يقول جوزيف بيرن، في كتابه «الموت الأسود» عن نشأة المستشفيات: «استعار الرومان من اليونان قديمًا، مزارات الشفاء، فيجلس المريض ويصلي للآلهة كي تشفيه»؛ إذ كانت المشافي قديمًا أشبه بدور العبادة، يقصدها العبيد والجرحى والجنود المصابون، رغبةً في الراحة والشفاء. كما كانت تعنى بالفقراء والطاعنين في السن والحجاج تمامًا كالمرضى. ظل الوضع كذلك حتى أواسط القرن السادس عشر، وذلك عندما ضرب «الموت الأسود» القارة الأوروبية واضطرت المستشفيات إلى إجراء تغييرات هيكلية شاملة لتتناسب مع السعة الفعلية لضحايا الطاعون. فما هو تاريخ تطور مزارات الشفاء التي عرفها أجدادنا القدماء؟

«البیمارستانات».. تاريخ المستشفيات في العالم الإسلامي

بعكس الحال في العالم الغربي، كان وضع المستشفيات وتطورها في العالم الإسلامي مختلفًا. في كتاب «المؤسسية في الإسلام: تاريخًا وتأصيلًا» يشير الباحثون إلى أن أول مستشفى «غير ثابت» في الإسلام، أمر بإقامته النبي محمد في غزوة الخندق، وذلك بعدما أصيب سعد بن معاذ، ونقل إلى خيمة امرأة تدعى رُفيدة، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب نفسها لخدمة من أصيب من المسلمين. وفي كتابه «قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية»، يشير الباحث راغب السرجاني إلى أن المستشفى الثابت الإسلامي الأول أسس في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك الذي حكم من سنة 86 هـ إلى سنة 96 هـ. قائلًا: «المسلمون هم أول من أسس المستشفيات في العالم، بل سبقوا غيرهم في ذلك الأمر بأكثر من تسعة قرون»، بحسبه.

علوم

منذ سنتين
«شمس الله تسطع على الغرب».. كيف طوّر المسلمون الطب ومنحوه للعالم بالمجان؟

كان هذا المستشفى متخصصًا في «الجذام»، وقد أمر الخليفة بعزل المجذومين لئلا يخرجوا ويختلطوا بالناس، وقد أجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق؛ أي وهبهم مالًا ورزقًا، فكان هذا أيضًا أول «محجر صحي» في الإسلام. وقد كانت المستشفيات الثابتة في أول عهدها بسيطة، إلا أنها ازدهرت وتطورت في عهد العباسيين.

نشأت بعد ذلك العديد من المستشفيات في الأقطار الإسلامية وتزايد عددها في الحواضر حتى أن مدينة قرطبة وحدها كان بها 50 مستشفى في أواسط القرن العاشر الميلادي؛ وقد بلغ بعضها مبلغًا عظيمًا؛ إذ أصبحت بمثابة قلاع للعلم، وتعد من أقدم الكليات والجامعات في العالم. وقد جاء في كتاب «طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة أن اختيار أماكن بناء البيمارستانات كان يأتي بعد بحث وتفكير لاختيار أكثر الأماكن صحة وجمالًا، فيقول أن عضد الدولة قد استشار الطبيب أبا بكر الرازي -المتوفي عام 925 م- ليختار له مكانًا لبناء مستشفى يحمل اسمه، عندها طلب الرازي أن يعلق «شقفة لحم» في كل ناحية من جوانب بغداد، وقد اعتبر الناحية التي لم يتغير اللحم فيها، هي الأكثر صحة لإقامة هذا المستشفى.

(البيمارستان الإسلامية)

«كان رئيس الأطباء يتفقد أحوال المرضى ومعه معاونوه، فيما يتناوب الأطباء الأخصائيون على ساعات دوام العمل». *سير العمل الطبي داخل البيمارستانات -المؤسسية في الإسلام

في ذلك الوقت، كانت دور الشفاء في العالم الإسلامي تعرف بـ«البيمارستانات» -وهي كلمة فارسية تعني «محل المريض»، وقد عرفتها الدولة الساسانية قبل الإسلام. في الإسلام أنشئت البيمارستانات وكان منها الثابت والمتنقل؛ وكان العمل في البيمارستانات الكبرى يسير وفق نظام دقيق، وكانت دور الرعاية تنقسم إلى قسم خاص بالنساء وآخر بالرجال، وفي كل قسم عدة قاعات فسيحة لمختلف الأمراض، منها قاعة للجراحة وأخرى للأمراض الباطنة، وثالثة للتجبير وواحدة لأمراض العيون، وغيرها. وقد كان لكل قسم من هذه الأقسام خدم وفراشين من الرجال والنساء يعملون على خدمة المرضى وتقديم الطعام والدواء لهم.

تاريخ

منذ 4 شهور
5 من أبرز علماء الفلك في الحضارة الإسلامية

كانت «الشرابخانة» -أي الصيدلية أو بيت الشراب- جزءًا مهمًا من مرافق «البيمارستانات»، ويعمل عليها العشابون -أي الصيادلة- وكانت تكتب للمرضى أوراقًا يعتمد عليها في صرف الدواء – أي روشتات. أما المشفى المتنقل، فقد كان يجوب القرى البعيدة والصحاري؛ وذلك لتقديم الرعاية الطبية لمن يحتاجونها؛ ممن يعانون من الكوارث الطبيعية والأوبئة. وقد كانت نشأة المستشفى المتنقل في البداية، ليستعملها السلاطين في حروبهم وتنقلاتهم، وهي عبارة عن «مستوصفات» محمولة على الإبل. 

عن «البيمارستانات» يقول راغب السرجاني، أنها لم تكن فقط دور علاج، بل كانت كليات طب حقيقية على أرقى مستوى؛ وفيها الأطباء المتمرسون يمرون على المرضى كل يوم وبصحبتهم تلاميذ الطب، ممن يبدأون المراحل الطبية الأولى؛ فيعلمهم التشخيص ووصف العلاج، وتكون مهمتهم متابعته وتدوين الملاحظات. وكان الأستاذ يقرأ على الطلاب من الكتب الطبية، ويشرح ويوضح ما جاء فيها ويجيب عن أسئلتهم، وفي نهاية كل مرحلة تعليمية يعقد امتحانًا؛ وذلك حتى يمنح الطلاب الإجازة في التخصص المناسب لهم.

«مزارات الشفاء».. أماكن للتعبد والراحة في الحضارات القديمة

في الحضارات القديمة، يعود تاريخ المؤسسات الصحية التي تعنى بالمريض إلى أكثر من 1200 سنة قبل الميلاد، وذلك في المعابد الإغريقية؛ إذ نادى الطبيب الإغريقي الشهير «أبقراط» -المتوفى 370 ق.م- بضرورة فصل الطب عن الدين والفلسفة، وتوجيه ميدان الطب نحو اتجاه منطقي. وقد حظي التدريب الطبي ودراسة العوامل البيئية على حالة الصحة والمرض باهتمام كبير في تلك الفترة الزمنية، نتيجة لذلك.

الحضارة الإغريقية

يشير الدكتور سليم بطرس جلدة في كتابه «إدارة المستشفيات والمراكز الصحية» إلى أن الطب الإغريقي قد بلغ ذروته عام 400 ق.م، وذلك بعدما ظهرت معابد آلهة  الطب الإغريقية «أسقليبيوس»، وقد اعتبرت تلك المعابد هي أول المستشفيات التي ظهرت في حضارات اليونان والرومان.

قالوا عنها: «مزارات الشفاء»، وقد استُخدمت مأوى للمرضى إلى جانب العبادة، وكانت العناية الطبية لتلك المستشفيات قائمة على تعريض المريض لكمية كافية من الهواء الطلق وأشعة الشمس، وذلك بالإضافةِ إلى اتباع نظام محدد للتغذية والراحة والتمارين. يشير بطرس جلدة إلى أن أهم ما أنجزه الإغريقيون هو قدرتهم على تشخيص الأمراض بالملاحظة والاستنتاج.

(تقرير مصور عن الطب في الحضارة الإغريقية)

الحضارة المصرية القديمة

أما عن المستشفيات في الحضارة المصرية القديمة؛ فيشير بطرس إلى أن الوثائق التاريخية التي تعود إلى مصر سنة 600 ق.م، قد ذكرت تخصيص معابد لرعاية المرضى، سميت «معابد الشفاء»، وكان الأطباء من كهنة المعبد، الذين تمرسوا بإجراء العمليات الجراحية وتجبير الكسور. كما كانوا أول من وصف العقاقير وطور طرقًا عملية لشفاء المرضى. وقد حذا البابليون حذو المصريين القدماء في وصف العقاقير الطبية من الأدوية العشبية وإجراء التبخير واستخدام بول الحيوانات وبرازها ومسحوق عظامها في الشفاء.

الحضارة الهندية القديمة

عرفت الهند هي الأخرى «مزارات الشفاء»، في الفترة الممتدة ما بين سنة 273 وسنة 232 ق.م؛ إذ بنيت المستشفيات وأطلق عليها «السيكيستا (Cikista)»، أي معابد الشفاء، وعرف عن الأطباء الهندوس أنهم كانوا من الجراحين المهرة، وقد اكتشفوا أهمية النبض في تشخيص أمراض الإنسان، وتميزت أماكن العلاج بنظافة بيئتها، وكانت تسمح للمرضى للمبيت تحت الملاحظة.

الحضارة الرومانية

أخذت الحضارة الرومانية نظام المستشفيات عن الحضارة الإغريقية في اليونان، وفيها نجد مصحات خاصة للعناية بالعبيد؛ إذ عرف اليونان أهمية العناية الطبية للحفاظ على القوى العاملة بكامل طاقتهم الإنتاجية.

«مآوي الأديرة».. مستشفيات القرون الوسطى التي غيرها الطاعون

في زمن الموت الأسود، كانت مدرسة الطب في باريس هي الأرفع مكانة في أوروبا، وذلك لكونها مدرسة ثرية تتبع جامعة كبيرة وتحظى بعناية خاصة من قبل الملك والبرجوازية والكنيسة الفرنسية. وكانت هي المدرسة التي ذهب إليها البابا ذات يوم يرتجي النصيحة إبان جائحة «الطاعون». وقد كانت مدارس الطب حينذاك مقسمة إلى طبقات فيها الأطباء الجامعيون يحتلون مركز الصدارة، يليهم الجراحون في مرتبة أدنى؛ إذ تعاملوا معهم باعتبارهم حرفيين مهرة مؤهلين لوقف النزيف وتضميد الجروح؛ أما حلاقي الصحة، فكانوا في أغلبهم أميين لم يلتحقوا بأية جامعة، ولم يعدوا من النخبة، واعتادوا العمل أطباء، وكانوا يحلقون الشعور والذقون لزيادة دخولهم.

كانت تلك هي المؤسسة الطبية إبان القرن الرابع عشر، في مرحلة ما قبل الطاعون، والتي تعود في أصولها إلى الطب اليوناني النظري. وكان كل ما لدى الأوروبيين من معرفة بالأوبئة، يستند إلى كتاب «جالينوس» عن الحميات، والذي كان عمره حتى هذه اللحظة ألفي عام. 

(مستشفيات الراحة والمواساة)

لم تصمد تلك الدراية البسيطة بعلمِ الأوبئة في وجه «الطاعون»، كما تجاوز عدد المرضى والجثث السعة الفعلية للمستشفيات، فكان يتم نقل أكثر من 500 جثة يوميًا بالعربات من مستشفى أوتيل ديو في باريس إلى المقابر الجماعية المخصصة للدفن، في النهاية ألقيت الجثث في الشوارع لم تجد من يحملها. وعندما طلب الملك فيليب السادس، ملك فرنسا، المشورة من مدرسة الطب في جامعة باريس، أتاه رأي بغير فائدة، وانهارت نتيجة لذلك النظم الطبية في أوروبا القرن الرابع عشر، وتطورت المستشفيات لتتناسب مع احتياجات العصر، ولا تقف عاجزة تعزل المرضى المصابين دون قدرة على التوصل لعلاج. وقد عرفت الصحة العامة حينذاك نظمًا وقوانين جديدة كانت هي بذرة النظام الصحي في العصر الحديث.

أما عن مستشفيات الحجر الصحي، فكانت بدايتها من مستشفى المعوزين المحلي في بيرج عن طريق الخطأ، وذلك عندما دخل مريض بالطاعون إلى المستشفى، فمرض من فيه؛ حينها اضطرت السلطات التنفيذية إلى غلق المستشفى على من فيه وعزلهم. قبل تلك الجائحة التي زلزلت النظام الصحي في أوروبا، أوحى نظام الصدقات المسيحي بفكرة المآوي والمستشفيات؛ باعتبارها ملاذًا يجد فيه المشردون والمرضى الرعاية اللازمة من الإخوة والأخوات، وقد كان ذلك متوازيًا مع تطور نظام الأديرة -مكان إقامة الرهبان والراهبات الذين وهبوا أنفسهم للصلاة وحياة الجماعة- كما يعتقد أن القديس باسيل كان أول من أنشأ مستشفى للجذام، وفي القرن الثاني عشر انتشرت مشافي الجذام في الإمبراطورية الشرقية، وذلك لتخليص المجتمع من المجذومين الذين انتقلوا غربًا من الصليبيين العائدين من «الحروب الصليبية» في القرن الثاني عشر، بحسب جوزيف بيرن وكتابه «الموت الأسود».

في إنجلترا، كانت مستشفى القديس بيتر في يورك هي الأولى، وقد كانت المستشفيات في بريطانيا على غرار مثيلاتها، ترتبط بالأديرة عادةً، وتؤمن نفقاتها من الهبات النقدية والأراضي والمباني التي يقدمها المانحون. وكانت المستشفيات في ذلك الوقت تعتني بالمرضى والمسنين والفقراء ورجال الدين واليتامى والحجاج، وتأويهم وفقًا لما يتناسب مع كلٍ منهم. وقد كان المرضى يتلقون علاجهم من الممرضين والجراحين، ونادرًا ما كان يراهم الأطباء.

تاريخ

منذ شهرين
الحجر الصيني ليس الأول من نوعه.. تعرف إلى أقسى تجارب الحجر الصحي في التاريخ

لم يكن هدف المستشفيات في ذلك الوقت من القرن الثالث عشر الشفاء، بل كان التفريج عن المرضى حتى يستكملوا عملية تعافيهم الطبيعي. إذ يشير بيرن إلى أن المدن في العصور الوسطى حظت بخدمة جيدة في المستشفيات؛ إلا أنها تضمنت أهدافًا عديدة، أقلها أهمية كان شفاء المرضى.

كانت المستشفيات في أوروبا تتبع النظام ذاته حتى أواسط القرن السادس عشر؛ فقد اختفى المجذومون ومشافي الجذام؛ وفي المناطق البروتستانتية، أغلقت الأديرة الكاثوليكية، كما أغلقت المستشفيات أو أصبحت في عهدة الدولة. عن ذلك يقول بيرن: «حصر الموت الأسود المستشفيات في الزاوية: إما أن تتوسع وتجري ترتيبات خاصة لضحايا الطاعون أو تستثنيهم. كما حد من وظائفها باعتبارها محطات طرق ومآوٍ، مما يسمح لها بالتركيز مع المرضى».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد