اللون الأخضر، وأثناء احتضارها، ادعت أن كل شيء نظرت إليه كان أخضر.

على الرغم من أن الناس في ذلك الوقت كانوا على دراية بأن الزرنيخ كان مميتًا عند تناوله، إلا أنهم كانوا يجهلون تأثيره عند التعرض له بطرق أخرى. وعلى الرغم من أن الأطباء ووسائل الإعلام اكتشفوا الصلة بسرعة، قاوم الناس التحذيرات باسم الموضة حتى عام 1895.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد